فاطمة السراجي
حين يترجل الكبار عن صهوة الوجود الفاني لا يتركون خلفهم فراغا بل يتركون أثرا يملأ الأرض فكرا ويقينًا هكذا تبدو طهران في أيام وداعها الحزينة ليست مدينة غارقة في الدموع بل محبرا عظيما يعيد كتابة التاريخ بمداد الوفاء ويصيغ للمستقبل معادلة سياسية واستراتيجية عصية على الانكسار إنها المشهدية التي تتجاوز حدود الموت الطبيعي لتلامس خلود المبدأ حيث حوّل البحر البشري المتلاطم في شوارعها الفقد إلى طاقة استنهاض وجعل من مرارة الغياب بيعة متجددة لنهج لم ينقطع منذ فجر الرسالة
في الميزان السياسي لم يكن هذا الخروج المليوني مجرد مراسم تشييع بروتوكولية بل كان استفتاء شعبيًا بالدم والدموع وإعلانا صريحا عن تجذر شرعية الجمهورية الإسلامية في وجدان أمتها أولئك الذين راهنوا على تصدع الجبهة الداخلية أو انتظروا لحظة ضعف ينقضّون فيها على إرث عقود من البناء والنهضة وقفوا واجمين أمام طوفان بشري يمتد لاثنتي عشرة ساعة دون كلل لقد أراد الشعب الإيراني ومن خلفه شعوب المقاومة في المنطقة إيصال رسالة حاسمة ومختومة بالثبات إن الدولة التي أسس بنيانها هذا القائد المسجى أرسخت جذورها في عمق الأرض فلا تهزها العواصف وأن شرعيتها مستمدة من إرشاد علوي صلب ووعي حسيني يرى في التضحية انتصارا وفي الشهادة ولادة
تتجلى أبعاد هذا المشهد في الرمزية العميقة التي غصت بها ساحات طهران فبين الرايات التي خفقت والأيدي التي ارتفعت كان ثمة رابط وثيق يجمع بين عباءة القيادة العلوية الحكيمة وبين العنفوان الحسيني المستعد دوما لمواجهة غطرسة المستكبرين إن رفع الأكف بالبيعة في هذه اللحظة المفصلية يعكس إدراكا عميقا بأن الصراع مع قوى الاستكبار العالمي أمريكا والصهيونية ومن يدور في فلكهما ليس صراعا عابرا بل هو امتداد للمواجهة الأزلية بين الحق والباطل من هنا يكتسب مفهوم العهد العلوي والنهج الحسيني بعده السياسي التحليلي فالأول يمثل حكمة الدولة وإدارة المعركة باقتدار وثبات كأنه الميزان والثاني يمثل روح الثورة والاستعداد لتقديم أغلى التضحيات دون تراجع أو مساومة على السيادة والكرامة
لقد برهنت الأحداث الأخيرة من مضيق هرمز إلى أروقة السياسة الدولية أن دولة الإسلام لم تعد مجرد رقم في المعادلة بل أصبحت الرقم الصعب الذي يقضّ مضاجع الطغاة ويهدد عروش استكبارهم وهذا التشييع التاريخي يأتي ليتوج تلك الانتصارات مؤكدا أن الاستراتيجية التي خطها الراحل الكبير ستستمر بالزخم نفسه إن لم يكن بأشد منه فالقادة في هذا المنهج يرحلون كأشخاص لكنهم يبقون كرموز ملهِمة وتتحول دماؤهم وأرواحهم إلى وقود يغذي عروق الثورة المتجددة لتصبح الدولة أكثر تلاحما والمقاومة أكثر إصرارا على المضي في طريق التحرر الكامل
إن ما بعد هذا التشييع لن يكون حتما كما قبله لقد خرجت إيران من هذه المحنة وهي أشد عودا وأقوى بنيانا متحررة من أوهام المراهنين على السقوط إنه الميلاد الجديد لهوية وطنية وثورية عابرة للحدود تعلن للعالم أجمع أن جسد القائد قد يوارى الثرى لكن روحه ونهجه باقيان ما بقي في العروق نبض علوي وفي النفوس إباء حسيني وفي منتهاه تظل الكلمة الفصل للحق المطلق صدى يتردد في ملكوت السماوات والأرض ولله الأمر من قبل ومن بعد