جديد

قراءة في موازنة العراق عام 1952: أين ذهبت أموال العراقيين؟

رياض سعد

ليست الموازنة العامة للدولة مجرد أرقام وجداول محاسبية جامدة، بل هي المرآة الحقيقية التي تكشف فلسفة الحكم وأولوياته… , فالحكومات قد ترفع آلاف الشعارات عن النهضة والإعمار والعدالة الاجتماعية، لكن الموازنة وحدها تكشف الحقيقة المجردة: أين تذهب الأموال؟ ومن المستفيد منها؟ وما هي الفئات التي تُمنح الأولوية على حساب غيرها؟

ولهذا يقال في علم الاقتصاد السياسي إن الموازنة العامة هي «البرنامج السياسي الحقيقي للدولة»، لأنها تعكس ما تفعله الحكومات لا ما تقوله.

وعند مراجعة الموازنات العراقية خلال العهد الملكي تبرز أسئلة كبيرة حول طبيعة الدولة التي تشكلت بعد عام 1921، وحول أولوياتها الفعلية في إدارة الموارد العامة… , فالعراق كان يمتلك إمكانات زراعية ونفطية ومائية ضخمة، وكان بحاجة ماسة إلى مشاريع استراتيجية كبرى في مجالات الصناعة والري والتعليم والصحة والإسكان والبنية التحتية… ,  غير أن قراءة أرقام الإنفاق الحكومي تكشف أن جانباً كبيراً من الموارد كان يتجه إلى المصروفات التشغيلية وأجهزة الدولة المختلفة أكثر من توجهه إلى الاستثمار التنموي طويل الأمد.

وتُعد موازنة عام 1952 مثالاً مهماً على هذه الإشكالية… ,  فبحسب البيانات التي أوردتها المصادر الاقتصادية والتقارير المالية لتلك المرحلة، استحوذت الرواتب والنفقات الإدارية والأمنية والعسكرية على القسم الأعظم من الإنفاق الحكومي، بينما بقيت المشاريع الإنمائية والاستراتيجية في مراتب متأخرة مقارنة بحجم الحاجة الفعلية إليها.

اذ  كانت 90 % من ميزانية العراق عام ١٩٥٢ تذهب للرواتب والجيش والشرطة اما المشاريع الاستراتيجية فحصتها اقل من ١٠ % والكارثة في التقرير تخصيص مليون دينار لإطفاء القروض .

وإذا صحت التقديرات التي تشير إلى أن ما يقارب تسعين بالمئة من الإنفاق كان يذهب إلى الرواتب والإدارة والأجهزة العسكرية والأمنية والشرطية وخدمة الالتزامات المالية المختلفة، فإن ذلك يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لدولة تسعى إلى التنمية أن تبني اقتصاداً حديثاً إذا كانت حصة الاستثمار المنتج لا تمثل إلا نسبة محدودة من مواردها؟

إن الدولة التي تستهلك معظم إيراداتها في إدارة نفسها ستجد صعوبة كبيرة في بناء المستقبل… , فالمصانع لا تُبنى بالرواتب وحدها، والسدود لا تُشيد بالنفقات الإدارية، والجامعات لا تزدهر بالتوسع البيروقراطي، والاقتصاد لا ينمو بمجرد زيادة عدد الموظفين.

والأكثر إثارة للتساؤل أن بعض الموازنات تضمنت مبالغ مخصصة لإطفاء القروض والالتزامات المالية، وهو ما يعني أن الدولة كانت تتحمل أعباء ديون في وقت كان المجتمع العراقي يعاني مستويات مرتفعة من الفقر والأمية وضعف الخدمات الأساسية.

وهنا تظهر المفارقة المؤلمة: بلد غني بالموارد الطبيعية، لكنه عاجز عن تحويل تلك الموارد إلى تنمية شاملة يشعر بها المواطن العادي.

لقد كانت الأولوية في كثير من الأحيان موجهة نحو تعزيز أجهزة السلطة والحفاظ على استقرار النظام السياسي أكثر من توجيهها نحو بناء اقتصاد إنتاجي حديث.

ولم يكن هذا النمط خاصاً بالعراق وحده، بل عرفته كثير من الدول التي نشأت في ظل الاستعمار أو النفوذ الأجنبي، حيث جرى التركيز على مؤسسات الضبط الامني والسيطرة العسكرية والإدارة  الشمولية قبل التركيز على التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ومن هنا يمكن فهم جانب من الأزمة البنيوية التي رافقت الدولة العراقية لعقود طويلة… , فحين تُخصص الموارد لتعزيز الجهاز الإداري والعسكري والامني  أكثر مما تُخصص لبناء الإنسان والبنية التحتية، فإن التنمية تتحول إلى مشروع مؤجل دائماً.

ولم تتوقف المشكلة عند حدود العهد الملكي… , فالكثير من الحكومات اللاحقة ورثت الفلسفة نفسها بدرجات متفاوتة، حيث استمرت الموازنات تميل نحو الإنفاق التشغيلي والأمني والعسكري على حساب الاستثمار المنتج… ,  وهكذا أصبح الاقتصاد العراقي، رغم ثرواته الهائلة، أسيراً لدورة متكررة من الاعتماد على الدولة بدلاً من بناء اقتصاد متنوع وقادر على خلق الثروة.

إن السؤال الحقيقي ليس كم كانت إيرادات العراق، بل كيف أُنفقت تلك الإيرادات… , فالتاريخ الاقتصادي للدول لا يُقاس بحجم الأموال التي دخلت الخزينة، وإنما بما تركته تلك الأموال من مصانع ومدارس ومستشفيات وطرق وسدود ومراكز أبحاث وفرص عمل.

وعندما ننظر إلى العراق في منتصف القرن العشرين، نجد أن الفجوة بين الإمكانات المتاحة والنتائج المتحققة كانت كبيرة… , وهذه الفجوة ليست مجرد قضية مالية، بل هي قضية سياسية تتعلق بطبيعة الدولة نفسها: هل كانت الدولة تنظر إلى مواردها بوصفها أداة لبناء المجتمع، أم بوصفها وسيلة لإدامة البنية الحاكمة وأجهزتها العسكرية والامنية والقمعية؟

إن مراجعة موازنات الماضي ليست تمريناً في الحنين أو الإدانة، بل درسٌ اقتصادي وسياسي بالغ الأهمية… ,  فالدول التي تجعل التنمية أولوية تترك خلفها إرثاً من الإنجاز، أما الدول التي تستهلك مواردها في إدارة السلطة فإنها تترك خلفها أزمات تتوارثها الأجيال.

وهكذا تبقى موازنة عام 1952، بما تحمله من دلالات وأرقام، شاهداً على معركة قديمة ما زالت تتكرر حتى اليوم: معركة توزيع الموارد بين بناء الدولة وبناء المجتمع، بين خدمة السلطة وخدمة الوطن.

…………………………………………………..

المصادر

عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية.

حنا بطاطو، العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية.

علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث.

التقارير المالية السنوية وبيانات وزارة المالية العراقية في العهد الملكي.

دراسات مجلس الإعمار العراقي (1950–1958) المتعلقة بتخصيصات التنمية والاستثمار.