مرايا القلق

رياض سعد

العقارب لا تدور، إنها تمتص الوقت وتتقيأه عرقاً لزجاً على جدران الغرفة...

يتقلّب على فراشه كما يتقلّب السليم الذي لسعته أفعى في عتمةٍ لا ترى…

 لا يعرف للنوم بابًا، ولا لليقظة مخرجًا… ؛  يطفو على سطح نومٍ هزيل، تتقاذفه الكوابيس كما تتقاذف الأمواج خشبةً مكسورة… ؛  وما إن تغمض عيناه حتى يفزع، كأن الأرض أفلتت من تحته، أو كأن روحًا مجهولةً تدفعه من شاهقٍ لا قرار له.

يستيقظ “تحسين” ليجد أن جسده قد تلاحم مع السرير بفعل الحرارة، ليصبح قطعة أثاث آدمية مهملة… ؛  ينسلخ عن فراشه بصوت يشبه تمزق الورق، ويقف على أرضية الإسمنت التي تغلي كسطح كوكب مهجور… ؛  الواقع خارج النافذة ليس مكاناً، بل هو “امتداد للعقوبة”؛ الشارع عبارة عن صهرٍ جماعي للأرواح، والباص الذي يقله إلى دائرته البيروقراطية ليس سوى تابوت معدني يسير بالعجلة الدائرية نحو اللاشيء.

يفتح عينيه على صباحٍ يكرهه، لا لأن الليل كان مخيفًا، بل لأن الواقع أكثر افتراسًا من الأحلام… ينهض ببطء، كأن جبال الأرض قد شُدّت إلى كتفيه، وكأن الجاذبية اختارت جسده وحده لتُثبت قوانينها القاسية.

يغسل وجهه بماءٍ ساخن، ويشرب شايًا ساخنًا، ثم يخرج إلى شارعٍ ساخن، منتظرًا حافلةً ساخنة، تحت شمسٍ لا تشرق، بل تُصدر حكمًا يوميًا بالحرق… ؛ حتى الهواء فقد براءته، وأصبح شريكًا للنار.

يقفُ تحسينٌ على رصيفِ الاحتراق ، ينتظرُ حافلةً لا تأتي أو تتعمَّدُ التأخيرَ ، كأنّ الزمنَ توقّفَ على حافةِ الهاويةِ ليلتقطَ أنفاسَه المسروقةَ… ؛  الوجوهُ من حولِه ترسمُ لوحةً كولاجيّةً من الأكدارِ، كلُّ وجهٍ منها قناعٌ لبطلٍ مهزومٍ في معركةِ الروتينِ.

يدخل دائرته الحكومية، لا موظفًا، بل كتلةً من العرق الفياض … ؛  تنبعث منه رائحة النهار الطويل، حتى ليخيّل إليه أن مصانع العطور في العالم قد أعلنت عجزها أمام صيفٍ واحد من صيف بلاده.

في الدائرة، يجلس خلف مكتبه المغطى بغبار المعاملات الميتة… ؛ المروحة السقفية المعلقة فوقه لا تحرك الهواء، بل تدور كشفرة مقصلة بطيئة تأكل عمره ثانية تلو ثانية… ؛ المراجعون ليسوا بشراً، بل هم ظلال مشوهة تبحث عن صكوك غفران لذنوب لم يقترفوها، والمدير القابع خلف زجاجه المبرد العازل يبدو كإله وثني بارد لا يعنيه احتراق الرعية في الخارج... ؛ يعيش فصلًا آخر من فصول السنة، كأن الجغرافيا نفسها تنحني أمام السلطة.

وما إن يستقر في مكانه حتى تبدأ جيوش القلق زحفها اليومي… ؛  يخشى المواطن الغاضب الذي جاء يحمل غضبه قبل أوراقه، ويخشى المدير الذي يرى القانون مزاجًا شخصيًا، ويخشى لجان النزاهة التي قد تبحث عن كبش فداء أكثر مما تبحث عن الحقيقة… ؛  في تلك اللحظات، يشعر أن العدالة ليست امرأةً معصوبة العينين، بل متاهةٌ عمياء يتعثر فيها الأبرياء أولًا.

تمتلئ طاولته بالملفات حتى تبدو كأنها مقبرةٌ للأعمار المؤجلة… ؛  كل ملفٍ يبتلع دقيقةً من حياته، وكل توقيعٍ ينتزع شيئًا من روحه… ؛  وحين يرفع رأسه، لا يرى نهاية النفق، لأن النفق صار وطنًا، والبيروقراطية صارت قدرًا يتوارثه الناس كما يتوارثون أسماءهم.

يهرب إلى سيجارة… ثم إلى أخرى… ثم إلى ثالثة… ؛  تمتلئ (المنفضة) بأعقابها، وتمتلئ الطاولة بأكواب الشاي الفارغة… ؛  كان يعرف أنه يعالج النار بالدخان، لكنه لم يعد يبحث عن العلاج، بل عن هدنةٍ قصيرة مع الألم.

وحين تنتهي الدوامات الصغيرة، تأتي الحافلة الحكومية لتحمل أجسادًا أنهكها الانتظار، ووجوهًا فقدت القدرة على الدهشة… ؛  الجميع صامتون، كأنهم ناجون من حربٍ لا يذكرها أحد، لأنها تتكرر كل يوم.

يصل تحسين إلى بيته… ؛  ينظر إلى السقف… ,  لا مروحة تدور، ولا كهرباء… ؛  يبتسم ابتسامةً باهتة، ويتمتم: “حتى البيت أصبح دائرةً حكومية.”

يدخل الحمّام، ويفتح الصنبور… ؛  يهبط الماء ساخنًا كأنه خرج من جوف الجحيم لتوّه… ؛ يلامس جسده، فلا يغسل تعبه، بل يزيده التصاقًا بجلده… ؛  عندها أدرك أن الأشياء فقدت وظائفها؛ فالماء لم يعد يطفئ، والظل لم يعد يستر، والبيت لم يعد يؤوي.

ينظر إلى زوجته التي تصلي على سجادة خشنة، فيرى في حركاتها رقصة سيزيفية أزلية… يهمس لها بصوت مخنوق برائحة التبغ والرماد: “يا امرأة، لمن ترفعين يديكِ؟ إن الجحيم ليس حفرة ننتظرها تحت الأرض… ؛ الجحيم هو هذه الغرفة اللزجة، الجحيم هو الآخرون، الجحيم هو بقاؤنا على قيد الوعي في وطن يذوب”.

رفعت رأسها بهدوء، وقالت:

— بل أصلي كي لا يتحول هذا الجحيم إلى قلبي.

ساد الصمت.

كانت جملتها أقصر من أن تُناقش، وأعمق من أن تُفهم دفعةً واحدة.

بعد ساعاتٍ عادت كهرباء المولدة الأهلية… ؛  أسرع إلى تشغيل المروحة، فإذا بها تنفث هواءً حارًا، كأنها تنقل أنفاس الصحراء إلى الغرفة… ؛  ثم شغّل المبرّدة، فتحوّل المكان إلى رطوبةٍ خانقة، تلتصق بالأجساد كما تلتصق الهموم بالأرواح.

وأخيرًا، جاءت الكهرباء الوطنية، متأخرةً كعادتها، فأكل لقيماتٍ قليلة، لا جوعًا ولا شهوةً، بل لأن الجسد ما زال يطالب بحقه في البقاء، رغم أن الروح لم تعد تفاوض الحياة إلا على أقل الخسائر.

ثم جلس يقرأ كتابًا… ؛  كانت السيجارة بين أصابعه، وكوب الشاي إلى جواره، والحرارة تواصل حصارها… ,  شعر أن الكتب لم تعد تمنحه أجوبة، بل أسئلةً أكثر اتساعًا.

تساءل في سرّه:

“هل الإنسان يحمل قلقه لأنه حيّ؟ أم أنه حيّ فقط ليحمل هذا القلق؟”

ولم يجبه أحد.

حتى الليل…

كان متعبًا أكثر من أن يمنحه جوابًا.

أسند رأسه إلى الوسادة، وسقط فوقها كما تسقط المدن بعد الحروب؛ لا حبًا بالنوم، ولا حبًا بالحياة، بل لأن التعب وحده كان أقوى من مقاومته.

وفي مكانٍ ما، داخل أعماقه، كان قلقه مستيقظًا…

ينتظر صباحًا آخر، ليبدأ حياته من جديد، بالطريقة نفسها، وكأن الزمن لا يتحرك، بل يدور حول جرحٍ واحد لا يندمل.