البرنامج الكيميائي الإيراني وحلبجة: الجدل حول المسؤولية خلال الحرب الإيرانية–العراقية

ضحايا القصف الكيميائي في حلبجة

إيهاب مقبل

يُعد ملف الأسلحة الكيميائية في الشرق الأوسط من أكثر الملفات العسكرية والسياسية تعقيدًا، خصوصًا خلال الحرب الإيرانية–العراقية (1980–1988)، التي شهدت استخدامًا واسعًا للأسلحة الكيميائية من قبل العراق وإيران. فقد مثّلت هذه الحرب نقطة تحول في تاريخ برامج الأسلحة الكيميائية في المنطقة، حيث دفع استخدام العراق لهذه الأسلحة ضد القوات الإيرانية إلى قيام إيران بتطوير قدرات كيميائية خاصة بها، وفق ما ذكرته تقارير استخباراتية أمريكية.

يركز هذا التقرير على تاريخ جهود إيران المرتبطة بالأسلحة الكيميائية، بدءًا من نشأة برنامجها خلال الحرب، مرورًا بتطور قدراتها بعد الحرب، وعلاقتها باتفاقية الأسلحة الكيميائية، وشبكة الموردين الأجانب الذين ساهموا في حصولها على التكنولوجيا والمواد الأولية. كما يتناول بالتفصيل الجدل التاريخي حول هجوم حلبجة عام 1988، والاتهامات المتبادلة بين إيران والعراق، والتقييمات الأمريكية التي أشارت إلى احتمال استخدام إيران لعوامل دموية مثل سيانيد الهيدروجين، إضافة إلى الروايات التي تنفي مسؤولية الجيش العراقي عن الهجوم، ومنها شهادة رئيس أركان الجيش العراقي السابق نزار الخزرجي.

ويستند هذا التقرير على مجموعة تقارير حكومية واستخباراتية أمريكية، وتقارير منظمات دولية، وتصريحات مسؤولين، وشهادات عسكريين سابقين، مع الإشارة إلى أن بعض جوانب قضية حلبجة ما تزال محل خلاف بين الباحثين والمؤرخين.

التطوير المبكر للبرنامج الكيميائي الإيراني خلال الحرب الإيرانية–العراقية
في سبتمبر أيلول 1980، غزت القوات العراقية بعض الأراضي في غرب إيران، لتبدأ حربًا استمرت ثماني سنوات حتى أغسطس آب 1988. وخلال السنوات الأولى من الحرب، امتنعت إيران عن استخدام الأسلحة الكيميائية ضد العراق، ويُقال إن ذلك كان مرتبطًا بموقف المرشد الإيراني آية الله روح الله الخميني الذي عارض استخدام هذه الأسلحة.

لكن وفقًا لوكالة استخبارات الدفاع الأمريكية (DIA)، بدأت إيران عام 1983 برنامجًا لتطوير الأسلحة الكيميائية “ردًا على استخدام العراق لعوامل مكافحة الشغب والعوامل الكيميائية السامة” خلال الحرب.

وبحلول عام 1998، أقرت الحكومة الإيرانية علنًا بأنها بدأت برنامجًا كيميائيًا خلال الحرب، لكنها أكدت أن الهدف كان الرد على استخدام العراق للأسلحة الكيميائية.

وفقًا لتقييمات DIA، بدأ البرنامج الإيراني تحت إشراف الحرس الثوري الإسلامي، المعروف باسم “الباسداران”، وهو قوة عسكرية منفصلة عن الجيش الإيراني النظامي، أنشأتها الحكومة الثورية بعد عام 1979 للقيام بمهام أمنية وعسكرية خاصة.

ومع مرور الوقت، ازداد دور وزارة الدفاع الإيرانية، خصوصًا عبر منظمة الصناعات الدفاعية التابعة لها، والتي نسب إليها مسؤولون أمريكيون دورًا أساسيًا في تجميع عناصر برنامج الأسلحة الكيميائية الإيراني.

وفي أبريل نيسان 1984، أعلن المندوب الإيراني لدى الأمم المتحدة رجائي خراساني، خلال مؤتمر صحفي في لندن، أن إيران كانت “قادرة على تصنيع أسلحة كيميائية” وأنها “ستنظر في استخدامها”.

وفي عام 1987، أفادت وزارة الدفاع الأمريكية بأن إيران أصبحت قادرة على استخدام كميات محدودة من غاز الخردل والسيانيد ضد القوات العراقية.

كما ظهر التحول الرسمي في السياسة الإيرانية تجاه الحرب الكيميائية في ديسمبر كانون الأول 1987، عندما نُقل عن رئيس الوزراء الإيراني حسين موسوي قوله أمام البرلمان إن إيران تنتج “أسلحة كيميائية هجومية متطورة”.

القدرات الكيميائية الإيرانية خلال الحرب
مع تطور القدرات الكيميائية الإيرانية، أصبح تحديد المسؤولية عن الهجمات الكيميائية خلال الحرب الإيرانية–العراقية أكثر تعقيدًا. فقد تبادل الطرفان الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية، كما تشير تقارير متعددة إلى أن كلا الجانبين امتلك قدرات كيميائية بدرجات مختلفة.

وفقًا لبعض التقارير الأمريكية، تمكنت إيران خلال الحرب من تطوير قدرات لإنتاج أو استخدام عدة أنواع من العوامل الكيميائية، من بينها غاز الخردل، والعوامل الدموية، والعوامل الخانقة.

وذكرت دراسة لوكالة استخبارات الدفاع الأمريكية عام 1990 أن هناك ادعاءات باستخدام إيران لخردل الكبريت في بعض الهجمات، وأن إيران إما اشترته من الخارج أو تمكنت من إنتاجه محليًا.

كما أضاف التقرير أن فريقًا تابعًا للأمم المتحدة فحص ضحايا هجمات كيميائية إيرانية ووجد أن بعضهم ظهرت عليهم آثار التعرض لعامل خنق يُعتقد أنه الفوسجين.

وفي أبريل نيسان 1988، فحص خبير طبي تابع للأمم المتحدة عشرات الجنود العراقيين الذين تعرضوا لهجمات كيميائية، وخلص إلى أن أعراضهم تتوافق مع التعرض لغاز الخردل. كما لاحظ لدى بعض المرضى أعراضًا تشير إلى احتمال التعرض لمادة مثبطة لإنزيم أستيل كولين إستيراز، وهي علامة قد ترتبط باستخدام عوامل الأعصاب.

ورغم هذه التقارير، لم تعترف إيران رسميًا بأنها استخدمت الأسلحة الكيميائية خلال الحرب الإيرانية–العراقية، وأكدت أنها طورت قدراتها الكيميائية بهدف الردع والدفاع.

هجوم حلبجة عام 1988: أكثر أحداث الحرب الكيميائية إثارة للجدل
في مارس آذار 1988، وقعت حادثة حلبجة، التي أصبحت لاحقًا واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ استخدام الأسلحة الكيميائية.

تقع مدينة حلبجة في شمال العراق ضمن إقليم كردستان، وكانت خلال تلك الفترة بين القوات العراقية والقوات الإيرانية التي تمكنت من السيطرة على المدينة بالتعاون مع مقاتلين أكراد.

في 16 مارس آذار 1988، تعرضت المدينة لهجوم كيميائي أدى إلى مقتل آلاف المدنيين، وأصبحت الحادثة رمزًا عالميًا لاستخدام الأسلحة الكيميائية ضد السكان المدنيين.

الرواية الأكثر انتشارًا دوليًا تحمل نظام صدام حسين مسؤولية الهجوم الرئيسي، وتقول إن القوات العراقية استخدمت مزيجًا من غاز الخردل وعوامل الأعصاب ضد سكان المدينة والقوات الإيرانية والكردية الموجودة فيها.

لكن في المقابل، ظهرت روايات أخرى، خصوصًا في بعض التقييمات الاستخباراتية الأمريكية، تشير إلى احتمال استخدام إيران لعوامل كيميائية خلال المعركة، وبشكل خاص عوامل دموية مثل سيانيد الهيدروجين أو كلوريد السيانوجين.

تقييمات وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية (DIA) عام 1990
تُعد تقييمات وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية (DIA) الصادرة عام 1990 من بين أبرز الوثائق التي استُشهد بها في النقاش حول احتمال استخدام إيران لعوامل كيميائية في حلبجة.

فقد ذكرت بعض التقارير الأمريكية في تلك الفترة احتمال وجود عامل دموي (Blood Agent) ضمن المواد المستخدمة في الهجوم، مثل سيانيد الهيدروجين أو كلوريد السيانوجين، وربطت هذه الاحتمالات بالجانب الإيراني.

واستندت هذه التقييمات إلى تحليل مجموعة من المعلومات الاستخباراتية والطبية، بما في ذلك طبيعة الأعراض التي ظهرت على بعض الضحايا، وتقارير التحقيق، وتقديرات قدرات الطرفين الكيميائية خلال الحرب.

لكن هذه التقارير لم تكن تحقيقًا جنائيًا ميدانيًا شاملاً يحدد بشكل قاطع الجهة التي أطلقت المواد الكيميائية في حلبجة، بل كانت تقييمات استخباراتية اعتمدت على مصادر متعددة. ولذلك فهي تمثل تحليلًا استخباراتيًا وليس إثباتًا قضائيًا نهائيًا.

تقرير ستيفن بيليتير (CIA) عام 1990 وفرضية العامل الدموي الإيراني
في عام 1990، قدم ستيفن بيليتير (Stephen C. Pelletiere)، الذي كان كبير المحللين السياسيين في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) لشؤون العراق أثناء الحرب الإيرانية–العراقية، تحليلًا لحادثة حلبجة تناول فيه احتمال استخدام عوامل كيميائية دموية مثل سيانيد الهيدروجين أو كلوريد السيانوجين.

وأشار بيليتير إلى أن وجود مؤشرات على استخدام عوامل دموية في حلبجة قد يرجح مسؤولية إيران عن هذا الجزء من الهجوم، لأن العراق، وفق تقييمه آنذاك، لم يكن معروفًا بامتلاك أو استخدام هذه الأنواع من العوامل الكيميائية.

وبحسب هذا التحليل، فإن وجود ضحايا ظهرت عليهم أعراض تتوافق مع التعرض لعوامل دموية، مع عدم وجود أدلة واضحة آنذاك على امتلاك العراق لهذه المواد، جعل بيليتير يستنتج أن إيران قد تكون مسؤولة عن هذا الجزء من الهجوم.

إلا أن هذا الاستنتاج تعرض لاحقًا للنقد، حيث أشار باحثون إلى أن العراق كان يمتلك برنامجًا كيميائيًا واسعًا ومتطورًا، وأنه استخدم خلال الحرب أنواعًا متعددة من العوامل الكيميائية، بما فيها غاز الخردل وعوامل الأعصاب.

كما اعتُبر أن عدم إثبات امتلاك مادة كيميائية معينة لا يعني بالضرورة عدم القدرة على استخدامها، وأن تحديد المسؤولية يحتاج إلى أدلة ميدانية مباشرة تربط المادة المستخدمة بالجهة التي أطلقتها.

وبذلك بقي تحليل بيليتير لعام 1990 أحد العناصر المهمة في الجدل حول دور إيران المحتمل في استخدام العوامل الدموية خلال أحداث حلبجة، لكنه لم يحسم وحده المسؤولية النهائية عن الهجوم.

شهادة نزار الخزرجي ومسؤولية الجيش العراقي عن هجوم حلبجة
من أبرز الشهادات التي شككت في الرواية القائلة بأن الجيش العراقي النظامي نفذ الهجوم الكيميائي على حلبجة، شهادة الفريق نزار الخزرجي، الذي شغل منصب رئيس أركان الجيش العراقي خلال الفترة من 1987 إلى 1990، أي أنه كان في موقع عسكري رفيع أثناء المرحلة الأخيرة من الحرب الإيرانية–العراقية.

في مقابلة أجريت معه، نفى الخزرجي أن يكون الجيش العراقي قد نفذ ضربة جوية أو مدفعية كيميائية ضد مدينة حلبجة في 16 مارس آذار 1988. وقال إن المعلومات الأولى حول وقوع هجوم وصلت إلى القيادة العراقية من خلال أجهزة الاستخبارات التي كانت تستمع إلى الاتصالات بين القوات الإيرانية والمقاتلين الأكراد، حيث أشارت تلك الاتصالات إلى وجود “ضربة” في منطقة حلبجة.

وأوضح الخزرجي أنه كان موجودًا مع وزير الدفاع العراقي عدنان خير الله في منطقة دربندخان، على بعد نحو 70 إلى 80 كيلومترًا من حلبجة، عندما وصلت هذه المعلومات. وبعد ذلك طلب وزير الدفاع التأكد من الأمر عبر القنوات العسكرية المختصة. وأضاف أنه بعد انتهاء الحرب طلب مراجعة سجلات القوة الجوية العراقية لمعرفة ما إذا كانت طائرات عراقية قد نفذت عمليات قصف في منطقة حلبجة في ذلك اليوم، وأن قيادة القوة الجوية أكدت له عدم وجود أي طائرات عراقية نفذت ضربات جوية هناك.

كما أشار الخزرجي إلى أن مدينة حلبجة كانت قد سقطت بيد القوات الإيرانية قبل وقوع الهجوم الكيميائي المعلن عنه بنحو 48 ساعة، وتحديدًا خلال الفترة بين 13 و14 مارس آذار 1988. ووفقًا لروايته، فإن القوات الإيرانية بعد دخولها المدينة واصلت تقدمها باتجاه المواقع الدفاعية الجديدة للقوات العراقية، حيث انتقلت المواجهات إلى مناطق أخرى أبرزها منطقة وادي زلم وممر بحيرة دربندخان.

وأوضح الخزرجي أن الفرقة العراقية الثالثة والأربعين، التي كانت مسؤولة عن الدفاع عن المنطقة، انسحبت من حلبجة بعد تقدم القوات الإيرانية، واتخذت مواقع دفاعية جديدة في منطقة وادي زلم، التي تبعد عشرات الكيلومترات عن المدينة. وبناءً على ذلك، رأى أن وجود القوات العراقية الرئيسية خارج حلبجة وقت الهجوم يثير تساؤلات حول الهدف العسكري من توجيه ضربة كيميائية واسعة إلى المدينة، خصوصًا إذا كانت القوات الإيرانية قد غادرتها لمتابعة العمليات باتجاه خطوط الدفاع العراقية الجديدة، معتبرًا أن هذا الأمر يضعف فرضية قيام الجيش العراقي النظامي بتنفيذ الهجوم.

ادعاء وجود آثار سيانيد الهيدروجين في حلبجة
أحد العناصر الأساسية في الرواية التي تشير إلى احتمال وجود دور إيراني في حلبجة هو الحديث عن استخدام عامل دموي مثل سيانيد الهيدروجين.

وفقًا للخزرجي، فإن لجانًا دولية من المختصين زارت المنطقة بعد الحرب وفحصت آثار الهجوم، وأنها وجدت مؤشرات على استخدام عامل كيميائي دموي. وقال إن العامل الذي تم تحديده كان سيانيد الهيدروجين، وإن هذا العامل لم يكن العراق يمتلكه، بينما كانت إيران تمتلك قدرات مرتبطة به.

كما أشار إلى أن عمليات التفتيش الدولية اللاحقة عن أسلحة الدمار الشامل العراقية لم تكشف عن وجود مخزون من سيانيد الهيدروجين لدى العراق، وإنما كشفت عن مواد كيميائية أخرى.

ويرى مؤيدو هذه الرواية أن وجود عامل دموي في حلبجة يمثل مؤشرًا مهمًا، لأن بعض التقييمات الأمريكية في عام 1990 تحدثت أيضًا عن احتمال استخدام عوامل دموية مثل سيانيد الهيدروجين أو كلوريد السيانوجين.

لكن من الناحية الفنية، فإن تحديد وجود عامل كيميائي معين لا يكفي وحده لإثبات الجهة التي استخدمته، إذ يحتاج الأمر إلى ربط المادة بمصدر إنتاج أو مخزون أو وحدة عسكرية محددة.

موقف نزار الخزرجي من استخدام العراق للأسلحة الكيميائية
رغم نفيه مسؤولية الجيش العراقي عن هجوم حلبجة، لم ينكر الخزرجي أن العراق استخدم الأسلحة الكيميائية خلال الحرب الإيرانية–العراقية.

وأكد أن القوات العراقية استخدمت الأسلحة الكيميائية في مناطق أخرى ضد القوات الإيرانية ضمن القصف المتبادل، لكنه قال إن هذه العمليات لم تكن تتم بواسطة وحدات الجيش النظامية أو مدافع الجيش التقليدية.

وأوضح أن هناك وحدات مدفعية خاصة مرتبطة بالأمن الخاص التابع مباشرة للرئيس صدام حسين، وكانت هذه الوحدات مسؤولة عن تنفيذ الضربات الكيميائية بناءً على أوامر القيادة السياسية العليا، ثم تعود بعد انتهاء المهمة.

وأكد الخزرجي أن القرار باستخدام الأسلحة الكيميائية كان يصدر من صدام حسين فقط، وأن التنفيذ كان يتم بواسطة تشكيلات مرتبطة به مباشرة، سواء عبر وحدات مدفعية خاصة أو طائرات تابعة للقيادة العليا، وليس عبر القوات التقليدية للجيش العراقي.

وبذلك يميز الخزرجي بين مسؤولية النظام العراقي السياسي والعسكري الأعلى عن استخدام الأسلحة الكيميائية في الحرب، وبين مسؤولية الجيش العراقي النظامي عن هجوم حلبجة تحديدًا.

وثيقة مجلس الأمن رقم S/21329 والموقف العراقي
في 23 مايو أيار 1990، قدم العراق إلى مجلس الأمن الوثيقة S/21329، وهي رسالة رسمية أرفق بها مقالًا نشرته صحيفة The Washington Post استنادًا إلى تقييم لوزارة الدفاع الأمريكية. وذكر المقال أن التقييم الأمريكي خلص إلى أن إيران والعراق استخدما أسلحة كيميائية خلال معركة حلبجة، وأن القوات الإيرانية ربما استخدمت عوامل دموية مثل سيانيد الهيدروجين، إضافة إلى الإشارة إلى أن إيران استخدمت أكثر من 50 قنبلة وقذيفة كيميائية خلال العمليات. كما أشار التقييم إلى أن العراق استخدم بدوره غاز الخردل وربما عوامل أعصاب، لكنه لم يحسم أي الطرفين تسبب في العدد الأكبر من الضحايا المدنيين.

واستند العراق إلى هذه المادة الصحفية لدعم موقفه الرسمي الرافض لتحميله وحده مسؤولية هجوم حلبجة، وطلب تعميمها كوثيقة رسمية من وثائق مجلس الأمن، دون أن يعني ذلك تبني الأمم المتحدة لمضمونها، إذ كانت الوثيقة مجرد رسالة مقدمة من الحكومة العراقية إلى المجلس.

هل شهدت حلبجة استخدامًا كيميائيًا من الطرفين؟
تُعد مسألة احتمال استخدام الأسلحة الكيميائية من قبل الطرفين خلال معركة حلبجة عام 1988 من أكثر الجوانب إثارة للجدل في دراسة هذه الحادثة. فبينما تتفق معظم الروايات على وقوع هجوم كيميائي أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، فإن الخلاف يتمحور حول الجهة أو الجهات التي استخدمت العوامل الكيميائية، وطبيعة المواد المستخدمة، وتسلسل الأحداث خلال المعركة.

ترى الرواية التي تحمل القوات العراقية المسؤولية الرئيسية أن الجيش العراقي نفذ هجومًا كيميائيًا واسعًا على مدينة حلبجة في 16 مارس آذار 1988، مستخدمًا مزيجًا من غاز الخردل وعوامل الأعصاب، ضمن العمليات العسكرية التي استهدفت القوات الإيرانية والمقاتلين الأكراد الذين كانوا يسيطرون على المدينة. وتستند هذه الرواية إلى طبيعة البرنامج الكيميائي العراقي خلال الحرب، وإلى استخدام العراق المتكرر للأسلحة الكيميائية في جبهات أخرى، إضافة إلى شهادات الناجين وتقارير حقوقية دولية.

في المقابل، تشير روايات أخرى إلى احتمال وجود استخدام إيراني محدود أو متزامن لعوامل كيميائية خلال معركة حلبجة. ويستند أصحاب هذا الرأي إلى بعض التقييمات الاستخباراتية الأمريكية الصادرة عام 1990، والتي تحدثت عن احتمال وجود عوامل دموية مثل سيانيد الهيدروجين أو كلوريد السيانوجين بين المواد المستخدمة، وربطت ذلك بإيران.

ووفق هذه الفرضية، كانت القوات الإيرانية موجودة داخل مدينة حلبجة بعد سيطرتها عليها في منتصف مارس آذار 1988، وربما استخدمت عوامل كيميائية أثناء المعارك مع القوات العراقية أو ضد مواقع عراقية قريبة. كما يرى بعض الباحثين الذين ناقشوا هذه الرواية أن طبيعة بعض الأعراض التي ظهرت على الضحايا قد تشير إلى التعرض لعوامل دموية تختلف عن غاز الخردل وعوامل الأعصاب التي ارتبطت غالبًا بالبرنامج الكيميائي العراقي.

مع ذلك، فإن إثبات استخدام إيران لعوامل كيميائية في حلبجة تحديدًا يبقى محل خلاف بين الباحثين، إذ لا توجد وثيقة ميدانية علنية حاسمة تربط بشكل نهائي عاملًا كيميائيًا معينًا بوحدة عسكرية إيرانية محددة. كما أن وجود مؤشرات على استخدام مادة كيميائية معينة لا يكفي وحده لإثبات الجهة التي أطلقتها.

ولهذا فإن بعض الدراسات ترى أن معركة حلبجة ربما شهدت استخدامًا كيميائيًا معقدًا خلال اشتباكات بين طرفين كان كلاهما يمتلك قدرات كيميائية بدرجات مختلفة، بينما ترى دراسات أخرى أن الهجوم الرئيسي الذي تسبب في مقتل المدنيين كان عملية عراقية منظمة ضمن حملة عسكرية أوسع.

وبالتالي، فإن النقاش التاريخي لا يتركز فقط على وقوع الهجوم الكيميائي، وهو أمر تؤكده معظم المصادر، بل على تحديد طبيعة العمليات الكيميائية التي جرت، وما إذا كانت المسؤولية تقع على طرف واحد فقط أم أن المعركة شهدت استخدامًا متبادلًا أو متزامنًا للأسلحة الكيميائية.

موقف المنظمات الدولية وحقوق الإنسان
رغم وجود هذه النقاشات، فإن غالبية المنظمات الحقوقية والدولية تعتبر نظام صدام حسين المسؤول الرئيسي عن الهجوم الكيميائي على حلبجة.

وقد استند هذا الموقف إلى عدة عوامل، منها: وجود برنامج كيميائي عراقي واسع خلال الحرب، واستخدام العراق للأسلحة الكيميائية في مناطق أخرى، والوثائق العراقية التي ظهرت بعد سقوط النظام عام 2003، إضافة إلى شهادات الناجين والتحقيقات التي أجرتها منظمات حقوق الإنسان.

كما خلصت منظمة هيومن رايتس ووتش في تحقيقاتها حول حملات الأنفال إلى أن الحكومة العراقية كانت مسؤولة عن استخدام الأسلحة الكيميائية ضد الأكراد، واعتبرت حلبجة جزءًا من سياسة القمع العسكري التي انتهجها النظام العراقي.

كما أدانت المحكمة العراقية العليا لاحقًا علي حسن المجيد، المعروف باسم “علي الكيميائي”، لدوره في جرائم مرتبطة بحملات الأنفال والهجمات الكيميائية ضد السكان الأكراد.

التطورات بعد الحرب وتقييمات الاستخبارات الأمريكية حول إيران
على الرغم من إعلان إيران أنها أنهت برنامجها الكيميائي بعد الحرب الإيرانية–العراقية، فإن واشنطن استمرت في اتهام طهران بمواصلة تطوير قدراتها الكيميائية.

في فبراير شباط 1997، ذكر مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جورج تينيت إيران ضمن مجموعة من الدول التي كانت تمتلك أو تطور أسلحة كيميائية وبيولوجية، ووصف البرنامج الكيميائي الإيراني بأنه “نشط بشكل متزايد”.

وفي سبتمبر أيلول 2000، ذكرت وكالة الاستخبارات المركزية أن برنامج إيران الكيميائي كان يعتمد جزئيًا على الموردين الخارجيين للحصول على التكنولوجيا والمعدات والمواد الأولية، لكنها أشارت إلى أن إيران كانت تقترب بسرعة من تحقيق الاكتفاء الذاتي، وربما تصبح قادرة على تصدير مواد مرتبطة بالأسلحة الكيميائية.

كما أفادت الوكالة بأن إيران كانت تسعى للحصول على تكنولوجيا الإنتاج والتدريب والخبرة التي تساعدها في تطوير قدرة محلية لإنتاج عوامل الأعصاب.

وفي مارس آذار 2001، قال الجنرال تومي فرانكس، قائد القيادة المركزية الأمريكية، أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأمريكي، إن إيران كانت “صاحبة أكبر مخزون من الأسلحة الكيميائية” ضمن منطقة مسؤوليته.

وفي تقييم لوكالة الاستخبارات المركزية صدر في نوفمبر تشرين الثاني 2004، خلصت الوكالة إلى أن إيران “ربما كانت قد خزنت بالفعل عوامل نفاطة ودموية وخانقة، وربما عوامل أعصاب، إضافة إلى وسائل إيصالها مثل القنابل وقذائف المدفعية”.

وقدرت بعض التقييمات السابقة مخزون إيران من العوامل الكيميائية بما يتراوح بين عدة مئات وعدة آلاف من الأطنان المترية.

اتفاقية الأسلحة الكيميائية وموقف إيران الرسمي
أصبحت إيران دولة طرفًا في اتفاقية الأسلحة الكيميائية (CWC) في 3 ديسمبر كانون الأول 1997، وبموجب الاتفاقية يحظر عليها تطوير أو إنتاج أو تخزين الأسلحة الكيميائية.

ومنذ انضمامها إلى الاتفاقية، شاركت إيران بشكل نشط في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، وهي المنظمة الدولية المسؤولة عن تنفيذ الاتفاقية.

وفي ديسمبر كانون الأول 2000، قال المدير العام للمنظمة آنذاك خوسيه موريسيو بوستاني إن المنظمة “لا تملك أي سبب للتشكيك في امتثال إيران الكامل للاتفاقية”، وإن إجراءات التحقق في إيران كانت متوافقة مع متطلبات الاتفاقية.

وفي أبريل نيسان 2003، أقر المندوب الإيراني لدى المنظمة بأن إيران طورت “قدرات كيميائية” خلال المرحلة الأخيرة من الحرب، لكنه أكد أنها لم تستخدم هذه الأسلحة وأنها قامت بتفكيكها بعد وقف إطلاق النار.

كما قال إن المنشآت الكيميائية الإيرانية دُمرت تحت إشراف مفتشي المنظمة، وإن إيران حصلت على شهادات تثبت ذلك.

لكن الولايات المتحدة وبعض الدول الأخرى شككت في هذا الإعلان، حيث ذكر تقرير صادر عام 2001 عن مكتب التحقق والامتثال التابع لوزارة الخارجية الأمريكية أن إيران لم تقدم “إعلانًا كاملًا ودقيقًا” عن برنامجها الكيميائي، وأنها كانت تعمل على الاحتفاظ بعناصر أساسية من البرنامج وتحديثها.

واتهمت وزارة الخارجية الأمريكية إيران بالحفاظ على برنامج بحث وتطوير هجومي، ومخزون غير معلن، وقدرة إنتاج مرتبطة بالأسلحة الكيميائية.

الموردون الأجانب للبرنامج الكيميائي الإيراني
كان الدعم الخارجي عنصرًا مهمًا في تطوير القدرات الكيميائية الإيرانية، حيث تشير التقارير الأمريكية إلى أن الصين وروسيا والهند كانت من بين أهم الدول التي قدمت لإيران معدات أو مواد أولية أو خبرات مرتبطة بهذا المجال.

الصين
وفقًا لتقييمات وكالة الاستخبارات المركزية، كانت جهات صينية من بين أكثر الموردين نشاطًا للمعدات والتكنولوجيا المرتبطة بالأسلحة الكيميائية الإيرانية.

وحصلت إيران من شركات صينية على مواد كيميائية أولية، وأوعية مبطنة بالزجاج، ومعدات تنقية هواء خاصة، وهي مواد يمكن استخدامها في إنتاج العوامل الكيميائية.

كما اتهمت وزارة الخارجية الأمريكية عددًا من الشركات والأفراد الصينيين بالمساهمة في تطوير البرنامج الكيميائي الإيراني، وفرضت عليهم عقوبات في عدة مناسبات.

روسيا والهند ودول أخرى
أشارت وكالة الاستخبارات المركزية إلى أن جهات روسية قدمت لإيران مواد كيميائية صناعية ومعدات وتكنولوجيا إنتاج يمكن تحويلها لخدمة برنامج كيميائي هجومي.

أما الهند، فقد ورد في تقارير مختلفة أن شركات هندية ساعدت إيران في الحصول على مواد أولية كيميائية، من بينها مادة كلوريد الثيونيل التي يمكن استخدامها في إنتاج غاز الخردل.

كما أشارت تقارير استخباراتية إلى تورط شركات من دول أخرى، بما فيها ألمانيا وإسرائيل والولايات المتحدة، في عمليات مرتبطة بتوفير مواد أو تقنيات استخدمتها إيران في تطوير قدراتها الكيميائية.

ومن أبرز هذه القضايا قضية بيع مادة ثيوديغليكول، وهي مادة تدخل في إنتاج غاز الخردل، حيث تورطت شركة أمريكية في بيعها مع العلم أو الاشتباه بأنها قد تصل إلى إيران.

كما أدانت محكمة إسرائيلية عام 1998 المواطن الإسرائيلي نحوم مانبار ببيع مواد كيميائية لإيران بين عامي 1990 و1995، إضافة إلى تزويدها بمعرفة فنية ومعدات مرتبطة بإنتاج غاز الخردل وغازات الأعصاب مثل التابون والسارين والسومان.

الخلاصة
يبقى ملف الأسلحة الكيميائية الإيرانية وحادثة حلبجة من أكثر الملفات تعقيدًا في تاريخ الحرب الإيرانية–العراقية.

فمن جهة، توجد تقارير أمريكية قديمة، مثل تقييمات وكالة استخبارات الدفاع لعام 1990 وتحليل ستيفن بيليتير في العام نفسه، تشير إلى احتمال استخدام إيران لعوامل دموية مثل سيانيد الهيدروجين أو كلوريد السيانوجين في حلبجة.

كما تقدم شهادة نزار الخزرجي رواية من داخل القيادة العسكرية العراقية تنفي تنفيذ الجيش العراقي النظامي للهجوم على حلبجة، وتؤكد وجود وحدات خاصة مرتبطة بصدام حسين كانت مسؤولة عن العمليات الكيميائية الأخرى.

ومن جهة أخرى، ترى غالبية المؤسسات الحقوقية والدولية أن النظام العراقي كان المسؤول عن الهجوم الكيميائي الرئيسي على حلبجة، استنادًا إلى حجم البرنامج الكيميائي العراقي، واستخدامه المتكرر للأسلحة الكيميائية، والوثائق والشهادات المتوفرة.

وعليه، فإن الجدل لا يدور فقط حول سؤال “من استخدم السلاح الكيميائي؟”، بل حول طبيعة العمليات الكيميائية التي حدثت في حلبجة، وما إذا كانت المدينة تعرضت لهجوم واحد من طرف واحد، أم أنها شهدت استخدامًا كيميائيًا متزامنًا أو متبادلًا بين القوات العراقية والإيرانية خلال واحدة من أعنف مراحل الحرب.

المراجع الكتابية:
منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، “إحياء ذكرى الهجوم بالأسلحة الكيميائية على حلبجة عام 1988″، بيان رسمي، 16 مارس آذار 2026
https://www.opcw.org/media-centre/news/2026/03/commemoration-1988-halabja-chemical-weapons-attack

تاريخ جهود إيران المرتبطة بالأسلحة الكيميائية، مشروع ويسكونسن للرقابة على الأسلحة النووية، 1 يوليو تموز 2005

A History of Iran’s Chemical Weapon-Related Efforts

وزارة الدفاع الأمريكية، “يوم في الحرب الكيميائية” (A Day in Chemical Warfare)، وثيقة مرفوع عنها السرية، أرشيف GulfLINK، 5 ديسمبر كانون الأول 1996
https://www.gulflink.osd.mil/declassdocs/af/19961205/120596_aaday_02.html

هيومن رايتس ووتش، بيروقراطية القمع: الحكومة العراقية بكلماتها، فبراير شباط 1994
https://www.hrw.org/legacy/reports/1994/iraq/TEXT.htm

بيليتير، ستيفن سي، وجونسون، دوغلاس ف.، “الحرب الكيميائية في العراق”، ردود ومناقشات، مجلة The New York Review of Books، 22 نوفمبر تشرين الثاني 1990
https://www.nybooks.com/articles/1990/11/22/iraqs-chemical-warfare/

مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، “رسالة مؤرخة في 23 مايو أيار 1990 موجهة إلى الأمين العام من الممثل الدائم للعراق لدى الأمم المتحدة”، الوثيقة رقم S/21329، نيويورك، 23 مايو أيار 1990
https://digitallibrary.un.org/record/91857

المراجع المرئية:
حقيقة ما حصل في حلبجة وحملة الأنفال – نزار الخزرجي في مقابلة التلفزيون العربي، 3 مايو ايار 2022

لحظة القصف الكيميائي على حلبجة 16 مارس آذار 1988

انتهى