مكسيم العراقي
12. وحش السردية المزدوجة, الرأسمالية المتوحشة والإسلام السياسي في خندق الانتخاب العكسي وتدمير الحياة
13. تشريح السقوط البنيوي, أخطاء الاشتراكية التي طبقت وممارستها للانتخاب العكسي وكيفية تنقيحها
14. أمثلة تاريخية مشابهة لإخضاع العلم للأيديولوجيا أو السلطة السياسية او الدين
15. مقدمة في جينوم الملكية الخاصة, من فجر المشاعية إلى عصر الروبوتات والفرز التكنولوجي الكبير
16. هل كانت الملكية الخاصة مجرد فكرة خبيثة ابتدعها إنسان شرير ذات يوم كما كان يصوّر بعض فلاسفة العقد الاجتماعي (مثل جان جاك روسو)!؟
(12)
وحش السردية المزدوجة, الرأسمالية المتوحشة والإسلام السياسي في خندق الانتخاب العكسي وتدمير الحياة
عند النظر إلى الرأسمالية المعاصرة والإسلام السياسي عبر عدسة التحليل السطحي، قد يلوح للمرء أنهما نقيضان لا يلتقيان؛ فالأولى بنت التحديث المادي والعولمة والتبادل الحر، والثاني سليل الأصولية والماضوية العقائدية. غير أن المشرط المشترك بين البيولوجيا التطورية، والجيوسياسية، والفلسفة الأخلاقية يكشف عن حقيقة مغايرة تماماً: إننا أمام تكامل وظيفي طفيلي بين وحشين برمجتهما المشتركة تقف في تضاد صارخ مع نواميس البقاء الطبيعي والارتقاء الإنساني.
الرأسمالية في صيغتها النيوليبرالية المتوحشة تحولت من أداة لتحفيز الإنتاج البشري إلى آلية عمياء للاستنزاف، ممارِسةً حروباً تدميرية وصراعات جيوسياسية لا تنتهي، وتدميراً ممنهجاً للغلاف الحيوي للكرة الأرضية وللارض والبحار. والأخطر من ذلك، أنها وفي سبيل الحفاظ على تدفق الأرباح ومصادر الطاقة، عمدت بنيوياً إلى التحالف مع حركات الإسلام السياسي وممارِسةً الانتخاب العكسي معها لتدمير الدول الوطنية السيادية وتولية الرعاع والجهلة.
1. الرأسمالية وقوانين الغاب.. الحروب، الاستنزاف، واغتيال البيئة
في عالم الطبيعة، يعتمد التوازن البيئي على دورات مغلقة ومستدامة حيث يعيد كل كائن تدوير ما يستهلكه. أما الرأسمالية المتطرفة، فتشتغل وفق خوارزمية النمو اللانهائي في كوكب محدود الموارد، وهي ذات الشفرة التي تتحرك بها الخلايا السرطانية التي تدمر المضيف لتفنى هي في النهاية.
• الحروب والصراعات الكولونيالية: لم تكن الحروب الرأسمالية يوماً من أجل نشر الديمقراطية، بل كانت غزوات بيولوجية مدفوعة بالجشع لفتح أسواق جديدة والسيطرة على خطوط إمداد الطاقة والمواد الخام. من حروب الأفيون في الصين تاريخياً، إلى غزو العراق وتفتيت حواضر الشرق الأوسط، يتبدى الوجه الحقيقي للرأسمالية كآلة عسكرية تطحن جينات الشعوب وثرواتها لتغذية كارتيلات السلاح والنفط والمصارف العالمية.
• الانتحار البيئي وعملية الإبادة الحيوية: لطالما عطلت الشركات العابرة للقارات تشريعات حماية البيئة من أجل خفض كلفة الإنتاج؛ مما أدى إلى الاحتباس الحراري، وتلوث المحيطات، وانقراض آلاف الأنواع الحيوية، وتدمير الغابات التي تمثل رئات الأرض. الرأسمالية هنا تعبث بـ الغشاء الخلوي للكوكب، مضحيةً بالمنظومة الحيوية التي تضمن بقاء الجنس البشري على المدى الطويل من أجل أرباح ربع سنوية قصيرة الأجل؛ وهو قمة العبث والتراجع التطوري.
2. شفرة الانتخاب العكسي.. كيف تلتقي الرأسمالية والإسلام السياسي؟
الانتخاب الطبيعي والارتقاء الحضاري يستوجبان صعود الأنظمة الذكية، المنتجة، والقائمة على العلم والمواطنة وتطوير الكفاءات. لكن الرأسمالية المعاصرة في مراكزها المهيمنة (الشركات الكبرى والدول العميقة) لا تبحث عن شركاء أقوياء وأذكياء في العالم النامي، بل تبحث عن وكلاء طيعين، مستهلكين، ويسهل التحكم بهم.
هنا يتقاطع مسار الرأسمالية مع الإسلام السياسي في هندسة مشتركة لـ الانتخاب العكسي:
• تجريف العقول وتولية الرعاع: تجد الرأسمالية العالمية في قوى الإسلام السياسي والأنظمة الثيوقراطية شريكاً مثلياً لإدارة مساحات الفوضى. حركات الإسلام السياسي، بتبنيها لمنطق السمع والطاعة، وتجريم التفكير النقدي، ونشر التجهيل والدجل الطائفي، تضمن إنتاج مجتمعات مدجنة ومخدرة غيبياً. هذا المناخ الأيديولوجي المشوه يمارس تصفية قسرية واصطفاءً عكسياً؛ حيث يُطرد العلماء، والتكنوقراط، والمفكرون الوطنيون (الجينات البانية للدولة)، ليتصدر المشهد فقهاء الميليشيات، وأمراء الحرب الفاسدون، والرعاع الذين يسهل شراؤهم بالمال أو السيطرة عليهم بالشعار الديني.
• حراس التبعية الاقتصادية: الأنظمة التي تحكمها ميليشيات أيديولوجية أو أحزاب دينية طفيلية لا تمتلك أي برامج لبناء اقتصاد وطني صناعي أو زراعي مستقل؛ بل تكتفي بلعب دور السمسار الذي يبيع النفط الخام والمواد الأولية بأسعار بخسة للشركات الرأسمالية، ويحول البلاد إلى سوق استهلاكية مفتوحة للبضائع الأجنبية. الإسلام السياسي يفرغ الدولة من سيادتها وإنتاجيتها، والرأسمالية العالمية تمتص هذه الثروات، ليبقى المجتمع في قاع السلم التطوري الحضاري.
3. شواهد التاريخ.. تجارب التحالف الدنس لتدمير الأوطان
لقد تكررت هذه الهندسة العكسية المشتركة بين الرأسمالية المتوحشة والإسلام السياسي في أكثر من محطة تاريخية وجغرافية، وكانت النتيجة دائماً واحدة: خراب الدول وتراجعها لقرون.
• التجربة الأفغانية (صناعة التطرف): في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وضمن صراعها ضد الاتحاد السوفيتي، قامت الرأسمالية الأمريكية والغربية، بالتعاون مع وكلائها الإقليميين، بضخ مليارات الدولارات لدعم وتسليح وتمويل حركات الإسلام الراديكالي (المجاهدين الذين انشقت منهم القاعدة ثم داعش وطالبان لاحقاً). تم عمداً تجريف وتدمير النخب الأفغانية المتعلمة، والمدنية، والتكنوقراطية، وإحلال فكر القرون الوسطى محلها كآلية اصطفاء عكسي كارثية، فتحولت أفغانستان من دولة في طريق التحديث إلى معقل معزول للتطرف والجهل والفقر المدقع.
• تجربة العراق بعد 2003 (المحاصصة والخراب): عقب الغزو الأمريكي المدفوع بمصالح النفط والسلاح الرأسمالية، تم عن عمد تفكيك مؤسسات الدولة الوطنية وتأسيس نظام سياسي قائم على المحاصصة الطائفية والحزبية. هذا النظام فتح الأبواب على مصراعيها لصعود أحزاب الإسلام السياسي (بشقيه) والميليشيات الطفيلية العابرة للحدود. مارست الإدارة الرأسمالية الحاكمة تماهياً كاملاً مع قوى الجهل والفساد؛ فغضت الطرف عن نهب المليارات وتهريب العملة وتدمير المصانع والمزارع العراقية التاريخية، مقابل إبقاء العراق سوقاً مستباحة تابعة، ومستنزفة بيئياً وصحياً بفعل مخلفات الحروب والتلوث النفطي، ومحكومة بانتخاب عكسي صارم يولي الفاسد والجاهل ويقصي الكفاءة والوطني الشريف.
• تجربة تفتيت دول الربيع العربي: حين اهتزت المنطقة في 2011، سارعت الدوائر الرأسمالية الغربية لمحاولة ركوب الموجة عبر التنسيق والترويج لتنظيمات كالإخوان المسلمين كبديل ديمقراطي مفترض. كان الهدف هو تصفية الجيوش والمؤسسات الوطنية لصالح كانتونات أيديولوجية هشة يسهل التلاعب بها وإدخالها في صراعات بينية مستدامة (كما حدث في ليبيا وسوريا واليمن)، مما يضمن استمرار نهب الثروات وضمان أمن القوى المهيمنة، وتأخير هذه المجتمعات لقرون وقطع طريقها نحو التطور المدني والعلمي.
إن الرأسمالية المتوحشة والإسلام السياسي يمثلان وجهين لعملة واحدة ضد الارتقاء البشري؛ فالأولى تدمر الجسد المادي والبيئي للكوكب بجشعها وحروبها، والثاني يدمر الدماغ المعرفي والأخلاقي للمجتمعات بتجهيله وتولية أردأ ما في البشر عبر الانتخاب العكسي.
إن التحدي الوجودي الأكبر أمام البشر وقادتهم المخلصين اليوم هو إدراك هذا التماهي المدنس، ومقاومة هذا التحالف الطفيلي عبر إرساء قيم السيادة الوطنية الحقيقية، والمنهج العلمي الصارم، والاقتصاد الإنتاجي الصديق للبيئة، والمواطنة العلمانية. بدون شطب هذه المنظومات الهجينة المشوهة، سيظل جدار الحضارة مهدداً بالتآكل، ولن يسترد الإنسان مكانه الطبيعي في مسيرة الارتقاء ما لم يستأصل الأورام الرأسمالية المتطرفة وفيروسات الإسلام السياسي من جسد الأوطان.
(13)
تشريح السقوط البنيوي, أخطاء الاشتراكية التي طبقت وممارستها للانتخاب العكسي وكيفية تنقيحها
حينما قدم كارل ماركس وفريدريك إنجلز الأطروحة الاشتراكية العلمية في القرن التاسع عشر، صاغاها كحتمية تاريخية وتطورية ترتقي بالبشرية من استغلال الإنسان لأخيه الإنسان في المنظومة الرأسمالية إلى مجتمع الوفرة والعدالة. غير أن تحويل هذه الفلسفة النظرية إلى سياسات تطبيقية صلبة خلال القرن العشرين (في الاتحاد السوفيتي، والصين الماوية، ودول الكتلة الشرقية) واجه معضلات بنيوية حادة؛ إذ وقعت التطبيقات الاشتراكية — مدفوعة بظروفها التاريخية والأيديولوجية — في فخ الانتخاب العكسي (Negative Selection) من حيث لم تحتسب، مما قاد في النهاية إلى انهيارها الجيوسياسي والاقتصادي وتخلفها عن مواكبة ديناميكيات التطور العصرية.
1. أسباب وقوع الاشتراكية المطبقة في فخ الانتخاب العكسي
في البيولوجيا التطورية، يفشل الكائن إذا عزز الخصائص التي تضعف مناعته وتكيفه مع البيئة. والاشتراكية المطبقة مارست انتخاباً عكسياً صارماً أدى إلى إقصاء العناصر الذكية والمبدعة وتولية الأقل كفاءة، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب بنيوية:
• ديكتاتورية البروليتاريا والولاء الحزبي (شفرة الطاعة): بدلاً من اعتماد معيار الكفاءة العلمية والإدارية، اعتمدت النظم الاشتراكية معيار المنشأ الطبقي والولاء الأيديولوجي الصارم للحزب الشيوعي. في هذا المناخ، كان يكفي أن يكون الشخص رديء المهارة ولكنه مخلص للحزب ومردد للشعارات ليتولى إدارة المصانع الكبرى، أو الهيئات التخطيطية، أو المراكز العلمية. هذا الاصطفاء العكسي أدى إلى صعود طبقة من البيروقراطيين الفاشلين (الـ Nomenklatura) الذين يفتقرون للمرونة والابتكار.
• المركزية المطلقة واغتيال المبادرة الفردية: الطبيعة ترتقي عبر التنوع والطفرات الحرة؛ فالكائنات تجرب حلولاً مختلفة والبيئة تنتخب الأفضل. الاشتراكية المطبقة ألغت هذا القانون تماماً عبر التخطيط المركزي الصارم (Command Economy)؛ حيث تقرر لجنة مركزية في العاصمة كمية السلع التي يجب إنتاجها وأسعارها وتفاصيلها. هذا الإلغاء الشامل لآليات السوق والمبادرة الفردية عاقب المبتكرين والأذكياء الذين يحاولون الخروج عن النص، وجعل البيئة مواتية فقط للخاملين الذين ينفذون الأوامر بحرفيتها دون تفكير.
• الأيديولوجيا فوق العلم (مأساة ليسينكو نموذجاً): وصل الانتخاب العكسي إلى تدمير العلم نفسه عندما تم إخضاع البيولوجيا والفيزياء للأيديولوجيا الماركسية اللينينية. الشاهد الأكبر هو تبني ستالين لنظريات العالم توفيم ليسينكو الزائفة في علم الوراثة، والتي كانت ترفض علم الجينات المندلي الحديث وتعتبره علماً برجوازياً. تم سجن ونفي علماء الجينات الحقيقيين الكبار في الاتحاد السوفيتي (تصفية الجينات المعرفية الصالحة)، وتولية الجهلة والمصفقين لليسينكو، مما أدى إلى كارثة زراعية ومجاعات حصدت أرواح الملايين في روسيا والصين.
تعتبر قصة تروفيم ليسينكو درساً قاسياً حول العواقب الوخيمة التي تحدث عندما تُمنح السلطة السياسية حق تقرير الحقائق العلمية بناءً على توافقها مع المبادئ الأيديولوجية بدلاً من خضوعها للمنهج التجريبي والتحقق العلمي. ففي تلك الحقبة، رأت القيادة السوفيتية في علم الوراثة الكلاسيكي (المندلي) خطراً فكرياً لأنه يقر بوجود عوامل بيولوجية موروثة قد لا تتوافق مع فكرة القدرة المطلقة للنظام على تشكيل الإنسان والمجتمع وفق إرادته، لذا تم استبدال العلم الحقيقي بنظريات زائفة ادعت أن الخصائص المكتسبة بيئياً يمكن توريثها مباشرة، وهو ما ثبت خطؤه قطعياً.
أدى هذا الإقصاء الممنهج للعلماء المؤهلين وتدمير مختبرات علم الوراثة إلى فقدان أجيال من المعرفة العلمية الرصينة في الاتحاد السوفيتي، ولأن السياسات الزراعية التي طُبقت حينها كانت تستند إلى هذه النظريات الزائفة، فقد أدى ذلك إلى فشل ذريع في مواجهة آفات المحاصيل ونقص الغذاء,كما انتقلت هذه الأفكار لاحقاً إلى الصين في عهد ماو تسي تونغ، حيث أدى تطبيق طرق ليسينكو في الزراعة إلى مشاكل مشابهة!
2. تماهي أخطاء الاشتراكية مع آليات الإسلام السياسي
رغم الاختلاف الأيديولوجي الجذري (مادية إلحادية مقابل غيبية دينية)، ورغم الحريات الشخصية الواسعة في الاشتراكية وجذورها التقدمية وانجازاتها الكبيرة, إلا أن الآلية السلوكية للاشتراكية المطبقة ربما تماهت بنيوياً مع الإسلام السياسي في ممارسة الانتخاب العكسي عبر:
• احتكار الحقيقة المطلقة: كلا النظامين يدعي امتلاك الإجابة النهائية الشاملة لكل معضلات البشر (المنهج الماركسي الحتمي مقابل الحاكمية الإلهية والنص الجامد). هذا الاحتكار يلغي التفكير النقدي ويجرم السؤال.
• تطهير المخالفين: مثلما يعزل الإسلام السياسي المرتد أو الكافر أو العلماني ويقصيه من المجتمع، قامت الاشتراكية المطبقة بنفي وسجن وتصفية المنحرفين برجوازياً أو أعداء الثورة، وهي عملية إبادة مستمرة للنخب المفكرة والواعية لصالح القطيع المدجن.
3. كيف يمكن تنقيح الفكر والتطبيق الاشتراكي المستقبلي من الانتخاب العكسي؟
لكي يستعيد الفكر الاشتراكي حيويته التطورية كأداة لتحقيق العدالة الاجتماعية وحماية البيئة دون الوقوف بوجه الارتقاء البشري، يجب إخضاع التطبيق لعملية تنقيح وتعديل جيني شاملة تتضمن الخطوات التالية:
• التخلي عن التخطيط المركزي المطلق وتبني اشتراكية السوق المرنة: يجب الاعتراف بأن آليات السوق (العرض والطلب والمنافسة) هي نواميس طبيعية لاكتشاف القيمة وتحفيز الابتكار لا يمكن إلغاؤها بقرار سياسي. التنقيح يقتضي الإبقاء على ديناميكية السوق الحرة لتشجيع الذكاء والابتكار الفردي، مع تدخل الدولة الذكي عبر السياسات الضريبية التوزيعية، والرعاية الصحية الشاملة، ومجانية التعليم النوعي (كما يظهر جزئياً في النموذج الديمقراطي الاجتماعي السويدي وفي أجزاء من التجربة الصينية المعاصرة التي زاوجت بين رأس المال وسلطة الدولة).
• إرساء مبدأ الاستحقاقية والتكنوقراطية الصارمة (Meritocracy): يجب فك الارتباط نهائياً بين إدارة مؤسسات الدولة والاقتصاد وبين الانتماء الحزبي أو الأيديولوجي. المناصب العامة والبحثية يجب أن تُنتخب بناءً على الكفاءة العلمية، والقدرة الإنتاجية، والشهادات المادية الحقيقية؛ فالذكاء البشري والقدرة على حل المعضلات هما المعيار الوحيد للبقاء والترقي الإداري.
• قداسة الديمقراطية والتعددية المعرفية: إن غياب الرقابة الشعبية وحرية الصحافة هو ما سمح لطبقة البيروقراطيين الفاسدين باحتكار السلطة وممارسة الانتخاب العكسي. الاشتراكية المنقحة يجب أن تكون ديمقراطية بنيوياً؛ تسمح بالتعددية السياسية والفكرية، وترحب بالنقد كميكانيكية تصحيح ذاتي (بمثابة التغذية الراجعة Feedback Loop الضرورية في أي نظام حيوي لمنع التحلل).
• الفصل التام بين الأيديولوجيا والبحث العلمي: يجب أن يتمتع العلم باستقلالية مطلقة عن فلسفة الدولة؛ فالقوانين الطبيعية والفيزيائية والبيولوجية لا تنتمي لطبقة برجوازية أو بروليتارية. دعم حرية البحث العلمي وتكريم العلماء الأذكياء وحمايتهم هو جهاز المناعة الأساسي الذي يحمي الدولة الاشتراكية من التخلف والجمود.
إن التاريخ الطبيعي والحضاري أثبت أن أي نظام — رأسمالياً كان، أو اشتراكياً، أو ثيوقراطياً — يقوم على هندسة بيئة تقصي الأذكياء والمبدعين وتولي الرعاع والمصفقين (الانتخاب العكسي) مآله الانهيار والانقراض ميكانيكياً تحت وطأة نواميس الكون الصارمة.
إن تنقيح الاشتراكية يعني تحويلها من أيديولوجيا عقائدية مغلقة إلى أداة علمية مرنة تهدف لرفاه الإنسان وحماية الكوكب من جشع الرأسمالية، دون أن تقتل في طريقها جينات التميز، والإبداع، والتفوق الفردي التي بدونها لا يمكن للبشر الصمود والارتقاء أمام تحديات الطبيعة.
(14)
أمثلة تاريخية مشابهة لإخضاع العلم للأيديولوجيا أو السلطة السياسية او الدين
1. محاكم التفتيش وقضية غاليليو
(The Inquisition and the Galileo Affair)
تُعد قضية العالم الإيطالي غاليليو غاليلي (Galileo Galilei) واحدة من أشهر الأمثلة التاريخية على إخضاع المعرفة العلمية للسلطة الأيديولوجية والدينية. ففي القرن السابع عشر، وبعد أن قدم نيكولاس كوبرنيكوس (Nicolaus Copernicus) نظريته القائلة بأن الشمس هي مركز النظام الشمسي، قام غاليليو باستخدام التلسكوب لتقديم مشاهدات دعمت هذه النظرية، مما وضعه في مواجهة مباشرة مع المؤسسة الدينية الكاثوليكية التي كانت تتبنى النموذج الأرضي للكون باعتباره جزءاً من العقيدة السائدة.
وفي عام 1633، حاكمت محاكم التفتيش غاليليو وأجبرته على التراجع العلني عن آرائه العلمية، ووُضع تحت الإقامة الجبرية حتى وفاته. وأصبحت هذه القضية مثالاً تاريخياً على المخاطر الناجمة عن منح السلطة الدينية أو السياسية حق تحديد الحقيقة العلمية خارج إطار المنهج العلمي.
2. حملة القفزة الكبرى إلى الأمام في الصين
(The Great Leap Forward in China)
في عام 1958، أطلق الزعيم الصيني ماو تسي تونغ (Mao Zedong) مشروع القفزة الكبرى إلى الأمام، بهدف تحويل الصين بسرعة إلى قوة صناعية وزراعية عظمى. إلا أن المشروع استند إلى تصورات أيديولوجية وطموحات سياسية أكثر من اعتماده على المعرفة العلمية والخبرة الزراعية والاقتصادية.
فُرضت على المزارعين خطط إنتاج غير واقعية، وتم تجاهل التحذيرات العلمية المتعلقة بالإنتاج الزراعي، كما جرى تبني بعض الممارسات الزراعية غير المثبتة علمياً والمتأثرة بأفكار الليسينكوية السوفيتية. وقد أدى تسييس المعرفة الزراعية وإقصاء الخبراء إلى وقوع المجاعة الصينية الكبرى بين عامي 1959 و1961، والتي تُعد من أكبر الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث.
3. حركة تحسين النسل في ألمانيا النازية
(Eugenics in Nazi Germany)
شهدت ألمانيا النازية توظيفاً أيديولوجياً واسعاً لما عُرف بحركة تحسين النسل (Eugenics)، حيث تم تقديم نظريات بيولوجية وعرقية غير علمية باعتبارها حقائق علمية تبرر التفوق العرقي لبعض الجماعات البشرية على غيرها.
وتحت حكم أدولف هتلر (Adolf Hitler)، استُخدمت هذه الأفكار لتبرير سياسات التعقيم القسري، والتمييز العنصري، وبرامج القتل المنظم، وصولاً إلى الإبادة الجماعية. وقد أصبحت تجربة ألمانيا النازية مثالاً كلاسيكياً على الكيفية التي يمكن أن يتحول فيها العلم الزائف إلى أداة للسلطة السياسية والعنف المنظم.
4. رفض نظرية الجراثيم ومقاومة أفكار إغناز زيميلويس
(The Rejection of Germ Theory and the Case of Ignaz Semmelweis)
في منتصف القرن التاسع عشر، اكتشف الطبيب المجري إغناز زيميلويس (Ignaz Semmelweis) أن غسل اليدين قبل إجراء عمليات التوليد يؤدي إلى انخفاض كبير في معدلات الوفيات الناتجة عن حمى النفاس. وعلى الرغم من الأدلة الإحصائية التي قدمها، واجهت أفكاره رفضاً واسعاً من المؤسسات الطبية والأكاديمية في أوروبا.
ولم يكن هذا الرفض قائماً على أسس علمية بقدر ما كان مرتبطاً بالمصالح المؤسسية والسلطة العلمية التقليدية التي رفضت الاعتراف بخطئها. وقد أدى هذا الإنكار إلى استمرار وفاة أعداد كبيرة من المرضى لعقود قبل أن يتم الاعتراف لاحقاً بصحة نظرية الجراثيم.
5. الإنكار الرسمي لكارثة تشيرنوبيل
(The Official Denial of the Chernobyl Disaster)
عقب وقوع كارثة مفاعل تشيرنوبيل النووي (Chernobyl Disaster) عام 1986 في الاتحاد السوفيتي، اتخذت السلطات السياسية قراراً بإخفاء حجم الكارثة والتقليل من آثارها الإشعاعية. وتم تأخير نشر المعلومات العلمية الحقيقية، كما تأخرت عمليات الإجلاء والتحذير الصحي للسكان.
وقد أدى تسييس المعلومات العلمية وإخضاعها للاعتبارات السياسية والأمنية إلى زيادة حجم الخسائر البشرية والبيئية، وأصبحت كارثة تشيرنوبيل مثالاً واضحاً على المخاطر الناتجة عن احتكار السلطة للحقيقة العلمية.
6. حملات إنكار العلم لأسباب أيديولوجية أو اقتصادية
(Science Denial Campaigns for Ideological or Economic Reasons)
شهد التاريخ الحديث العديد من الحالات التي تعرضت فيها نتائج علمية راسخة لحملات تشكيك منظمة بسبب تعارضها مع مصالح سياسية أو اقتصادية أو أيديولوجية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الحملات التي استهدفت الأبحاث العلمية التي أثبتت العلاقة بين التدخين وسرطان الرئة، حيث قامت بعض الشركات والمؤسسات بتمويل حملات إعلامية وبحثية تهدف إلى التشكيك في الأدلة العلمية.
كما شهدت بعض القضايا البيئية والمناخية حملات مشابهة حاولت إضعاف الثقة بالإجماع العلمي عندما تعارضت نتائجه مع مصالح اقتصادية أو توجهات سياسية معينة. وتوضح هذه الحالات أن تسييس المعرفة العلمية لا يقتصر على الأنظمة الشمولية، بل يمكن أن يحدث أيضاً عندما تتغلب المصالح السياسية والاقتصادية على المنهج العلمي.
7. دونالد ترامب وإنكار التغير المناخي
(Donald Trump and Climate Change Denial)
يُعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (Donald Trump) من أبرز القادة السياسيين الذين شككوا علناً في الإجماع العلمي حول التغير المناخي. فقد وصف في عدة مناسبات ظاهرة الاحتباس الحراري بأنها خدعة أو قضية مبالغ فيها، واعتبر أن بعض السياسات البيئية تضر بالاقتصاد والصناعة الأمريكية أكثر مما تحقق من فوائد بيئية.
وخلال ولايته الأولى، أعلن ترامب عام 2017 انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ (Paris Climate Agreement)، وهو الاتفاق الدولي الأهم لمكافحة التغير المناخي، مبرراً ذلك بأنه يفرض أعباء اقتصادية غير عادلة على الولايات المتحدة. كما قامت إدارته بتخفيف أو إلغاء عدد من اللوائح البيئية المتعلقة بانبعاثات الكربون وحماية البيئة.
وقد تعرضت هذه السياسات لانتقادات واسعة من المؤسسات العلمية، التي أكدت أن الأدلة المتعلقة بارتفاع درجات الحرارة العالمية وذوبان الأنهار الجليدية وارتفاع مستويات البحار تستند إلى إجماع علمي واسع، وليس إلى مواقف سياسية أو أيديولوجية.
8. جايير بولسونارو والتشكيك في سياسات حماية الأمازون
(Jair Bolsonaro and Opposition to Amazon Environmental Policies)
تبنى الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو (Jair Bolsonaro) مواقف ناقدة للعديد من السياسات البيئية، واعتبر أن بعض التحذيرات الدولية بشأن إزالة الغابات في منطقة الأمازون تخدم أجندات سياسية واقتصادية خارجية.
وخلال فترة حكمه، تعرضت سياسات حماية غابات الأمازون لتقليصات كبيرة، كما شهدت البرازيل ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات إزالة الغابات وحرائق الأمازون، الأمر الذي أثار انتقادات منظمات البيئة والعلماء الذين أكدوا أهمية الغابات المطيرة في التوازن المناخي العالمي.
9. ريتشارد نيكسون وقضية الأسرار العلمية في حرب فيتنام
(Richard Nixon and Scientific Secrecy During the Vietnam War)
شهدت إدارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون (Richard Nixon) انتقادات بسبب التعامل السياسي مع بعض القضايا العلمية والعسكرية، ومن أبرزها استخدام المواد الكيميائية مثل العامل البرتقالي (Agent Orange) خلال حرب فيتنام. وقد استمرت لفترة طويلة محاولات التقليل من الآثار الصحية والبيئية لهذه المواد، قبل أن تثبت الدراسات العلمية لاحقاً آثارها الخطيرة على الإنسان والبيئة.
9. الاتحاد السوفيتي وإنكار كارثة تشيرنوبيل
(The Soviet Union and the Denial of the Chernobyl Disaster)
بعد وقوع كارثة تشيرنوبيل (Chernobyl Disaster) عام 1986، حاولت القيادة السوفيتية في البداية إخفاء حجم الكارثة النووية وتأخير نشر المعلومات العلمية المتعلقة بمستويات الإشعاع والمخاطر الصحية. وقد أدى هذا التسييس للمعلومات العلمية إلى تأخير إجراءات الحماية والإجلاء، مما ساهم في زيادة الأضرار البشرية والبيئية.
10. حكومة جنوب أفريقيا وإنكار العلاقة بين فيروس HIV والإيدز
(South Africa’s HIV/AIDS Denialism)
خلال رئاسة ثابو مبيكي (Thabo Mbeki) في جنوب أفريقيا، تبنت الحكومة مواقف تشكك في العلاقة العلمية الراسخة بين فيروس نقص المناعة البشرية (HIV) ومرض الإيدز (AIDS)، وتأخرت في اعتماد برامج العلاج بمضادات الفيروسات.
وقد اعتبرت دراسات لاحقة أن هذا التشكيك السياسي في الإجماع العلمي أدى إلى تأخير العلاج والوقاية، وأسهم في وقوع خسائر بشرية كبيرة كان يمكن تجنبها.
11. إنكار مخاطر التدخين والتأثير السياسي والاقتصادي
(The Denial of Smoking Risks and Political-Economic Influence)
طوال عقود من القرن العشرين، موّلت بعض شركات التبغ حملات إعلامية وبحثية هدفت إلى التشكيك في الأدلة العلمية التي أثبتت العلاقة بين التدخين وسرطان الرئة وأمراض القلب. وقد أدى تداخل المصالح الاقتصادية مع صنع القرار السياسي والإعلامي إلى تأخير تبني سياسات الصحة العامة، رغم وجود إجماع علمي متزايد حول مخاطر التدخين.
تُظهر هذه الأمثلة أن إخضاع العلم للاعتبارات السياسية أو الأيديولوجية أو الاقتصادية ليس ظاهرة مرتبطة بنظام سياسي واحد أو أيديولوجية بعينها، بل هو نمط متكرر عبر التاريخ. وعندما تُقدَّم المصالح السياسية أو العقائدية على الأدلة العلمية، فإن النتيجة قد تكون تأخير التقدم العلمي، أو تفاقم الأزمات الصحية والبيئية، أو وقوع كوارث إنسانية واسعة النطاق.
(15)
مقدمة في جينوم الملكية الخاصة, من فجر المشاعية إلى عصر الروبوتات والفرز التكنولوجي الكبير
على مدى آلاف السنين، ظلت الملكية الخاصة (Private Property) هي النواة الصلبة التي تمحورت حولها الحضارات الإنسانية، والقوة المحركة لابتكارات البشر وصراعاتهم على حد سواء. وإذا كان التاريخ قد كُتب بمداد السعي نحو التملك والاستحواذ، فإن الثورة التكنولوجية المعاصرة ودخول العالم عصر الأتمتة الكاملة والروبوتات يعيدان طرح الأسئلة الوجودية الكبرى: كيف تشكلت هذه الغريزة مؤسساتياً؟ وهل يمكن لآلة الذكاء الاصطناعي أن تطوي صفحة التملك الخاص، أم أنها ستعيد صياغته ضمن نمط فرز تطوري جديد؟
1. الأصول التطورية والأنثروبولوجية لظهور الملكية الخاصة
لم تكن الملكية الخاصة في فجر البشرية كما نعرفها اليوم؛ فخلال العصر الحجري القديم ومرحلة الصيد والجمع، عاش البشر في مشاعية بدائية فرضتها طبيعة البقاء. كان الترحال الدائم يجعل من تملك الأرض عبئاً بيولوجياً، وكانت الموارد تُستهلك فوراً لضمان حياة الجماعة.
غير أن التحول الحاسم (الطفرة الحضارية الكبرى) حدث قبل نحو عشرة آلاف عام مع الثورة الزراعية (Neolithic Revolution):
• الاستقرار وترسيم الحدود: عندما اكتشف الإنسان كيف يزرع الأرض ويستأنس الحيوان، اضطر للاستقرار في بقعة جغرافية ثابتة لحماية محاصيله التي تستغرق شهوراً لتربيتها. هنا ولدت الحاجة البيولوجية والمؤسساتية لترسيم الحدود وحمايتها بالسلاح؛ فظهرت الملكية الخاصة كآلية لتأمين الغذاء المستقبلي.
• الفائض والتوريث والانتخاب الطبيعي: أنتجت الزراعة لأول مرة في التاريخ فائضاً عن الحاجة (Surplus). هذا الفائض تطلب تخزيناً وحراسة، وتحول بمرور الوقت إلى ثروة تتراكم في يد العائلات الأكثر ذكاءً وقوة وقدرة على التنظيم. تلاقت الملكية الخاصة هنا مع الانتخاب الطبيعي؛ إذ أصبحت العائلات والمجتمعات التي تمتلك موارد وأراضٍ خاصة أكثر قدرة على تأمين بقاء أطفالها، وتوريثهم عناصر القوة المادية، مما منحهم ميزة تنافسية كبرى على حساب الجماعات المشاعية أو الرعوية المتنقلة.
2. مصير الملكية في عالم الروبوتات.. هل تفنى أم تتجذر؟
عندما نصل إلى نقطة الانفراط التكنولوجي حيث تقوم الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي الفائق بكل شيء (تزرع، تصنع، تطبب، تبني، وتدير الخدمات)، فإن مفهوم العمل البشري — الذي كان أساس شرعية الملكية عند الفلاسفة مثل جون لوك — ينهار تماماً. في هذا العالم المتقدم، يقف مستقبل الملكية الخاصة أمام مسارين تطوريين متناقضين:
• المسار الأول: فناء الملكية التقليدية والتحول نحو المشاعية الوفرية
إذا أدت الروبوتات إلى خفض تكلفة إنتاج السلع والخدمات إلى الصفر تقريباً (عصر الوفرة المطلقة)، فإن دافع التملك الخاص للسلع الأساسية سينتفي. لن يعود هناك معنى لتملك سيارة أو مصنع أو مزرعة إذا كانت الخدمات تتدفق مجاناً كالماء والهواء للجميع عبر إدارة ذكية مركزية. في هذا السيناريو، تذوب الملكية الخاصة بصيغتها القديمة وتتحول إلى ملكيات استخدام مؤقتة مشاعية، ويدخل البشر في عصر فراغ إبداعي متحرر من عبودية الإنتاج المادي.
• المسار الثاني: النيو-إقطاعية التكنولوجية (تطرف الملكية الخاصة)
وهو المسار الأكثر واقعية إذا تُرِكت الرأسمالية دون كبح؛ حيث لن تفنى الملكية الخاصة بل ستتركز بشكل مرعب في يد 1% أو أقل من البشر (أباطرة التكنولوجيا وكارتيلات الذكاء الاصطناعي). في هذا العالم، لن يمتلك عامة البشر أي شيء لأن ريع الروبوتات والمصادر ومفاتيح الشفرات تعود حصراً للملاك الخصوصيين للآلات. يتحول بقية البشر إلى فائض عن الحاجة الحيوية، حيث لا يملكون عملاً يبيعونه ولا أرضاً يستثمرونها، مما يدخل العالم في مأزق فرز طبقي غير مسبوق.
3. العلاقة بالانتخاب الطبيعي والانتخاب العكسي في عصر الأتمتة
إن زاوج الروبوتات الشاملة مع مصير الملكية الخاصة سيعيد توجيه خوارزمية الاصطفاء البشري بشكل جذري، متأرجحاً بين قمة الارتقاء وهواية النكوص:
• مخاطر تفعيل الانتخاب العكسي الكارثي:
إذا تمكن أباطرة الملكية الخاصة للتكنولوجيا من احتكار الروبوتات، وعجزت الدول عن فرض نظام توزيع عادل للثروة (مثل الدخل الأساسي الشامل)، ستنشأ بيئة انتخاب عكسي مدمِرة. سيتعرض المجتمع لعملية إفقار وتجهيل واسعة؛ فالأغلبية الساحقة من البشر ستفقد وظائفها وتتحول إلى كتل عاطلة ومهمشة تعيش على الكفاف والمعونات الضئيلة. هذا المناخ البائس يمثل البيئة المثالية لنمو حركات الإسلام او الدين السياسي، والشعبويات الراديكالية، والعصابات الميليشياوية التي تقتات على بؤس العاطلين وتجندهم تحت شعارات غيبية وتدميرية؛ مما يقود الحضارة برمتها إلى انتحار تطوري تُدمر فيه الدول وتتولى إدارتها قوى الجهل.
• تفعيل الانتخاب الطبيعي الإيجابي (الارتقاء النوعي):
في المقابل، إذا نجح البشر وقادتهم المخلصون في تحويل ملكية الروبوتات الأساسية إلى ملكيات عامة أو خاضعة لرقابة تشريعية صارمة تضمن توزيع العوائد على شكل رعاية طبية فائقة، وتعليم تكنولوجي مجاني، وأمن غذائي مطلق، فإن البيئة الإنسانية ستتطهر تماماً من ضغوط البقاء البدائية.
عندما يتحرر الإنسان من الاضطرار لبيع وقته وجهده العضلي والذهني الروتيني من أجل البقاء — بفضل الروبوتات المشاعية — سيعاد توجيه الانتخاب الطبيعي نحو خصائص أرقى: لن يُنتخب الأكثر جشعاً أو الأقدر على تجميع المال، بل سينتخب المجتمع الأكثر إبداعاً، والأقوى ذكاءً علمياً وفلسفياً، والأرقى أخلاقياً وفنياً.
إن المعركة القادمة للبشرية وقادتها ليست مع الروبوتات كآلات، بل هي مع قوانين حيازة هذه الآلات. إن إنقاذ السلم الحضاري من السقوط في مستنقع الانتخاب العكسي يتطلب صياغة شفرة حقوقية جديدة تنقل البشرية تدريجياً من عبادة الملكية الخاصة المطلقة إلى فضاء الملكية التضامنية الذكية؛ حيث تعمل الآلة لخدمة المجموع، بينما تظل ملكية الفكر، والإبداع، والوعي هي الميزة التنافسية الكبرى التي ترتقي بالنوع البشري نحو النجوم.
(16)
هل كانت الملكية الخاصة مجرد فكرة خبيثة ابتدعها إنسان شرير ذات يوم كما كان يصوّر بعض فلاسفة العقد الاجتماعي (مثل جان جاك روسو)!؟
لم تكن الملكية الخاصة مجرد فكرة خبيثة ابتدعها إنسان شرير ذات يوم كما كان يصوّر بعض فلاسفة العقد الاجتماعي (مثل جان جاك روسو)، ولم تكن مجرد نتاج صدفة تاريخية؛ بل كانت استجابة تكيفية صارمة وميكانيكية فرضتها نواميس الانتخاب الطبيعي وضغوط البقاء على الجنس البشري عندما تغيرت بيئته الحيوية.
لفهم كيف قاد الانتخاب الطبيعي إلى ولادة الملكية الخاصة، يجب أن ننظر إلى التحول الجينومي والسلوكي للبشر عبر محطتين رئيسيتين:
1. ما قبل الملكية: شفرة البقاء في العصر الحجري (المشاعية كضرورة بيولوجية)
لم تكن لدى الجماعات البشرية الأولى (الصيادون وجامعو الثمار) ملكية خاصة للأرض أو لوسائل الإنتاج؛ لأن البيئة والانتخاب الطبيعي آنذاك كانا يعاقبان من يحاول التملك.
في بيئة قائمة على الترحال الدائم خلف الطرائد، كان تكديس الممتلكات يمثل عبئاً بيولوجياً ثقيلاً يعوق الحركة السريعة والهروب من المفترسات.
كان الغذاء (اللحوم) سريع التلف ولا توجد وسائل لحفظه، فكانت الطريقة الوحيدة لتخزينه هي في بطون أفراد القبيلة الآخرين. هنا، انتخبت الطبيعة الإيثار المشاعي لأن مشاركة الصيد اليوم وضعت أساساً لتبادل المنفعة بيولوجياً (Reciprocal Altruism): أطعمك اليوم لتطعمني غداً عندما أخفق في الصيد.
2. الانفجار الزراعي: تغير البيئة وضغوط الاصطفاء الجديدة
قبل نحو 10 آلاف عام، حدث تغير مناخي وبيئي هائل قاد البشر إلى الثورة الزراعية. هنا، تغيرت خوارزمية الانتخاب الطبيعي بالكامل، وأصبحت المشاعية القديمة خطراً يقود إلى الفناء، وولدت الملكية الخاصة كآلية بقاء متفوقة:
• قانون جهد الاستثمار والمكافأة الآجلة: في الصيد، أنت تأخذ ما تجده جاهزاً في الطبيعة. أما في الزراعة، فالأمر يتطلب جهداً شاقاً ومستمراً (حرث الأرض، بذر البذور، السقاية، الحراسة) يمتد لشهور قبل جني الثمار. الانتخاب الطبيعي يملي على الكائن الحي ألا يبذل طاقة بيولوجية هائلة (Energy Expenditure) دون ضمانة جني العائد. إذا كانت الأرض مشاعاً يحق لأي كسلان أن يأتي ويأخذ المحصول جاهزاً، فسينتفي الحافز البيولوجي للعمل، وتموت الجماعة جوعاً. لذا، ظهرت الملكية الخاصة كـ غشاء خلوي مؤسساتي ومادي يضمن للفرد (أو العائلة) حيازة ثمرة جهده؛ وهو ما حفّز الإنتاج وضمن بقاء النوع.
• تأمين الغذاء وتراكم الفائض: لأول مرة، سمحت الملكية الخاصة وحمايتها بتخزين فائض الطعام (الحبوب). هذا الفائض عزز مناعة العائلات المالكة ضد الأوبئة، والمجاعات، والتقلبات المناخية. عائلات الملاك أصبحت أكثر قدرة على تمرير جيناتها وحماية أطفالها من الموت مقارنة بالقبائل البدائية التي ظلت تعتمد على الصيد والجمع والتنقل؛ وهذا هو صلب ميكانيكية الانتخاب الطبيعي (البقاء والتكاثر للأكثر تكيفاً مع نمط الإنتاج الجديد).
• إقليمية الكائن الحي (Territoriality): غريزة الدفاع عن الإقليم موجودة في عمق التاريخ البيولوجي (لدى الثدييات، والطيور، والحيوانات المفترسة) لتأمين مصادر الغذاء والتكاثر. الإنسان لم يبتدع هذه الغريزة، بل إن الملكية الخاصة للأرض هي الصياغة الثقافية والمؤسساتية العاقلة ذاتها لغريزة الدفاع عن الإقليم البيولوجي؛ حيث تحولت المخالب والأنياب إلى دساتير وقوانين وجيوش تحرس الحدود والملكيات الفردية.
هل يعني ذلك أن الملكية الخاصة ستظل أبدية بموجب الانتخاب الطبيعي؟
الانتخاب الطبيعي ليس قانوناً جامداً، بل هو عملية تكيّف مستمرة مع البيئة المحيطة.
الملكية الخاصة ظهرت لأنها كانت الحل الذكي الأوحد لبيئة الشح المادي وحاجة الإنسان لبذل جهد عضلي شاق لإنتاج طعامه. وإذا تغيرت هذه البيئة في المستقبل بفضل التكنولوجيا — كما ناقشنا سابقاً — وصارت الروبوتات والذكاء الاصطناعي تنتج وفرة مطلقة دون حاجة للجهد البشري، فإن الضغوط التطورية التي خلقت الملكية الخاصة ستنتفي وتذوب؛ لتنتخب البيئة الجديدة نمطاً آخر من الإدارة المشاعية الذكية أو ملكية الاستخدام المؤقت، لأن التكديس والجشع حينها سيتحولان من ميزة بقاء إلى عبث فكري واقتصادي يهدد سلامة الكوكب.