سيد كريم البخاتي
يمرّ العراق اليوم بمنعطف هو الأخطر في تاريخه المعاصر؛ منعطفٌ لا تمزقه الحروب العبثية هذه المرة، بل ينهشه بلا رحمة وحش “فساد المال العام”. ترليونات تبددت وتبخرت على أيدي زمرٍ من الفاسدين والمافيات المتحكمة بمقدرات البلاد، حتى باتت أموال الشعب المنهوبة تتأرجح بين تهريبٍ منظمٍ إلى الخارج، أو إهمالٍ مريب تلتهمه القوارض والفيضانات، وسط مشهد مخيب من الصمت الشعبي المطبق والضمور الغريب في الضمير الجمعي.
وفي خضم هذا الركود، تتوجه الأنظار تارة أخرى نحو المرجعية الدينية، وكأن لسان حال الشارع يتساءل بانتظار إشارة أو فتوى: هل ستفتي المرجعية بثورة عارمة تقتلع جذور هذه الأحزاب والعصابات كما أفتت بالأمس بفتوى “الجهاد الكفائي” ودحرت تنظيم داعش وممكليه؟ هل ستدفع باتجاه تشكيل حكومة وطنية يختارها الشعب بإشراف نزيه ومستقل؟ أم سيُترك هذا الشعب الأعزل يراقب جلاديه وسارقيه وهم يمعنون في إفقاره وإذلاله حتى يأكل الجوع ما تبقى من رمق الحياة؟
من المؤسف أن بعض المنابر الدينية باتت تسوّق لنظريةٍ انهزامية مفادها أن “الفساد أفضل من الفوضى”، وهي مقولة مخدرة يُراد بها إبقاء الجماهير في حالة من الاستكانة والخنوع. يتناسى أصحاب هذا الطرح جوهر ثورة الإمام الحسين (ع) وأسباب خروجه ضد الظلم؛ تلك الثورة الإنسانية العابرة للأديان والمذاهب، والتي استلهم منها أحرار العالم أسمى دروس المقاومة. فها هو “تشي جيفارا” يوصي رفاقه بأن يكونوا كأصحاب ذلك الرجل الشرقي (الحسين) في صمودهم وزلزلتهم لعروش الطغاة، وها هو “غاندي” يؤكد أنه لو كان للحسين منبر في الشرق والغرب لرفعوا له رايات النصر في كل مكان.
أما من يدّعون السير على نهج الحسين اليوم، فقد ركنوا إلى خمولٍ غريب، مكبلين بمخاوف وهمية من أن أي تحرك أو ثورة ستفضي إلى الفوضى، أو أن “أعداء المذهب” سيتربصون بهم ليعيدوا عقارب الساعة إلى وراء؛ إلى زمن الملاحقة والتهجير. إنه الخوف من خسارة مكاسب “موهومة” وراحة مؤقتة، وهو ذاته الخوف الذي يُشرعن بقاء الفساد واستمراره.
إن الشعوب التي تخشى الفوضى أكثر من خشيتها على كرامتها وحقوقها، ستبقى رهينة لجلاديها، وإن استلهام مبادئ التغيير لا يكون بالبكاء والنحيب، بل باسترداد وطنٍ يسرق نهاراً جهاراً أمام أعين أبنائه.