إيهاب مقبل
لا يقتصر العراق على كونه مهد حضارات قديمة أسست أولى المدن والكتابة في التاريخ، بل يمتد تميزه إلى بيئة طبيعية غنية ومعقدة، خصوصاً في أهوار الجنوب التي تشكل واحدة من أندر النظم البيئية في الشرق الأوسط. هذه الأهوار، الممتدة بين دجلة والفرات، ليست مجرد مسطحات مائية، بل عالم حيّ متكامل نشأت فيه كائنات تكيفت مع الماء والبردي والقصب، وارتبطت به ارتباطاً وثيقاً عبر آلاف السنين. ومن بين هذه الكائنات يبرز الثرثار العراقي وهازجة القصب البصرية وجرذ البانديكوت قصير الذيل لبُنّي، وهي أنواع تمثل جانباً مهماً من التنوع الحيوي في العراق، وتكشف في الوقت نفسه هشاشة هذا النظام البيئي أمام التغيرات الحديثة.
الثرثار العراقي.. طائر الأهوار الاجتماعي وحارس القصب
يُعد الثرثار العراقي (Iraq Babbler) من أكثر الطيور ارتباطاً ببيئة الأهوار، حيث يعيش في أسراب كبيرة تتحرك بانسجام بين غابات القصب الكثيفة. يتميز هذا الطائر بطبيعته الاجتماعية العالية، إذ لا يعيش منفرداً، بل يعتمد على المجموعة في الحركة والتغذية والحماية، ويُصدر باستمرار أصواتاً متتابعة جعلته معروفاً بنشاطه الصوتي الدائم.
يتغذى الثرثار العراقي على الحشرات الصغيرة واليرقات وبعض البذور، ما يجعله عنصراً مهماً في ضبط أعداد الحشرات داخل بيئة الأهوار. كما يساهم بشكل غير مباشر في التوازن البيئي عبر دوره في السلسلة الغذائية، إذ يشكل غذاءً لعدد من المفترسات الطبيعية. وإضافة إلى ذلك، فإن حركته المستمرة بين مناطق القصب تساعد في نشر بعض البذور، مما يساهم في تجدد النباتات داخل الأهوار. وعلى الرغم من أن هذا الطائر يوجد أيضاً في بعض الدول المجاورة، فإن مركز ثقله البيئي والتاريخي يبقى في أهوار العراق، حيث نشأ وتكيف مع هذه البيئة الفريدة.
هازجة القصب البصرية.. الطائر المهاجر بين الرافدين وإفريقيا
أما هازجة القصب البصرية (Basra Reed Warbler) فهي طائر صغير الحجم يعيش في قلب أحزمة القصب الكثيفة، ويُعد من أكثر الطيور اعتماداً على البيئات المائية في مرحلة التكاثر. سُمي هذا الطائر نسبة إلى منطقة البصرة، حيث وُصف علمياً لأول مرة، وهو يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأهوار جنوب العراق التي تمثل موطنه الأساسي للتكاثر.
يعتمد هذا الطائر في غذائه بشكل رئيسي على الحشرات والعناكب الصغيرة واليرقات، مما يجعله عاملاً طبيعياً في الحد من انتشار الحشرات داخل بيئة الأهوار. وخلال موسم التكاثر، يبني أعشاشه بين سيقان القصب بشكل مخفي لحماية صغاره من المفترسات، بينما يتحول في فصل الشتاء إلى مهاجر طويل المسافة، حيث يقطع آلاف الكيلومترات نحو شرق إفريقيا بحثاً عن بيئات أكثر دفئاً واستقراراً.
وتكتسب هازجة القصب البصرية أهمية بيئية خاصة لأنها تُعد مؤشراً حساساً على صحة الأهوار؛ إذ إن أي تراجع في أعدادها يعكس مباشرة تدهور البيئة المائية التي تعتمد عليها. كما أن دورها في ربط النظم البيئية بين العراق وإفريقيا يجعلها من الأنواع ذات الأهمية البيولوجية العابرة للحدود. ويُعد هذا النوع مهدداً بالانقراض.
جرذ البانديكوت قصير الذيل لبُنّي.. مهندس التربة في الأهوار
يمثل جرذ البانديكوت قصير الذيل لبُنّي (Bunn’s Short-tailed Bandicoot Rat) حالة فريدة بين ثدييات العراق، إذ تكيف بشكل خاص مع الحياة في البيئات الرطبة المغمورة بالمياه. يعيش هذا القارض بالقرب من المياه الضحلة داخل الأهوار، ويقضي جزءاً كبيراً من نشاطه خلال الليل، حيث يخرج للبحث عن الغذاء في بيئة القصب والطين.
يتغذى هذا الحيوان على النباتات المائية والجذور والبذور، وقد يتناول أحياناً الحشرات الصغيرة، ما يجعله جزءاً من النظام الغذائي المتنوع داخل الأهوار. إلا أن أهميته لا تقتصر على الغذاء، بل تمتد إلى دوره البيئي الحيوي، إذ يقوم بحفر الجحور في التربة الطينية، مما يؤدي إلى تهويتها وتحسين خصوبتها، ويساعد في إعادة تدوير المواد العضوية داخل النظام البيئي. وبذلك يمكن اعتباره “مهندساً بيئياً” يسهم في الحفاظ على توازن التربة والنبات في الأهوار.
وقد اكتُشف هذا النوع في جنوب العراق وسُمّي تكريماً لعالم الحيوان العراقي الدكتور منير كاظم بني، ويُعد حتى اليوم من أندر الثدييات المرتبطة بالأهوار، مع وجود مخاوف من تراجع أعداده بسبب فقدان الموائل الطبيعية. ويُعد مهدداً بالانقراض وفق التقييمات البيئية الحديثة.
الأهوار العراقية.. نظام بيئي مهدد بالحياة
تظهر هذه الكائنات الثلاثة مدى التعقيد البيئي الذي تتمتع به أهوار العراق، حيث تشكل شبكة متكاملة من العلاقات بين الطيور والثدييات والنباتات والمياه. إلا أن هذا التوازن الدقيق تعرض خلال العقود الماضية لضغوط كبيرة نتيجة تجفيف أجزاء واسعة من الأهوار، والتغيرات المناخية، وبناء السدود في أعالي الأنهار، ما أدى إلى تراجع كبير في المساحات الرطبة التي تعتمد عليها هذه الأنواع.
ورغم ذلك، فإن عودة المياه إلى بعض المناطق خلال السنوات الأخيرة أعادت شيئاً من الحياة إلى هذا النظام البيئي الفريد، وفتحت الباب أمام إمكانية تعافي تدريجي للكائنات التي ارتبطت به منذ آلاف السنين.
خاتمة
إن حماية الثرثار العراقي وهازجة القصب البصرية وجرذ البانديكوت قصير الذيل لبُنّي ليست مجرد قضية بيئية محلية، بل هي حماية لجزء من هوية العراق الطبيعية والتاريخية. فهذه الكائنات لا تمثل مجرد أنواع حية، بل هي امتداد حيّ لأهوار بلاد الرافدين، وشاهد على علاقة الإنسان بالطبيعة في واحدة من أقدم البيئات المائية في العالم.
انتهى