جديد

هندسة التغيير من دهاليز المال إلى أروقة واشنطن: قراءة في الواقعية السياسية لأحمد الجلبي

وميض القيسي

طالما حيّرتني شخصية الدكتور أحمد الجلبي هذا الرجل الذي يقف كأحد أكثر الرموز غموضا و تركيباً وإثارة للجدل في تاريخ العراق المعاصر. كنت دائماً أراقب كيف تنقسم حوله الآراء بحدة غير طبيعية فبينما تقدّمه دوائر غربية وعراقية كـ “عرّاب تغيير نظام صدام” ومقوّض لأركان حكمه، يصر خصومه على تصويره كشخصية ميكافيلية بامتياز وظّفت دهاءها وصِلاتها الدولية لقلب المعادلة العراقية برمتها.
​لكنني أدركت لاحقاً أن الفهم الحقيقي لشخصية الجلبي وسر نفوذه الشرس، لا يمكن العثور عليه في الشعارات الأيديولوجية المكررة. الأمر تطلّب مني غوصاً عميقاً لتفكيك ما أسميه “الأسطورة الطبقية” الشائعة حوله وتتبعاً دقيقاً لشبكات المال والاستخبارات العابرة للحدود التي نسجها بنفسه طوال عقود النفي.

تفكيك شخصية الجلبي خارج سياق “الأعيان” التقليديين
​تردد الأدبيات السياسية السائدة قراءة سطحية مفادها أن عداء أحمد الجلبي لحزب البعث وللنظام الجمهوري كان تحصيلاً حاصلاً لكونه سليل عائلة أرستقراطية طُردت من مشهد ما بعد عام 1958. غير أن مراجعة التاريخ الاقتصادي والاجتماعي الواقعي للعراق تدحض هذه الفرضية بالدليل القاطع.
​فالتاريخ يثبت أن البنية الاجتماعية والاقتصادية للعراق آنذاك لم تشهد صداماً حتمياً بين الدولة البرجوازية الصغيرة وبين عائلات الأعيان والوجهاء التقليديين. كبريات البيوتات التجارية والعقارية والدينية والسياسية في العهد الملكي—مثل آل مرجان، وبيت بابان، وبيت الكيلاني، وبيت الصدر، وأولاد مولود مخلص، وبيت النقشبندي، ناهيك عن بيوتات مثل الخضيري والبنية والكبيسي والبياع—لم تُصادر أموالهم، بل عادوا واستقروا وأعادوا تدوير ثرواتهم ونموها في ظل العهد الجمهوري والبعثي. لقد أدركت تلك العائلات شروط اللعبة: الانكفاء الاجتماعي والاقتصادي، والابتعاد الكامل عن الهواجس الانقلابية للعسكر، والعمل تحت مظلة الدولة كشريك تنموي لا كمنافس على السلطة( اي اعملوا او تاجروا ولكن لا تقتربوا من كرسي الحكم)
​هنا يبرز الفارق الجوهري والفريد في حالة أحمد الجلبي. الجلبي (الذي غادر العراق طفلاً في الرابعة عشرة من عمره) رفض دور “التاجر أو الوجيه المهادن” الذي ارتضته بقية عائلات الأعيان. لم يكن يبحث عن “أمان اقتصادي” أو صلح عشائري يعيده كوجيه ساكن في بغداد؛ بل كان رجلاً يسكنه طموح سياسي جارف، واعتداد عالٍ بالذات عززته عبقريته الأكاديمية كعالم رياضيات حائز على الدكتوراه من كبريات الجامعات الأمريكية كجامعة شيكاغو ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT).
​الرئة الإيرانية وعالم الاستخبارات المبكر
​لكي نفهم من أين استمد الجلبي قوته المادية وحريته المطلقة من الخضوع لبغداد، يجب أن ننظر إلى جغرافية ثروته في المنفى. بعد عام 1958، لم تكن وجهة آل الجلبي مجرد محطة لجوء عادية، بل أعادت العائلة بناء ثروتها ونفوذها المالي في طهران زمن الشاه (محمد رضا بهلوي)، مستثمرة في قطاعات البنوك والتجارة العابرة للحدود.
​هذه البيئة لم تكن بيئة مالية فحسب، بل كانت المركز الإقليمي الأقوى للتنسيق العضوي بين جهاز المخابرات الإيرانية (السافاك) والـ CIA الأمريكي في الستينيات والسبعينيات. وفي هذا الوسط الذي يتداخل فيه المال بالسياسة الجيو-سياسية، وُلدت—على الأرجح—الصلات الأولى لأحمد الجلبي مع عالم الاستخبارات الدولي. لقد جعل الذكاء الرياضي والخلفية السياسية لعائلته منه صيداً ثميناً وهدفاً طبيعياً لبناء شراكة استراتيجية مبكرة مع هذه الأجهزة، متحولاً من مجرد معارض تقليدي إلى “محلل شبكات وفرص” يتعامل مع أجهزة المخابرات كشريك ومستشار يفهم لغتهم.
​معركة البتراء والتحول إلى معركة وجود
​التحول العملي للجلبي من كونه مصرفياً وأكاديمياً دولياً إلى معارض راديكالي شرس يسعى لإسقاط النظام بكل الوسائل، لم يبدأ من منطلقات أيديولوجية، بل تبلور إثر معركة كسر عظم مالية وسياسية في ثمانينيات القرن الماضي.
​من خلال تأسيسه لـ “بنك البتراء” في الأردن، تحول الجلبي إلى لاعب مالي إقليمي نافذ. وفي ذروة الحرب العراقية الإيرانية، حيث كان الأردن يمثل الشريان الاقتصادي الحيوي لبغداد، دخل الجلبي في صدام مباشر وصراع نفوذ غير معلن مع أجهزة النظام العراقي وحلفائه في عمان حول الحوالات والاعتمادات والسيولة. انتهت هذه المعركة بانهيار البنك دراماتيكياً عام 1989 واضطرار الجلبي للهروب من الأردن. هذه الحادثة، التي حَمَّل الجلبي المخابرات العراقية مسؤوليتها المباشرة لتدمير مملكته المالية وسمعته المصرفية، حوّلت العداء إلى قضية ثأر شخصي ومعركة وجودية صِفرية وشطب للمستقبل.
​البراجماتية الرياضية: هندسة عراق ما بعد 1991
​بعد حرب الخليج الثانية عام 1991 وفرض الحصار الشامل على العراق، نظر الجلبي بعقليته الحسابية الصارمة إلى المشهد ورأى “فراغاً تاريخياً”. النظام في بغداد مشلول ومرفوض دولياً، والإدارة الأمريكية تبحث عن واجهة عراقية ليبرالية تتقن الحديث بلغة الكونغرس ومؤسسات الفكر (Think-Tanks).
​لم يكن الجلبي يملك قاعدة شعبية أو حزباً عقائدياً كالإسلاميين أو الأكراد، لكنه كان يملك ما لا يملكه غيره: اللغة، العقلية الغربية، والقدرة الفائقة على الإقناع وصياغة التقارير والشبكات. نجح عبر “المؤتمر الوطني العراقي” في انتزاع “قانون تحرير العراق” من الكونغرس عام 1998، مستثراً رغبة المحافظين الجدد في واشنطن لإعادة صياغة الشرق الأوسط.
​وهنا تظهر “مفارقة الجلبي الكبرى” والدليل الأقوى على تجذر علاقاته الاستخباراتية المبكرة عاصفة الحدود فبينما كان الرجل يقنع البنتاغون وإدارة بوش بضرورة الغزو بناءً على تقارير أسلحة الدمار الشامل، كان في ذات الوقت يمتلك قنوات اتصال وتنسيق عميقة للغاية مع نظام الجمهورية الإسلامية في إيران (وحتى مع فيلق القدس لاحقاً). هذا الجمع العجيب بين واشنطن وطهران يثبت أن الرجل لم يكن تابعاً تقليدياً، بل كان “عقدة مواصلات جيوسياسية” عابرة للقارات، عرف كيف يستثمر في لحظة الضعف التاريخية لنظام بغداد …. كان يعتقد سيصبح هو مهندس البديل…. الرجل الذي تحول في نظر وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) من حليف استراتيجي وصانع لقرار الحرب، إلى “جاسوس مزدوج” اتُهم رسمياً بتسريب أخطر شفراتهم الاستخباراتية إلى طهران، كان يمثل “الصندوق الأسود” لأخطر مراحل السياسة الخارجية الأمريكية. الجلبي كان يعرف أدق أسرار وخفايا غزو العراق والصفقات


​الخاتمة:

جاءت وفاة الجلبي في وقت كان يشغل فيه رئاسة اللجنة المالية في البرلمان العراقي. وكان قبل وفاته بأيام يتحدث علناً وبثقة عن امتلاكه وثائق وأدلة دامغة تدين حيتان سياسية بارزة في قضايا فساد كبرى تهز الدولة، وتحديداً ملف “تهريب الأموال ومزاد العملة” في البنك المركزي العراقي، والتي هُرّبت من خلالها مليارات الدولارات إلى الخارج. هذا التوقيت الحرج جعل الكثيرين يعتقدون أن تصفية الرجل كانت ضرورة لحماية رؤوس سياسية نافذة.
​رحل أحمد الجلبي عام 2015 بعد سنوات قضاها في أروقة البرلمان واللجنة المالية في بغداد، تاركاً خلفه عراقاً مختلفاً تماماً عن ذلك الذي غادره طفلاً في عام 1958. لم تكن معركته مع البعث صراع طبقة مضطهدة صودرت أموالها، بل كانت صراع طموح سياسي لرجل رفض عقلية التاجر المهادن، وتصادم مصالح مالية إقليمية، واستثمار براجماتي فذ في السياسة الدولية. سيبقى الجلبي في نظر التاريخ العراقي ت إرثاً معقداً ومفتوحاً لقراءات المؤرخين.