مفهوم الشهيد (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب وألقى السمع وهو شهيد)

د. فاضل حسن شريف

عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله جل اسمه “إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ” ﴿ق 37﴾ “إن في ذلك” ﴿ق 37﴾ أي فيما أخبرته وقصصته “لذكرى” أي ما يعتبر به ويتفكر فيه “لمن كان له قلب” ﴿ق 37﴾ معنى القلب هنا العقل عن ابن عباس من قولهم أين ذهب قلبك وفلان قلبه معه وإنما قال ذلك لأن من لا يعي الذكر لا يعتد بما له من القلب وقيل لمن كان له قلب حي. عن قتادة “أو ألقى السمع وهو شهيد” أي استمع ولم يشغل قلبه بغير ما يستمع وهو شهيد لما يسمع فيفقهه غير غافل عنه ولا ساه عن ابن عباس ومجاهد والضحاك يقال ألق إلي سمعك أي اسمع قال ابن عباس كان المنافقون يجلسون عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ثم يخرجون فيقولون ما ذا قال آنفا(فيها ايضا (أي))؟ ليس قلوبهم معهم وقيل هو شهيد على صفة النبي في الكتب السالفة يريد أهل الكتاب عن قتادة.

وعن تفسير الميسر: قوله جل اسمه “إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ” ﴿ق 37﴾ إن في إهلاك القرون الماضية لعبرة لمن كان له قلب يعقل به، أو أصغى السمع، وهو حاضر بقلبه، غير غافل ولا ساهٍ. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله جل اسمه “إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ” (ق 37) “إن في ذلك” المذكور “لذكرى” لعظة “لمن كان له قلب” عقل “أو ألقى السمع” استمع الوعظ “وهو شهيد” حاضر بالقلب.

وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله جل اسمه “إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ” ﴿ق 37﴾ وتكرر هذا التذكير في آيات كثيرة، منها الآية 9 من سورة الروم ج 6 ص 132 “إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَو أَلْقَى السَّمْعَ وهُو شَهِيدٌ” (الروم 9). ذلك إشارة إلى التذكير بهلاك الماضين، وذكرى تذكرة وعبرة، وله قلب أي سليم، وألقى السمع أي استمع وأصغى إلى ما يتلى عليه من العظات، وشهيد حاضر القلب والعقل، والمعنى ان الذي ذكرناه عن هلاك المكذبين عظة كافية شافية لمن أبصر واعتبر.

وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله جل اسمه “إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ” ﴿ق 37﴾ القلب ما يعقل به الإنسان فيميز الحق من الباطل والخير من الشر والنافع من الضار، فإذا لم يعقل ولم يميز فوجوده بمنزلة عدمه إذ ما لا أثر له فوجوده وعدمه سواء، وإلقاء السمع هو الاستماع كأن السمع شيء يلقى إلى المسموع فيناله ويدركه والشهيد الحاضر المشاهد. والمعنى: أن فيما أخبرنا به من الحقائق وأشرنا إليه من قصص الأمم الهالكة لذكرى يتذكر بها من كان يتعقل فيدرك الحق ويختار ما فيه خيره ونفعه أو استمع إلى حق القول ولم يشتغل عنه بغيره والحال أنه شاهد حاضر يعي ما يسمعه. والترديد بين من كان له قلب ومن استمع شهيدا لمكان أن المؤمن بالحق أحد رجلين إما رجل ذو عقل يمكنه أن يتناول الحق فيتفكر فيه ويرى ما هو الحق فيذعن به، وإما رجل لا يقوى على التفكر حتى يميز الحق والخير والنافع فعليه أن يستمع القول فيتبعه، وأما من لا قلب له يعقل به ولا يسمع شهيدا على ما يقال له ويلقى إليه من الرسالة والإنذار فجاهل متعنت لا قلب له ولا سمع، قال تعالى: “وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ” (الملك 10).

جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله جل اسمه “إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ” ﴿ق 37﴾ والمراد بـ (القلب) هنا وفي الآيات الاُخر من القرآن التي تتكلّم على إدراك المسائل هو العقل والشعور والإدراك، كما أنّ كتب اللغة تشير إلى أنّ واحداً من معاني القلب هو العقل، أمّا الراغب فقد فسّر القلب في الآية محلّ البحث بالعلم والفهم، كما نقرأ في لسان العرب أنّ القلب قد يطلق على العقل أيضاً. كما ورد في تفسير عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام لهذه الآية أنّه قال: إنّ القلب هو العقل. والجذر اللغوي لكلمة (قلب) في الأصل: التغيير والتحوّل، وإصطلاحاً معناه الإنقلاب، وحيث أنّ فكر الإنسان أو عقله في تقلّب دائم وفي حال مختلفة فقد أطلقت عليه كلمة (القلب).. ولذلك فإنّ القرآن يعوّل على إطمئنان القلب والسكينة فيقول: “هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ” (الفتح 4) كما يقول في آية اُخرى: “أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ” (الرعد 28) أجل إنّما يُهّدىء هذا الموجود المضطرب ذكر الله فحسب. أمّا (ألقى السمع) فكناية عن الإصغاء ومنتهى الإستماع بدقّة، وهناك تعبير في العرف يشبه هذا التعبير يقول (اُذني معك) أي إنّني أصغي إليك بدقّة. و(الشهيد) يطلق على من هو حاضر القلب، أو كما يقال قلبه في المجلس وهو يتابع المسائل بدقّة. وهكذا فإنّ مضمون الآية بمجموعة يعني ما يلي: إنّ هناك فريقين ينتفعان بهذه المواعظ والنصيحة.. فالفريق الأوّل من يتمتّع بالذكاء والعقل.. ويستطيع بنفسه أن يحلّل المسائل بفكره. أمّا الفريق الآخر فليس بهذا المستوى، إلاّ أنّه يمكن أن يلقي السمع للعلماء ويصغي لكلماتهم بحضور القلب ويعرف الحقائق عن طريق الإرشاد. ويشبه هذا التعبير ما نقرؤه في الآية 10 من سورة الملك على لسان أهل النار، إذ ورد هكذا: “وقالوا لوكنّا نسمع أو نعقل ما كنّا في أصحاب السعير” (الملك 10). لأنّ علائم الحقّ واضحة، فأهل التحقيق يعرفونها جيّداً.. ومن لم يكن كذلك فيستطيع أن يعرفها عن طريق إرشاد المخلصين من العلماء. فعلى هذا يجب أن يتمتّع الإنسان بعقل كاف وعلم واف.. أو يتمتّع باُذن واعية. لاحظوا أنّ الآيتين عطفت الموضوعين (بأو) وهذا يدلّ على أنّ واحداً منهما على الأقل

جاء في اعراب القرآن الكريم: قوله جل اسمه “إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ” ﴿ق 37﴾ إِنَّ حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ. فِي حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. ذَلِكَ اسْمُ إِشَارَةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (إِنَّ): مُقَدَّمٌ. لَذِكْرَى “اللَّامُ” الْمُزَحْلَقَةُ حَرْفُ تَوْكِيدٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(ذِكْرَى): اسْمُ (إِنَّ): مُؤَخَّرٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ. لِمَنْ “اللَّامُ” حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(مَنْ): اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ. كَانَ فِعْلٌ مَاضٍ نَاسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ. لَهُ “اللَّامُ” حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ”هَاءُ الْغَائِبِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ خَبَرُ كَانَ مُقَدَّمٌ. قَلْبٌ اسْمُ كَانَ مُؤَخَّرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَجُمْلَةُ: (كَانَ): صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ. أَوْ حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. أَلْقَى فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ الْمُقَدَّرِ لِلتَّعَذُّرِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ “هُوَ”. السَّمْعَ مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ. وَهُوَ “الْوَاوُ” حَرْفُ حَالٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(هُوَ): ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ. شَهِيدٌ خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ حَالٌ.