اليوم الوطني العراقي للمقابر الجماعية (وما هي الا ذكرى للبشر) (ح 10)

د. فاضل حسن شريف

ذكرى مثل هذه الجرائم ضرورة مهمة لبني البشر حتى لا تتكرر مثلها مرة أخرى جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله جل اسمه “وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً ۙ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ۙ وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ۙ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ” (المدثر 31) “وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة” (المدثر 31) الآية عن ابن عباس وقتادة والضحاك ومعناه وما جعلنا الموكلين بالنار المتولين تدبيرها إلا ملائكة جعلنا شهوتهم في تعذيب أهل النار ولم نجعلهم من بني آدم كما تعهدون أنتم فتطيقونهم “وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا” أي لم نجعلهم على هذا العدد إلا محنة وتشديدا في التكليف للذين كفروا نعم الله وجحدوا وحدانيته حتى يتفكروا فيعلموا أن الله سبحانه حكيم لا يفعل إلا ما هو حكمة ويعلموا أنه قادر على أن يزيد في قواهم ما يقدرون به على تعذيب الخلائق ولو راجع الكفار عقولهم لعلموا أن من سلط ملكا واحدا على كافة بني آدم لقبض أرواحهم فلا يغلبونه قادر على سوق بعضهم إلى النار وجعلهم فيها بتسعة عشر من الملائكة “ليستيقن الذين أوتوا الكتاب” من اليهود والنصارى أنه حق وإن محمدا صلى الله عليه وآله وسلّم صادق من حيث أخبر بما هو في كتبهم من غير قراءة لها ولا تعلم منهم “ويزداد الذين آمنوا إيمانا” أي يقينا بهذا العدد وبصحة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلّم إذا أخبرهم أهل الكتاب أنه مثل ما في كتابهم. “ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون” (المدثر 31) أي ولئلا يشك هؤلاء في عدد الخزنة والمعنى وليستيقن من لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وآله وسلّم ومن آمن به صحة نبوته إذا تدبروا وتفكروا “وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ما ذا أراد الله بهذا مثلا” (المدثر 31) اللام هنا لام العاقبة أي عاقبة أمر هؤلاء أن يقولوا هذا يعني المنافقين والكافرين وقيل معناه ولأن يقولوا ما ذا أراد الله بهذا الوصف والعدد ويتدبروه فيؤدي بهم التدبر في ذلك إلى الإيمان “كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء” (المدثر 31) أي مثل ما جعلنا خزنة أصحاب النار ملائكة ذوي عدد محنة واختبارا تكلف الخلق ليظهر الضلال والهدى وأضافهما إلى نفسه لأن سبب ذلك التكليف وهومن جهته وقيل يضل عن طريق الجنة والثواب من يشاء ويهدي من يشاء إليه “وما يعلم جنود ربك إلا هو” أي ما يعلم جنود ربك من كثرتها أحد إلا هو ولم يجعل خزنة النار تسعة عشر لقلة جنوده ولكن الحكمة اقتضت ذلك وقيل هذا جواب أبي جهل حين قال ما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر عن مقاتل وقيل معناه وما يعلم عدة الملائكة الذين خلقهم الله لتعذيب أهل النار إلا الله عن عطاء والمعنى أن التسعة عشر هم خزنة النار ولهم من الأعوان والجنود ما لا يعلمه إلا الله. ثم رجع إلى ذكر سقر فقال “وما هي إلا ذكرى للبشر” (المدثر 31) أي تذكرة وموعظة للعالم ليتذكروا فيتجنبوا ما يستوجبون به ذلك وقيل معناه وما هذه النار في الدنيا إلا تذكرة للبشر من نار الآخرة حتى يتفكروا فيها فيحذروا نار الآخرة وقيل ما هذه السورة إلا تذكرة للناس وقيل وما هذه الملائكة التسعة عشر إلا عبرة للخلق يستدلون بذلك على كمال قدرة الله تعالى وينزجرون عن المعاصي.

عن وكالة الأنباء العراقية مؤسسة الشهداء: المباشرة بفتح 7 مقابر جماعية من حقبة الثمانينيات في الأنبار 17 آيار 2026: من جانبه قال معاون المدير العام لدائرة المقابر الجماعية ورئيس فريق التنقيب، ضرغام كامل عبد المجيد، لوكالة الأنباء العراقية (واع)، إن “الفريق الوطني لفتح المقابر الجماعية يضم مؤسسة الشهداء ودائرة حماية المقابر الجماعية والمفقودين ودائرة الطب العدلي في وزارة الصحة، إلى جانب اختصاصيين في الجوانب الفنية والقانونية والآثارية والكيميائية والتصوير الجنائي”. وأوضح أن “عمليات فتح المقابر تبدأ بالكشف الأولي، ثم استخدام أدوات خاصة للوصول إلى الرفات، مع تنفيذ عمليات التنقيب بدقة عالية للحفاظ على سلامة الرفات وعدم اختلاطها بالرفات المجاورة”، مضيفاً أن “الرفات تُرفع وفق معايير دولية وتوضع في أكياس حفظ خاصة قبل تسليمها إلى دائرة الطب العدلي لاستكمال إجراءات التعرف على الضحايا”. وأشار إلى أن “عدد الضحايا الذين تم التعرف عليهم خلال الفترات السابقة بلغ نحو 2500 ضحية، من بينهم ضحايا للنظام السابق وآخرون من ضحايا الإرهاب”.

وتفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله جل اسمه “وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً ۙ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ۙ وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ۙ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ” (المدثر 31) على أنه تعالى يقول: “وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ” (العنكبوت 10-11). والآيتان في سورة مكية وهي سورة العنكبوت، وهما ناطقتان بوجود النفاق فيها ومع الغض عن كون السورة مكية فاشتمال الآية على حديث الإيذاء في الله والفتنة أصدق شاهد على نزول الآيتين بمكة فلم يكن بالمدينة إيذاء في الله وفتنة، واشتمال الآية على قوله: “ولئن جاء نصر من ربك” إلخ لا يدل على النزول بالمدينة فللنصر مصاديق أخرى غير الفتح المعجل. واحتمال أن يكون المراد بالفتنة ما وقعت بمكة بعد الهجرة غير ضائر فإن هؤلاء المفتونين بمكة بعد الهجرة إنما كانوا من الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة وإن أوذوا بعدها. وعلى مثل ذلك ينبغي أن يحمل قوله تعالى: “وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ” (الحج 11) إن كان المراد بالفتنة العذاب وإن كانت السورة مدنية. وقوله: “كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء” (المدثر 31) الإشارة بذلك إلى مضمون قوله: “وما جعلنا عدتهم إلا فتنة” إلخ. وقوله: “وما يعلم جنود ربك إلا هو” علق تعالى العلم المنفي بالجنود – وهي الجموع الغليظة التي خلقهم وسائط لإجراء أوامره – لا بخصوص عدتهم فأفاد بإطلاقه أن العلم بحقيقتهم وخصوصيات خلقتهم وعدتهم وما يعملونه من عمل ودقائق الحكمة في جميع ذلك يختص به تعالى لا يشاركه فيه أحد، فليس لأحد أن يستقل عدتهم أو يستكثر أو يطعن في شيء مما يرجع إلى صفاتهم وهو جاهل بها. وقوله: “وما هي إلا ذكرى للبشر” (المدثر 31) الضمير راجع إلى ما تقدم من قوله: “عليها تسعة عشر” وتأنيثه لتأنيث الخبر، والمعنى أن البشر لا سبيل لهم إلى العلم بجنود ربك وإنما أخبرنا عن خزنة النار أن عدتهم تسعة عشر ليكون ذكرى لهم يتعظون بها. وقيل: الضمير للجنود، وقيل: لسقر، وقيل للسورة، وقيل: لنار الدنيا وهو أسخف الأقوال. وفي الآية دلالة على أن الخطابات القرآنية لعامة البشر.

عن المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف: مفهوم المقابر الجماعية تعريفات ومقاربات تاريخية قانونية للدكتورة فاطمة حمدان عبادي: إن مفهوم المقابر الجماعية يدل على الارض أو المكان الذي يضم رفات عدد كبير من الضحايا الذين تم دفنهم او اخفاء جثثهم دون اتباع الاحكام الشرعية او القيم الانسانية الواجب مراعاتها عند دفن الموتى, وعرفها خبراء الطب الشرعي بأن المقبرة الجماعية انما هي موقع يحوي على رفات ضحيتين او اكثر تم قتلهم وانتهاك حقوقهم. تعد المقابر الجماعية ايضاً واحدة من ابرز جرائم الابادة الجماعية التي ارتكبها نظام البعث ضد ابناء الشعب, وتمثل من جانب آخر افظع الانتهاكات بحق الانسانية والمنافية للقوانين والاعراف الدولية وقوانين حقوق الانسان, كما ويقصد بها بانها المواقع التي عثر فيها على بقايا الهياكل العظمية للجثث التي دفنت بها من قبل النظام العراقي السابق فقد عمد نظام البعث بقيادة صدام حسين على ارتكاب جرائم المقابر الجماعية في مناطق بعيدة ومختلفة في مدن العراق متخذاً من هذه المقابر مكاناً لاخفاء جرائمه الوحشية التي ارتكبها ضد ابناء هذا البلد من مختلف المكونات. تجدر الاشارة الى ان المقابر الجماعية تختلف اختلافاً جذرياً عن المقابر التقليدية, وهذا الاختلاف ناتج من كثرة الجثث فيها بالدرجة الأساس ومن ثم الاستعجال في اخفاء آثار الجريمة وسعة القبر, كذلك عمقه, فالكثير من هذه المقابر قد اكتشفت نتيجة ظهور بعض اعضاء الجثث فوق سطح الارض او نتيجة قيام الكلاب السائبة او الحيوانات الاخرى بنبشها واخراج جثثها لأكل لحومها, من جهة اخرى كان هناك المقابر الواسعة التي ضمت اعداد هائلة من الضحايا فكان نظام البعث وقوات الأمن الخاصة بالبعث يستخدمون مكائن الحفر والردم العملاقة حتى لا يتمكن احد من الوصول الى الهياكل العظمية عند البحث عن القبر. علامة على ذلك اشار سابقاً المحامي عدنان جبار سبهان وهو المدير الأسبق لقسم المقابر الجماعية في وزارة حقوق الانسان ان المقابر الجماعية في العراق قد امتازت بانتشارها في معظم المحافظات وازداد تركيزها في محافظات الوسط والجنوب, إذ تجاوز عدد المواقع الخاصة بهذه المقابر حوالي (80) موقع والتي تضم بدورها اكثر من (200) مقبرة جماعية-حين تصريحه-, اضف الى وجود ما يقارب (20) موقع مع اكثر من (40) مقبرة جماعية في المحافظات الشمالية التي استهدفت الشعب الكردي بعد ان قام النظام الوحشي بتهجيرهم وتصفيتهم قسرياً ومن ثم ابادتهم جماعياً في مدينة السماوة جنوب العراق.

وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله جل اسمه “وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً ۙ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ۙ وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ۙ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ” (المدثر 31) ثمّ يضيف حول كيفية استفادة المؤمنين والكفّار الذين في قلوبهم مرض من كلام اللّه تعالى: فيقول تعالى: “كذلك يضل اللّه من يشاء ويهدي من يشاء” (المدثر 31). إنّ الجمل السابقة تشير بوضوح إلى أنّ المشيئة والإرادة الإلهية لهداية البعض واضلال البعض الأخر ليس اعتباطاً، فإنّ المعاندين والذين في قلوبهم مرض لا يستحقون إلاّ الضلال، والمؤمنون والمسلّمون لأمر اللّه هم المستحقون للهدى. ويقول في نهاية الآية: “وما يعلم جنود ربّك إلاّ هو وما هي إلاّ ذكرى للبشر” (المدثر 31). فالحديث عن التسعة عشر من خزنة النّار، ليس لتحديد ملائكة اللّه تعالى، بل إنّهم كثيرون جدّاً أنّ الرّوايات تصفهم أنّهم يملؤون السموات والأرض، وليس هناك موضع قدم في العالم إلاّ وفيه ملك يسبح للّه. واحتمل المفسّرون احتمالات عديدة في مَن يعود الضمير (هي)، فقيل: يعود على الجنود ومنهم خزنة النّار، وقيل: على سقر، وقيل: على آيات القرآن (السورة)، والقول الأوّل أنسب وأوجه، وإن كانت بقية الأقوال مدعاة للتذكر والإيقاظ والمعرفة، ولأنّ الأوّل يبيّن حقيقة أنّ اللّه تعالى إنّما اختار لنفسه ملائكة وأخبر عن عددهم ليكون ذكرى لمن يتعظ بها، لا لكونه غير قادر على معاقبة كل المذنبين والمعاندين.