مكسيم العراقي
“التكتيك دون استراتيجية هو الضجيج الذي يسبق الهزيمة، والاستراتيجية دون تكتيك هي أبطأ طريق إلى النصر”
صن تزو
“الهواة يتحدثون في التكتيك، بينما المحترفون يتحدثون في اللوجستيات”
روبرت هـ. بارو
“الجنود المأجورون والحلفاء ضارون وخطرون، ومن يعتمد عليهم لن يستقر أو يأمن أبداً”
نيكولو مكيافيلي
“لا توجد سيادة لدولة لا تملك أسباب دفاعها المستقلة”
شارل ديغول
“العلوم والصنائع هي أصل العمران، وبسقوطها وزوالها يختل المُلْك وتضعف الدولة”
ابن خلدون
“الحرب هي امتداد للسياسة بأدوات أخرى”
كارل فون كلاوزفيتس
“إذا أردت أن تختبر معدن رجل، فامنحه السلطة”
أبراهام لينكون
“التاريخ يعيد نفسه، في المرة الأولى كمأساة، وفي المرة الثانية كمهزلة”
كارل ماركس
محتوى المقالة
1. وهم القوة الباليستية والانكشاف الجوي وتفكيك التفوق الإسرائيلي والخراب اللوجستي العراقي-الإيراني
2. إستراتيجية التطهير المؤسساتي وتفكيك شبكات التغلغل واسترداد السيادة قبل الانكشاف الأخير
3. التخلف التقني الممنهج وفرص إعادة بناء الدولة العراقية كصدّ جيوسياسي
4. اختبار السلطة وكشف الخيارات…القوى السياسية ومآلات تجربة ما بعد 2003
(1)
وهم القوة الباليستية والانكشاف الجوي وتفكيك التفوق الإسرائيلي والخراب اللوجستي العراقي-الإيراني
تُظهر دراسات وتقارير الكفاءة العسكرية الفجوة الهائلة بين الأنظمة التي تبني سيادتها على الكفاءة المؤسساتية والتوطين التكنولوجي، وتلك التي ترهن جغرافيتها للفساد البنيوي والأوهام الأيديولوجية. وفي هذا السياق، كشفت التقارير الدفاعية عن تفوق نوعي لسلاح الجو الإسرائيلي في إدارة وتشغيل المقاتلات الأحدث عالمياً، مقارنة حتى بالدول المصنعة لها.
1. النموذج الإسرائيلي.. توطين الصيانة وجاهزية الـ F-35
تؤكد التقارير العسكرية أن مقاتلات الـ F-35 (أدير) في سلاح الجو الإسرائيلي حافظت على معدلات جاهزية واستعداد قتالي أعلى من نظيرتها في الجيش الأمريكي نفسه. يعود هذا التفوق اللوجستي إلى انتزاع تل أبيب استثناءً بنيوياً من شركة لوكهيد مارتن يتيح لها دمج برمجياتها الخاصة وإجراء عمليات الصيانة المعقدة وتطوير قطع الغيار محلياً داخل القواعد الإسرائيلية، دون الحاجة لإرسال الطائرات إلى المراكز الإقليمية التابعة للشركة.
تمتلك إسرائيل أسطولاً يتجاوز 39 مقاتلة من طراز F-35 قيد الخدمة الفعلية (ضمن عقود لشراء 75 طائرة لتشكيل ثلاثة أسراب كاملة). هذا الأسطول يُدار بكادر وطني عالي التدريب، مما يمنحه القدرة على العمل المستمر والتحليق في أجواء المنطقة دون أي عوائق تقنية.
ثانياً: النموذج العراقي.. عقود الفساد وتبخر أسطول الـ F-16
على المقلب الآخر، يقف النموذج العراقي كشاهد على تفكيك الدولة وبؤس التبعية؛ حيث يضم العراق أسطولاً اسمياً من مقاتلات F-16 (نحو 34 طائرة تم استلامها سابقاً)، لكن أكثر من نصف هذا الأسطول بات عاطلاً عن العمل وجاثماً في القواعد كـ حديد خردة لأسباب هيكلية:
غياب الكادر الوطني: طيلة العقد الماضي، عجزت الحكومات المتعاقبة عن بناء كادر هندسي وطني قادر على إدارة وصيانة هذه المقاتلات المعقدة، والاعتماد الكلي على المقاولين الأجانب.
فساد عقود الصيانة: خضعت ميزانيات الصيانة لبازار الفساد المالي ومحاصصة الطغمة الحاكمة، مما أدى إلى انسحاب الشركات الأمريكية (مثل سالي بورت ولوكهيد) مراراً من قاعدة بلد الجوية بسبب غياب الأمن وتهديدات السلاح المنفلت.
الاستباحة العسكرية: تحولت هذه الطائرات المعطلة إلى أهداف سهلة تتلقى الضربات من الميليشيات نفسها التي يفترض أن الطائرات تحمي الأجواء منها، مما يعكس غياب أي رؤية إستراتيجية لبناء سلاح جو حقيقي.
ثالثاً: النموذج الإيراني.. الاستباحة الجوية وكهوف الصواريخ
يمثل النظام الثيوقراطي في طهران الحالة الأشد بؤساً؛ حيث يفتقر بالكامل إلى سلاح جوي حديث، ويعتمد على مقاتلات تعود إلى حقبة السبعينيات (مثل F-14 و F-4 المتهالكة). وبدلاً من بناء منظومة جوية تحمي الأجواء، جُلبت ثروات الشعوب المسحوقة والأموال المنهوبة لتمويل الحرس الثوري وتخزين الصواريخ الباليستية والمسيّرات داخل مدن تحت الأرض وكهوف جبلية.
هذا الخيار العسكري جعل الأجواء الإيرانية مستباحة بالكامل أمام المقاتلات الإسرائيلية والأمريكية. فالقوة الصاروخية لاهوت عقيم لا يحمي البنية التحتية؛ حيث تملك الولايات المتحدة، من خلال قنابل اختراق التحصينات الضخمة (MOP) والقدرات التكتيكية المتطورة، القدرة الفنية الكاملة على تدمير تلك الكهوف وفتح مضيق هرمز بالقوة خلال ساعات. إلا أن استمرار المشهد في حالة اللا حرب والمهادنة الحالية لا يعود لنقص القدرة العسكرية، بل إلى التواطؤ السياسي وموازنات التخادم الوظيفي في بازار الانتخابات الدولية.
المصادر:
في 18 حزيران 2026
رغم مشكلات الأسطول الأمريكي.. مقاتلات إف-35 الإسرائيلية حافظت على جاهزية تشغيلية عالية | يورونيوز
https://arabic.euronews.com/2026/06/18/despite-problems-facing-the-us-fleet-israeli-f-35-fighter-jets-maintained-high-operationa#:~:text=%D8%A3%D9%83%D8%AF%D8%AA%20%D9%85%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D8%B1%20%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A%D8%A9%20%D8%A5%D9%86%20%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%AA%D9%84%D8%A7%D8%AA%20%22%D8%A5%D9%81-35%22%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%B9%D8%A9%20%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D8%AD,%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AC%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A7%D9%87%D8%B2%D9%8A%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B4%D8%BA%D9%8A%D9%84%D9%8A%D8%A9%20%D8%A8%D8%B3%D8%A8%D8%A8%20%D9%85%D8%B4%D9%83%D9%84%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D8%A7%D9%86%D8%A9%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%88%D8%AC%D8%B3%D8%AA%D9%8A.
18 يونيو 2026. (The Jerusalem Post). As US F-35 stealth fighters are struggling, do Israel’s remain combat-ready?
https://www.jpost.com/israel-news/defense-news/article-899714
18 يونيو 2026. (Defense.info). A Tale of Two Air Forces: Why Israel’s F-35 Fleet Outperforms the US Air Force.
A Tale of Two Air Forces: Why Israel’s F-35 Fleet Outperforms the US Air Force
18 يونيو 2026. (Responsible Statecraft). Turns out F-35 is fully mission capable only some of the time.
https://responsiblestatecraft.org/f-35-gao/
Turns out F-35 is fully mission capable only some of the time | Responsible Statecraft
https://responsiblestatecraft.org/f-35-gao/
(2)
إستراتيجية التطهير المؤسساتي وتفكيك شبكات التغلغل واسترداد السيادة قبل الانكشاف الأخير
يُمثل الانهيار البنيوي الحاصل في مفاصل الدولة العراقية—والذي تجسد في عجز المنظومات الدفاعية واللوجستية خلال الحربين الايرانيتين—مؤشراً حاسماً على أن أزمة السيادة الوطنية لا تكمن فقط في وجود سلاح موازي أو فصائل منفلتة، بل في طبيعة التغلغل العرقي والأيديولوجي داخل النواة الصلبة للأجهزة الأمنية والجيش. إن استرداد الدولة يتطلب الانتقال من سياسات الاحتواء الشكلي إلى إستراتيجية التطهير الجراحي الشامل، التي تعيد صياغة العقيدة العسكرية على أسس وطنية وندّية صارمة قبل المضي في أي تفاهمات دولية أو إقليمية.
1. تطهير النواة الصلبة وعزل جيل الدمج الوظيفي
إن الأولوية القصوى التي تتقدم على أي مسارات دبلوماسية أو سياسية هي تنظيف وتطهير هيكل الجيش العراقي والداخلية ودوائر الاستخبارات والامن من شبكات التجسس والتخادم الوظيفي مع الحرس الثوري الإيراني. إن بقاء قادة الصف الأول—وفي مقدمتهم رئيس الأركان والمسؤولين عن مفاصل العمليات الحيوية—في مواقعهم يمثل ثغرة أمنية مستمرة تُبقي خطط الدولة مكشوفة بالكامل؛ وحيث يتطلب هذا المسار:
• إنهاء إرث الدمج العشوائي: عزل كافة القيادات والضباط الذين فُرضوا على المنظومة العسكرية عبر بوابة المحاصصة الحزبية دون امتلاك كفاءة مهنية أو تحصيل أكاديمي وطني؛ إذ تحول هؤلاء الجهلاء والفاسدون إلى غطاء لتمرير الأجندات الخارجية وتجفيف أصول البلاد الدفاعية.
• إخراج الخبراء والمستشارين المكتومين: طرد كافة الكوادر الفنية والعملياتية التابعة للاستخبارات الإيرانية وفيلق القدس المتغلغلة تحت لافتة التنسيق والمشورة داخل معسكرات ومخازن السلاح، وضمان مغادرتهم بالكامل قبل أي حديث عن صياغة اتفاقيات انسحاب أو إعادة تموضع مع الجانب الأمريكي، لضمان عدم وقوع البلاد تحت وصاية أحادية مطلقة تدار من طهران.
2. استحقاق المحاسبة التاريخية على تدمير الاقتصاد والبنية السيادية
إن الهدن المؤقتة والاتفاقيات المصطنعة التي تجري في كواليس بازارات الانتخابات الدولية لا يمكن أن تمنح حصانة قانونية أو سياسية للزمر التي مارست عملاً تخريبياً ممنهجاً ضد الدولة واقتصادها خلال حربي شباط وحزيران الماضيتين:
• المحاكمة العسكرية للصوص الأوطان: إخضاع كل من تورط في تسهيل أو تنفيذ ضربات ضد القواعد العسكرية والمنشآت النفطية والمطارات المدنية لمحاكمات خيانة عظمى علنية، واعتبار عمليات الفساد والتخريب و إيقاف خطوط التنمية الإستراتيجية (مثل خطوط كركوك وتأخير ميناء الفاو وحبس النفط الشمالي) جرائم اقتصادية كبرى مصممة لربط العراق برئة الإفلاس الإيرانية.
• إخلاء الجغرافيا المحتلة واسترداد الديموغرافيا: فرض السيطرة العسكرية المطلقة للدولة على المناطق الإستراتيجية التي استولى عليها الحرس الثوري عبر أذرعه المحلية وحولها إلى كانتونات مغلقة ومخازن للصواريخ الباليستية وكهوف للمسيرات، وفي مقدمتها (جرف الصخر، بادية السماوة، وديالى). إن إعادة هذه المناطق وتأمين عودة سكانها المهجرين هو خطوة أساسية لكسر حزام النفوذ اللوجستي الذي يربط طهران بالمتوسط.
3. فرض معادلة التعويضات وتجفيف لاهوت الإخضاع
لا يمكن الحديث عن استقرار إقليمي أو إعمار حقيقي دون إلزام النظام الثيوقراطي في طهران بدفع الفاتورة الكاملة لجرائمه وتجفيف قنوات نهبه الممنهج لأموال الشعب العراقي وثرواته النفطية:
• فاتورة غلق المضيق والخراب اللوجستي: تثبيت حقوق العراق القانونية والسيادية في المطالبة بتعويضات مالية ضخمة عن الخسائر الناتجة عن شل حركة التجارة والملاحة عبر مضيق هرمز، وعمليات تهريب العملة الصعبة (الدولار) لتمويل العجز الرهبري، وتهريب النفط وتدمير الدولة والمجتمع ونخره وسفك الدماء الممنهج والتدمير الهيكلي للبنى الوطنية والتحتية طيلة العقدين الماضيين.
• الانعتاق من التبعية المهينة: إن التوقف عن الحلول البدائية والمهينة—مثل نقل النفط بالصهاريج عبر الحدود لحساب شبكات الفساد الإقليمي—والبدء في بناء شبكات لوجستية مستقلة وندّية هو السبيل الوحيد لمنع تحول ثروات العراق إلى مجرد صندوق تمويل لحروب الوكالة العبثية، ولضمان ألا ينتهي التدافع الدولي بحصد السذج واللصوص لـ قبض الريح بعد انقشاع سحب الهدنة المؤقتة.
كما يجب ان يحاكم كل من وقف ضد تنوع خطوط انابيب النفط العراقي ومنع بناء خزانات في الخارج وشبكات اساطيل نقل او دمر الزراعة والصناعة والمناطق الزراعية!
(3)
التخلف التقني الممنهج وفرص إعادة بناء الدولة العراقية كصدّ جيوسياسي
1. مظاهر التخلف التقني المقصود في العقيدة العسكرية المعاصرة
إن القراءة البنيوية للمنظومة الدفاعية العراقية الحالية تكشف عن عملية تفكيك متعمدة ومقصودة لقدرات الدولة الجيوسياسية، بهدف إبقائها في حالة تبعية وانكشاف مطلق أمام النفوذ الإيراني. هذا التخلف لا يعود لنقص الثروات المالية، بل إلى إرادة سياسية فرضتها زمر التخادم الوظيفي لتجريد العراق من عناصر القوة الحديثة في المجالات الإستراتيجية التالية:
• سلاح المسيرات والصواريخ الدقيقة: في الوقت الذي تعتمد فيه الجيوش المعاصرة على أنظمة الدرونز الهجومية والاستطلاع بعيد المدى، تم حرمان الجيش العراقي من امتلاك أسراب مسيرات حديثة أو منظومات صاروخية باليستية ونقطوية دقيقة، وترك هذا المجال حكراً على الفصائل الموازية التي تتلقى تكنولوجيتها البدائية من طهران لضرب أمن المنطقة.
• الأقمار الصناعية والاستخبارات التكنولوجية: يفتقر العراق إلى منظومة رصد فضائي مستقلة أو مراكز حرب إلكترونية متطورة تؤمن له الإنذار المبكر والتجسس الإستراتيجي لحماية حدوده البرية والأجواء؛ مما يجعله عمياً لوجستياً ومستباحاً بالكامل، ومعتمداً على قنوات معلومات بدائية يسهل اختراقها أو توجيهها.
• الدفاع الجوي المصاب بالشلل: خضعت صفقات الرادارات الحديثة ومنظومات الصد الجوي لعمليات تخريب وفساد ممنهجة، لإبقاء السماء العراقية ممراً آمناً للمسيرات والصواريخ الإيرانية العابرة نحو الساحات الخلفية، ومنع الجيش من امتلاك القدرة على إسقاط أي اختراق لسيادة الأجواء.
• إجهاض الصناعة العسكرية وإلغاء التجنيد: تم تعطيل وإفراغ هيئة التصنيع الحربي من محتواها التقني لمنع توطين أي صناعة دفاعية ذاتية. ويتزامن ذلك مع الإصرار على عدم تطبيق الخدمة الإلزامية (التجنيد العقائدي الوطني) الواردة في الدستور؛ وذلك لقطع الطريق أمام بناء جيش وطني صلب عابر للمكونات، والإبقاء على نموذج الدمج الفاسد والجيوش العقائدية الموازية التي تقتات على ميزانية الدولة وتدين بالولاء للخارج.
2. هندسة التدخل الأمريكي لابتكار عراق قوي
إن الخروج من نفق الانكشاف اللوجستي والتبعية لجمهورية الرهبر يفرض تحولاً إستراتيجياً في طبيعة الشراكة مع الولايات المتحدة؛ حيث يمكن للتدخل الأمريكي البراغماتي والصارم—إذا ما تجاوز مرحلة الاحتواء المؤقت والمهادنة الانتخابية—أن يعيد صياغة العراق كقوة إقليمية ندّية من خلال مسارات هيكلية حاسمة:
• التوطين التقني والإشراف المباشر: نقل التكنولوجيا العسكرية وتزويد الجيش العراقي بمنظومات دفاع جوي متطورة وطائرات مسيرة ضاربة، ومقاتلات شبحية الخ بشرط أن تخضع لإشراف هندسي وامني مباشر يمنع تسربها أو اختراقها من قبل شبكات الجاسوسية المحلية، مع بناء كادر وطني حقيقي بعيداً عن صفقات الفساد والشركات الوهمية.
• بناء الصدّ الجيوسياسي وحماية الخليج الكوني: إن مصلحة واشنطن الإستراتيجية ربما تكمن في تحويل بغداد من رئة اقتصادية وعسكرية لطهران إلى سد لوجستي صلب يحمي الخاصرة الشمالية لدول الخليج العربي وممرات الطاقة الدولية. إن عراقاً قوياً تكنولوجياً، يمتلك جيشاً محترفاً ومصانع عسكرية مستقلة، سيكون الكفيل بقطع خطوط الإمداد البرية والبحرية للحرس الثوري، وتحويل الجغرافيا العراقية إلى منصة استقرار تمنع الابتزاز الإيراني المستمر لإمدادات النفط العالمية والتجارة عبر هرمز.
(4)
اختبار السلطة وكشف الخيارات…القوى السياسية ومآلات تجربة ما بعد 2003
تُشكل تجربة التحول السياسي في العراق عقب عام 2003 محطة مفصلية لاختبار الشعارات والأدبيات التي رفعتها القوى التي تصدت للعمل السياسي، سواء تلك التي صُنفت في خانة المعارضة الصريحة لنظام حزب البعث و صدام حسين، أو تلك الفئات التي مارست معارضة مستترة أو صامتة واكتفت بالنقد الخجول في النظام الحالي.
1. اختبار تسليم السلطة وسقوط شعارات البناء
شكل دخول قوى المعارضة السابقة إلى هرم السلطة ومسكها بمقاليد الحكم والموازنات الانفجارية الاختبار العملي الأبرز لمشروعها السياسي والاجتماعي:
• التحول من الادعاء إلى التفكيك: بينما كانت تلك القوى تطرح نفسها كبديل نضالي قادر على إقامة العدالة وبناء دولة المؤسسات، أظهرت ممارسات الحكم الفعلية عجزاً شاملاً عن تقديم نموذج تنموي أو إداري ناجح. وبدلاً من استكمال البناء المؤسسي للدولة، استشرى الفساد المالي والإداري وتفككت القطاعات الحيوية من تعليم، وصحة، وصناعة، وبنية تحتية.
• إدارة الدولة بفيض الغنيمة: أثبتت سنوات إدارة الحكم أن الأولوية لم تكن لبناء وطن يستوعب الجميع أو تحصين سيادته، بل للتقاسم الحزبي والطائفي لموارد البلاد، وتحويل مؤسسات الدولة الاتحادية إلى ساحات لنفوذ المجموعات الناهبة وشبكات المصالح الضيقة.
• الانهيار الأمني والسيادي: كشفت التطورات المتعاقبة أن القوى التي ادعت معارضة النظام السابق لم تكن تملك رؤية لبناء جيش وطني أو مؤسسات أمنية صلبة، مما أدى إلى انكشاف البلاد أمام التدخلات الخارجية واستباحة أراضيها من قبل التنظيمات الإرهابية والسلاح الموازي.
2. الفئات الصامتة والتواطؤ الناعم مع الامتيازات
إلى جانب المعارضة الشاخصة في الخارج أو المسلحة، برزت فئة سياسية واجتماعية داخل المشهد مارست نوعاً من المعارضة الشكلية أو الصامتة:
• المهادنة مقابل المكتسبات: اكتفت هذه الفئات بتوجيه انتقادات خجولة وضئيلة تجاه سياسات الحكم الحالي، مستفيدة من هامش ضيق من الامتيازات والمكاسب المادية والمناصب التي حصلت عليها، ومفضلة الصمت والمهادنة على خوض مواجهة حقيقية مبدئية.
• ازدواجية الخطاب والنضال المدعى: كشفت الأحداث اللاحقة تناقض هذه الفئات؛ إذ كانت ترفع شعارات النضال وتدعي السعي لإسقاط أنظمة تُنعت بالأوتوقراطية، لكنها عندما اندمجت في السلطة بعد 2003، صمتت صمتاً كاملاً أمام مستويات غير مسبوقة من الاستهتار بالمال العام، والسرقات المليارية، وتدمير النسيج المجتمعي والاقتصاد.
• التغطية على خرائب التجربة: أسهمت هذه الشريحة السياسية في شرعنة واقع الفساد وإضفاء غطاء سياسي وإعلامي عليه، مستفيدة من حالة اللاعقاب والانفلات، ومبررة الفشل الذريع عبر تدوير الذرائع وشماعات الماضي لتغطية حجم الخراب الحاضر.
3. المقارنة التاريخية وسقوط الشرعية المفهومية
أنتجت تجربة إدارة العراق في العقود الأخيرة مقارنة جادة لدى الشارع العراقي والمراقبين بين دولتين ومفهومين:
• دولة المؤسسات والردع مقابل دولة الفوضى: بالرغم من كل الظروف والحصارات المعقدة التي مر بها العراق في عهد النظام السابق، بقيت المؤسسة الأمنية، والتعليمية، والصحية، وهيبة الدولة حاضرة وممتلكة لقدر عالمي من الضبط والسيطرة والسيادة على المقدرات. وفي المقابل، أدى حكم القوى التي تسلمت البلاد بعد 2003 إلى تفكيك مفهوم الدولة الوطنية لصالح الدويلات والميليشيات واقتصاديات التهريب.
• تكشف الحقيقة أمام المجتمع: أدس الممارسات الميدانية للقوى التي ادعت مظلومية الماضي بأن السلوك الفعلي لم يكن يسعى لإصلاح الدولة، بل لاستبدال الفئات والمكاسب وتجيير مقدرات وطن كامل لصالح أجندات خارجية وفئوية ضيقة، مما أسقط الشرعية الأخلاقية والسياسية عن تلك المشاريع وأثبت أن التخريب والفساد كانا العلامة الفارقة لمن تصدى للسلطة باسم المعارضة.