رياض سعد
**غرور العابدين
كان نذير يعيش حياته مطمئنًا إلى حد الغرور.
لم يكن يشك لحظة أنه من أهل الجنة.
كان يصلي، ويصوم، ويكثر من التسبيح، ويحسب حسناته واحدةً واحدة، حتى صار يتعامل مع رحمة الله وكأنها استحقاق، لا منحة، ومع الجنة وكأنها وعدٌ مكتوب باسمه.
وكان كلما سمع أحدًا يتحدث عن الخوف من سوء الخاتمة، ابتسم في داخله وقال:
“ذلك لأنهم يعرفون أنفسهم… أما أنا فأعرف طريقي.”
وفي تلك الليلة، توضأ بخشوع، وأطال السجود، حتى ابتلت الأرض بدموعه.
مسح على لحيته وكأنه يمسح غبار الدنيا عن روحٍ عرفت طريقها يقيناً .. , وهو يطوي سجادة الصلاة المخملية، وفي صدره يقين أصلب من الصخر: *أنا من أهل الجنة*.
رفع يديه إلى السماء وقال:
“اللهم أكرمني بالفردوس … فأنا عبدك.”
كان يرى عباداته كصكوك غفران مكتوبة بحبر لا يمحى، وينظر إلى بقية البشر من برج عاجي من الطهر المدّعى.
وكان يرى في مرآة الحمام وجهه، فيبتسم؛ ليس غروراً بالملامح، بل غروراً بالخاتمة… ؛ كان يظن أن الجنة عقدٌ موقّع، وأن النار حديثٌ عن الآخرين، عن أولئك الغافلين، عن عصاة العصر، عن من لا يصلّون.. , أما هو، فاسمه مسطورٌ في عليّين، أو هكذا أوهمته نفسه التي كانت ألدّ أعدائه، وأبرعهم في التمويه.
لكنه، وقبل أن يجف ماء وضوئه، استسلم لنداء شهوة خفية، و معصية دنيئة ظن أن ليل الغرفة المظلم سيتستر عليها، وأن استغفاراً عابراً في الصباح كفيل بمحوها.. , وقال لنفسه:
“إنها هفوة صغيرة… والله غفور رحيم.”
نعم , في تلك الليلة، خرج من صلاته كمن خرج للتو من مغسلةٍ روحية، لكنه قبل أن يخلد إلى فراشه، مرّت به خطيئةٌ صغيرة؛ كلمة جارحة بحقّ جاره، قالها في نفسه ولم يتلفّظ بها، لكن قلبه ارتضاها.. ؛ ثم نظر إلى خادمته نظرةَ ازدراءٍ خفيفة لأنها أخرت الطعام… ؛ ثم لجأ إلى العادة السرية، بينما كان خياله ينسج صورةً متوهَّمةً لسعاد، زوجة جاره الجميلة، وكأنها حاضرة أمامه.”
لم يتب، بل قال في خلديه مرة اخرى : “الحسنات يُذهبن السيئات، وهذه صلاة العشاءِ التي صليتها تكفي لأمثال هذه الزلّات”.
** الهبوط إلى الرماد
ثم تمدد فوق فراشه مطمئن القلب، كأن الملائكة قد كتبت له صك النجاة.
ضربَ وسادته وكأنه يضرب موعداً مع النعيم، وأسدل جفنيه.
هبط به الفراش، لكنه لم يهبط إلى غرفة النوم، بل إلى هاويةٍ سحيقة.
وجد نفسه يقف على حافة جرف ممتد من صخور تشبه العظام النخرة، سماء المكان كانت مزيجاً كابوسياً من حمرة الدم وسواد الدخان الكثيف.. , لم يكن وحده؛ كان هناك الآلاف، بل الملايين، ممن يرتدون أثواباً بيضاء تلوثت بالرماد، وجوههم تحمل ذات الملامح: صدمة الذهول وإنكار الواقع.
فجأة، شق الفضاء صوت رعدي، لم يكن قادماً من حنجرة بل من جوف السماء نفسها، صوت يحمل سخرية وجودية مريرة صاحت بالجميع:
“انزلوا إلى هذا المكان! خلصوا أنفسكم من الهلاك إن كنتم تستطيعون! أين صلواتكم ؟ أين صكوككم , أين دعائكم ؟”
انزلوا أذلاء خاسئين…
لم يفتح عينيه، بل انفتحت عيناه على سقفٍ من زوابعَ صدئةٍ ودخانٍ كثيف، كأن السماء هناك هي جوفُ تنّينٍ عجوز… ؛ ثم ثم سمع صوتًا آخر ينبعث من بعيد ليس له جهة، جهورياً كصوت البوق، يملأ الأفق ويشقّ الآذان:
“يا معشر المغرورين، يا من افترضتم أنفسكم في دار الكرامة، انزلوا إلى هذا المكان، وخلّصوا أنفسكم من الهلاك، إن كنتم تستطيعون…”
ارتجف نذير … , رأى حوله جموعاً من البشر… ؛ كانوا مثله تماماً: وجوههم تلمع ببقايا ماء الوضوء، وثيابهم بيضاء ، وأيديهم ما زالت مرفوعةً بالدعاء، لكن أعينهم كانت محدقةً كالغزلان المذعورة.
قُذفوا جميعاً في الوادي الأسود.
كان مكاناً أشبه بغابةٍ قاتمة، لكن أشجارها ليست من خشب، بل من عروقٍ نابضة كعروق الذراع، تنبض بالدماء الفاسدة… , أما التربة فلم تكن تراباً، بل زبداً يغلي من تنهداتٍ مكبوته… , والأرض رطبة، يغطيها عشب أسود، وأشجار شاهقة متشابكة، حتى بدا المكان كله كأنه غابة نبتت داخل الليل نفسه… ؛ وفجأة، انطلقت من أعماق الوادي أصواتٌ تهزّ الأرض: صوت زئير ديناصوراتٍ مهيبة، لم يرها نذير إلا في أفلام الخيال العلمي والذكاء الاصطناعي .. , لكنها هنا لم تكن نماذجَ رقمية، بل لحماً ودماً، أعينها جمر، وأنيابها حجارة، وأشواك ظهورها تحمل جماجم بشرية.
ومعها، أفاعٍ خضراء، طويلة كالجسور، تتلوى بين الأشجار، وأعينها بحجم الصحون، تنظر دون أن تطرف، كأنها تعرف كل ذنبٍ ارتكبه كل إنسانٍ هنا.
ثم انشقت أرضُ ذلك المكان الأسود كبركانٍ ثائرٍ يلفظ حممه الملتهبة، وانبعث منها صراخٌ مدوٍّ مفزع، يهزُّ الأرجاء كدويِّ القصف العنيف :
“يا معشر من ظنّ أنه ابن الجنة ووارث الفردوس، انزلوا إلى هذا الميدان الأسود! انزلوا إلى هذا المكان، وخلّصوا أنفسكم من الهلاك إن كنتم تستطيعون!”
ارتجف نذير، تراجع خطوة إلى الخلف وهو يهمس بذعر: “هذا خطأ… أنا نذير!
أنا من قوامي الليل! لا يمكن أن أكون هنا!”
أُلقي نذير مع آلاف البشر كما تُلقى الحجارة في بئر سحيقة.
صرخ الرجال.
وبكت النساء.
وتعلقت الأيدي بالأيدي.
ثم رفع بصره إلى السماء كعادته في الدنيا، فإذا هي سماءٌ غريبة لا تشبه ما عرفه من قبل؛ سوداءُ حالكة، خالية من النجوم والقمر والأفق… ؛ وكان الهواء يثقل الأنفاس، كأنه مزيجٌ خانقٌ من الكبريت والدخان.
بجانبه، كانت تقف امرأة تجثو على ركبتيها، تمزق ثوبها الابيض المذهب وتصرخ: “لقد بنيتُ ثلاثة مساجد! تصدقتُ بنصف مالي! كيف انتهى بي المطاف في وادي الهلاك؟”
صرخ رجل بجوار نذير:
“لقد كنت إمام مسجد!”
صرخت امرأة:
“كنت أحفظ القرآن!”
وصاح شيخ:
“لقد حججت سبع مرات!”
لكن الغابة لم تكن تصغي لأحد.
وكأن المكان كله لا يعرف اللغة التي يتحدث بها البشر.
** حصاد الاروح
قبل أن يجدوا جواباً، اهتزت الأرض الرمادية، وظلّلت السماء كائنات عملاقة، سريالية التكوين… ؛ لم تكن شياطين بقرون تقليدية، بل كانت تجسيداً هندسياً مرعباً لآثام البشر؛ كائنات مشوهة بلا وجوه، تتداخل أطرافها كالمقاصد الحديدية، وتتحرك بآلية باردة خالية من أي رحمة.
وبدأت المجزرة …
رأى نذير بأم عينيه كيف أن تلك المخلوقات العملاقة لم تكن تفترس الناس بقوة، بل بدقةٍ جراحية… ؛ كانت الديناصورات الضخمة تلتقط البشر كما تلتقط الدجاجة حبّات الذرة الصغيرة؛ تلتقط الرجل من قميصه، ترميه في الهواء، ثم تبتلعه دفعة واحدة، وعينها لا ترمش… ؛ البعض الآخر كانت الثعابين تعصره كأنه ليمونة، حتى تفرغ روحه وتلقي بجسده الجاف جانباً.
أما أصوات البشر، فكانت أغرب من صراخهم… ؛ كانوا يرددون آيات القرآن، يصلّون، يستغفرون، لكن الكلمات كانت تسقط على الأرض كقطعٍ من الصمغ، لا تعلو إلى السماء.
رأى نذير رجلاً كان يظن نفسه عالماً جليلاً يُلتقط من قفاه ويهرس في جوف الكائن المرعب كحبة قمح جافة… ؛ و رأى امرأة علوية هاشمية كانت تظن أن نسبها يشفع لها تُخطف في الهواء وتتلاشى.
الوجود في الوادي الاسود جرّد الجميع من ألقابهم، من هندامهم، ومن أوهامهم.. , الكل أصبح مجرد “حبّات” صغيرة في معصرة الحقيقة الإلهية.
بدأ البشر بالركض… ؛ تحول المشهد إلى لوحة مرعبة من الذعر الجماعي… ؛ انطلق نذير يركض، يفرز جسده أدرينالين الخوف الوجودي، يرى المفارقة الصادمة أمامه: كان البشر، بكل كبريائهم وعقائدهم وزهوهم الدنيوي، يركضون ويتعثرون… ؛ بينما تلك الكائنات تلاحقهم وتبسط أطرافها الطويلة.
رأى ديناصورات لها عيون تحترق بلهب السموم، وأفاعٍ تفوق طولها مئات الأذرع، تزحف بينهم، لا تلهث وراء الأجساد فحسب، بل وراء الأرواح… ؛ انتشر الذعر والرعب كما تنتشر النار في الهشيم … ؛ ركض الناس في كل اتجاه، لكن الوحوش كانت تلتقطهم كما تلتقط الدجاجة الحب الصغير من الأرض؛ بسرعة هائلة، بلا رحمة، تارة بمنقار ضخم يخرق الجسد، وتارة بذيل يلف العنق ويسحقه… ؛ صرخات الذبح كانت تملأ الأرجاء، لكن الغابة كانت تبتلع الصوت كأنه لم يكن.
رفع نذير رأسه مرة اخرى الى السماء من هول المشهد …
فرأى مخلوقات لم ير العقل مثلها قط.
ديناصورات بأحجام الجبال.
أفاعي خضراء، أعينها بحجم النوافذ، وألسنتها تتشعب كأنها شقوق في النار.
وحوش لا أسماء لها.
وأجساد تمشي على عشرات الأرجل.
وكانت كلها جائعة.
جائعة بطريقة لم يعرفها الخيال.
ثم بدأت المطاردة الثانية .
لم تكن الوحوش تركض…
بل كانت الأرض هي التي تقرّبها من الناس.
وكان البشر يفرون بكل ما بقي فيهم من أمل.
لكن الوحوش كانت تلتقطهم .
بلا مقاومة.
بلا رحمة.
بلا اكتراث.
كان الإنسان يصرخ…
ثم يختفي.
وكأنه لم يكن موجودًا قبل لحظة.
** الحوار الفلسفي: مواجهة الذات
أثناء ركضه الهستيري، سقط نذير في حفرة ضيقة، ليجد نفسه وجهاً لوجه مع شيخ طاعن في السن، كان يرتدي عمامة ممزقة، لكنه لم يكن يركض، بل كان يجلس هادئاً، ينظر إلى الكائنات بعينين ملأهما الندم العميق.
* نذير (وهو يلهث ويدفع الشيخ): “قم اركض! ستلتقطنا! كيف يحدث هذا؟ أنا مؤمن! أنا أفضل من هؤلاء العاصين!”
* الشيخ (بابتسامة مكسورة وسخرية سوداوية): “إلى أين أركض يا بني؟ لا ركض يجدي هنا.. ؛ الأرض سجن، والسماء سقف من نار.”
* نذير: “لكنني صليت! صليت حتى تورمت قدماي! كيف تساويني هذه الكائنات بمن لم يسجد قط؟”
* الشيخ (يهز رأسه): “أنت لم تكن تصلي لله يا نذير…؛ كنت تصلي لتبني صنماً حول كبريائك.. , كنت تشتري الجنة بعُجبك.. , هل تذكر ليلتك الأخيرة؟ تلك المعاصي التي استهنت بها لأنك ظننت أن رصيدك عند الله يسمح لك بالقليل من القذارة؟”
* نذير (يتلعثم والصدمة تشله): “إنها… إنها هفوة… الله غفور…”
* الشيخ: “الله غفور لمن انكسر قلبه، لا لمن تجرأ على المعصية اتكالاً على طاعته!
لقد عبدنا أصنامنا الداخلية؛ عبدنا ’ذواتنا المؤمنة‘ ونسينا الله.. , انظر إليهم… (يشير إلى الجموع)… ؛ كلهم ظنوا أنهم صفوة الخلق، والآن يُلتقطون كالحب، لأن قلوبهم كانت فارغة من الداخل، كقشور القمح.”
** هروب نذير
جري كالمجنون، يتخلّى عن جلبابه الأبيض الذي كان مصدر فخره، تخلى عنه لأنه أصبح يعيقه …
ركض نذير حتى تمزقت قدماه…
وأخذ يردد:
“أنا مؤمن… أنا من أهل الجنة… لا بد أن هناك خطأ… لا بد أنهم سيعيدونني…”
وجد خلف أجمةٍ من الشوك الأسود مخبأً صغيراً.. , زحف إليه، يضع يده اليمنى على فمه ليكتم شهيقه.. , كان قلبه يخفق كطبول المعركة…
وراح يرتجف.. , في تلك اللحظة، لم يعد “نذير المؤمن”، بل أصبح “نذير الخائف”.
سمع خطواتِ أصدقائه السابقين يُفترسون واحداً تلو الآخر… ؛ ثم سمع رجل الدين الفلاني وهو ينادي باسم الله، فجاءت أفعى عملاقة وضربته بذيلها فتحول إلى تمثالٍ من الملح…
كان يرى أبا زيد – جاره الذي احتقره – يركض قربه، فتخطفه يد عملاقة وتقذف به في فم زاحف، وسمع أبو زيد يصرخ: “أين حسناتي؟!” ثم تلاشى… ؛ صُعق نذير، بدأ يعدّ تسبيحاته التي حفظته في الدنيا، لكن الكلمات جفت على لسانه، كأنها تتحول إلى رماد يخرج مع زفيره.
** مواجهة الافعى العملاقة
ثم سمع صوتًا خلفه.
صوت احتكاك شيء ضخم بالأرض.
استدار ببطء…
فرأى أفعى خضراء هائلة.
كانت عيناها ساكنتين بصورة مرعبة.
لا غضب فيهما…
ولا شفقة.
فقط يقين.
لم تكن كباقي الأفاعي؛ لونها كالياقوت الأخضر الفاتح، وعيناها كمرآتين كبيرتين، تنعكس فيهما صورة نذير وهو طفلا , صغيراً، شاباً، كهلاً، وفي كل مرحلة كان وجهه مغطّىً بقناعٍ من الكبرياء.. , كانت تنظر إليه بنظرةٍ ليست مفترسة، بل نظرةَ الذي يعرف كل ما خبّأه صدره.
اقتربت حتى صار رأسها فوق رأسه.
همس نذير مرتجفًا:
“أنا أصلي…”
ولم تجب.
قال:
“أنا صمت رمضان.”
فسكتت.
قال:
“أنا لست مثلهم.”
فمالت برأسها قليلًا…
وكأنها تسأله سؤالًا واحدًا:
“ومن قال إنك كنت تعرف نفسك؟”
لم تكن تنظر إليه بعنف الحيوان، بل بفضول الفيلسوف الذي يقرأ روحاً.. , توقف نذير عن الحركة، لاحظ أن الأفعى تتجاهل الآخرين، وكأنها مبعوثة خصيصاً لأجله …
ثم همسَتْ بصوتٍ أزيزي يشبه الحفيف: “أين صلاتك الآن يا نذير؟ أين سجودك الذي كنت تراه مفتاحاً للفردوس، وأنت تحمل في جيبك الآخر احتقار الجيران، وازدراء الخادمة، واستباحةُ الخيال في اشتهاءِ نساءِ الآخرين , وعظمةَ النفس التي تظن أنها لا تخطئ؟”
مدّت الأفعى رأسها ببطء شديد، ورغم قدرته على الحركة، أصيب نذير بشلل روحي.. , رأى في عينيها انعكاس صورته المتكبرة وهو يرفع يديه بالدعاء كالملك، وفي اللحظة التي فتح فيها فاه ليقول “أستغفر الله”، كانت أنيابها تغرس في يده اليمنى – يد الأعمال، يد الصلاة، يد التسبيح، يد التصدق – تلك اليد التي كان يظنها مفتاحاً للجنة، أصبحت الآن جرحاً ينزف شعوراً بالانكشاف.
شعر وكأن السم لم يدخل عروقه… , بل دخل غروره.
لم يشعر بالألم أولاً، بل بشيءٍ يشبه التيّار الكهربائي يجري في ذراعه… , سمع طقطقة العظام، وشعر بأن كل الحسنات التي جمعها على هذه الكفّ تتحول أمام عينيه إلى رمادٍ أسود يتساقط… ؛ صرخ صرخةً لم يخرج فيها باسم الله، بل باسم نفسه التي كانت تهوي: “أنا! أنا نذير ! أنا من كان سيدخل الجنة!”
لكن الأفعى زادت عضّتها، وفي عينيها رأى انعكاساً لحقيقته: لم يكن مؤمناً حقيقياً، بل كان مؤمناً بنفسه وبصلاته وبعمله، وليس بالله وحده.. , كان جحيمه هنا، في هذا الوادي، ليس عقاباً، بل كشفاً.
ثم أطبقت انيابها على يده اليمنى بقوة ، وشعر بعظامه تتكسر، وبأوهام عمره تتبخر في ثانية واحدة… ؛ صرخ بكل ما أوتي من قوة، صرخة هزت أركان روحه: “ربّ ارجعون!”
وقبل أن تغيب روحه، صاح في أعماقه سؤال وجودي: “إن لم أكن أنا من أهل الجنة، فمن يكون؟”، فأجابت الأفعى وهوامش الغابة معاً: “أهل الجنة هم الذين يخافون النار في كل لحظة، ويعلمون أنهم لا يستحقون شيئاً، وأن الباب مفتوح بالفضل لا بالثمن… ؛ أنت جعلتَ من صلاتكَ برجاً يافِعاً، ومن طاعتكَ سوراً حديدياً، وظننتَ أنكَ خُلقتَ لتعيشَ في القصور… ؛ و النارُ التي تراها هنا ليست جهنمَ الموعد، بل هي انعكاسُ غرورِكَ في مرآة الحقيقة.”
** اللحظة الوجودية والاستيقاظ
في تلك اللحظة – لحظة تقاطع الأنياب مع الجلد – استيقظ نذير فجأة على صوته المرتفع، والعرق البارد يغمر جبينه، والكآبة تغشى قلبه كسحابةٍ ثقيلة.. , نظر إلى يده اليمنى: سليمة، لا أثر للجرح، لكن روحه كانت مجروحةً إلى الأبد.
في تلك الهزيع الأخير من الليل، أدرك أن الجنة ليست وجهةً لمن يحفظ الأعمال، بل هي أملٌ يبقي القلب خائفاً راجياً، وأن النار التي رآها لم تكن مكاناً للعذاب الأبدي بقدر ما كانت – في تلك الليلة – كشفاً لـ “أنا” الزائفة التي بنى حولها معبده.
نهض نذير من فراشه، وتوضأ مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يدعُ بطلب الجنة، بل بكلماتٍ يابسةٍ من خشوع حقيقي:
“اللهم إن كنتَ كتبتني من أهل النار، فهونها عليّ، لكنّي أسألك أن تمحو من قلبي اعتقادي بأني أهلاً لجنّتك، وأبدله بخوفٍ يليق بعبدٍ بين يديك.”
ذلك الحلم لم يغادره أبداً.. , كان كلما رفع يده اليمنى ليتصدق أو ليسبح، يشعر بوخز خفي، يذكّره بأن هناك جحيماً داخلياً أكبر من نار الغابة التي رآها: جحيم الاستحقاق.. , وهكذا، تعلّم نذير أن أخطر أنواع الكفر ليس إنكار الرب، بل إنكار احتمالية الخطأ في النفس، وأن الجنة الحقيقية تبدأ حين يعتقد الإنسان أنه لا يستحقها، فيعمل رجاءً لا استحقاقاً، ويخاف حباً لا عقاباً.
ثم قام ليصلّي صلاة الفجر، لكنه هذه المرة، لم يرفع يديه للتكبير، بل رفعهما ليقول بصدقٍ لأول مرة: “الله أكبر”—أي أنه لا يوجد شيء أكبر من حقيقة أنه لا حول له ولا قوة الا به ، وأنه بين لحظةٍ وأخرى قد يكون فريسةَ حقيقةِ نفسه التي تغافل عنها طويلاً.
ونام بعدها هادئاً، ليس لأنه أمن، بل لأنه عرف أنه خائفٌ حقاً، وهذا الخوف هو بدايةُ الطريق الوحيد للنجاة.
لم يعد نذير يخاف الجحيم وحده.
بل صار يخاف أن يخدعه شعوره بالأمان.
وأدرك أن أخطر المعاصي ليست تلك التي تُرتكب بالجوارح فحسب…
بل تلك التي تجعل الإنسان يظن أنه قد ضمن النهاية.
فالإيمان الحقيقي لا يولّد الغرور…
بل يولّد تواضعًا، وخشيةً، ورجاءً لا ينقطع.
ولعل أقسى الغابات ليست تلك التي رأيناها في المنام…
بل تلك التي تنبت بصمت داخل النفس، حين يتحول الاطمئنان إلى يقين بالنفس، ويحلّ الأمن من المآل محل الخوف من التقصير.