عْاشُورْاءُالسَّنَةُ الثَّالِثةَ عشَرَة(١٥)[حِفظُ الحُقُوقِ جَوهَرُ عاشُوراء][أ]

نزار حيدر

سِفرانِ عظِيمانِ تركهُما لنا الإِمامُ السجَّاد علي بن الحُسين زَين العابدينَ (ع)؛ الصَّحيفةُ السجاديَّةُ ورسالةُ الحقُوق.
وبرأيي فإِنَّ السِّفرَينِ نتاجُ عاشُوراء التي عاشَ تفاصيلَها الإِمامُ (ع) قبلَ كربلاء وفي كربلاء وبعدَ كربلاء فكانَ السِّفرانُ علاجٌ لأَزمةِ الأُمَّة ومرضِها الذي كشفَت عنهُ عاشُوراء وشخَّصهُ (ع) بدقَّةٍ وعالجهُ بالعُمقِ؛
*الأَزمةُ الأَخلاقيَّةُ بالمعنى الأَشملِ والأَوسعِ للأَخلاقِ.
*تجاوُز الحدُود [الحقُوق] التي تُنظِّم الحَياة بمُختلفِ أَبعادِها.
وفي الآيةِ {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ} إِلتفاتةٌ في غايةِ الأَهميَّةِ وهيَ أَنَّ الإِنسانَ الذي يتجاوَز الحدُود [الحقُوق] وعلى أَيِّ مُستوىً كانَ إِنَّما يُضيِّعُ نفسهُ أَوَّلاً قبلَ أَن يضيِّعهُ الآخرونَ.
خُذ مثلاً على ذلكَ تجاوُز سائِق السيَّارة على قوانين المرُور، فهوَ بذلكَ يُعرِّض نفسهُ للمخاطرِ ورُبَّما للمهالكِ قبلَ أَن يُعرِّضهُ الآخرونَ لها!.
وهذا ينطبقُ على الإِنسانِ الفَرد والإِنسانِ المُجتمعِ [الأُمَّة] فإِذا ضيَّعت الأُمَّةُ حقوقَها فإِنَّما تُضيِّعُ نفسَها وتعبثُ بنظامِها وتُبعثِرُ جهُودَ أَبنائِها قبلَ أَن تُضيِّعها الأُمم الأُخرى وتُبعثِرَ نِظامها فلا تلومنَّ هُنا إِلَّا نفسَها.
في الصَّحيفةِ السجاديَّةِ عالجَ الإِمامُ (ع) ظاهرةَ السُّقوطِ الأَخلاقي الذي تبتلِي بهِ الأُمم والذي يُنتِجُ التخلُّف والتَّقهقُر بِكلِّ أَشكالهِ، [وفي حالةِ الأُمَّة الإِسلاميَّة أَنتجَ أَن تقتُلَ إِبنَ بنتَ نبيِّها ولم تمرُّ على رحيلهِ وغَيابهِ عن ظهرانِيها سوى أَقلِّ من نصفِ قرنٍ] فحاولَ أَن يُعيدَ صياغةَ شخصيَّتها بما ينسجِمُ مع قيمِها الحقيقيَّة التي قضَت عليها السُّلُطات الجائِرة، كمِفتاحٍ لتسهيلِ عمليَّةِ السَّيطرةِ عليها واستعبادِها، من خلالِ تحسينِ علاقتِها معَ الله ومعَ ذاتِها ومعَ قيمِها على حدٍّ سواءٍ.
أَمَّا في رسالةِ الحقوقِ فلقَد رسمَ الإِمامُ (ع) خارطةَ طريقٍ حدَّدَ فيها الحدُودَ والحقُوقَ بِدءاً من الذَّات وانتهاءً بأَبعدِ شيءٍ يمكنُ أَن يتعاملَ معهُ الإِنسان في حياتهِ اليوميَّة.
والرِّسالةُ تُشيرُ إِلى حقيقةٍ في غايةِ الأَهميَّةِ عندما تبدأ برسمِ الحدُودِ والحقوقِ من الدَّائرةِ الصَّغيرةِ الضيِّقةِ للإِنسانِ الفردِ [الذَّات] [جَوارِحهُ وأَفعالهُ] لتتَّسعَ شيئاً فشيئاً لتغطِّي كُلَّ مناحي الحَياة مرُوراً بالأُسرةِ ثُمَّ الأُقربُ فالأَقربُ.
والحقيقةُ هي أَنَّ الإِنسانَ الذي يتجاوَزُ على حقِّ جوارحهِ لا تنتظِر منهُ أَن يقفَ عندَ حقوقِ والدَيهِ أَو زَوجهِ وأَولادهِ مثلاً! ومَن لا يحترِم حقوقَ والدَيهِ لا يمكِن أَن نتصوَّر بأَنَّهُ سيحترِم حقوقَ جيرانهِ، وهكَذا فمَن لم يقِف عندَ حدود ِأَصدقائهِ خاصَّةً عندما يختلِفُ معهُم في الرَّأيِ والمَوقفِ لا تتوقَّع منهُ أَن يحترمَ حقُوق الآخَر إِذا اختلفَ معهُ في رأيٍ أَو تحليلٍ!.
هذهِ الحقيقةُ نلمسَها اليَوم بشَكلٍ واضحٍ جدّاً في حياتِنا اليوميَّةِ فعندما ضاعَت الحقُوق وانتُهكَت الحدُود لم يعُد بالإِمكانِ تصوُّر التَّكافُل الإِجتماعي على سبيلِ الفرضِ أَو حُسنِ الظنِّ والثِّقةِ اللَّذانِ هُما عمُودا بناء العِلاقةِ السَّليمةِ والمُستَدامةِ في المُجتمعِ إِبتداءً بالأُسرةِ وانتهاءً بالرَّاعي والرعيَّة مرُوراً بكُلِّ مفاصلِ الحياةِ الأُخرى.
تعالُوا نقرأَ خارطةَ الحقُوقِ في خُطبةِ أَميرِ المُؤمنِينَ (ع) التي خطبَها في صفِّينَ والتي هندسَ فيها بدقَّةٍ الحقُوق المُتبادَلة والمُتكامِلة بينَ النَّاسِ في المُجتمعِ الواحدِ وبينَ الرَّاعي والرعيَّة في الدَّولةِ [المدنيَّةِ] الواحدةِ.
يقولُ (ع) {ثُمَّ جَعَلَ (سُبْحَانَه) مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأُ فِي وُجُوهِهَا ويُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً ولَا يُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ، وأَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ سُبْحَانَه مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ حَقُّ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ وحَقُّ الرَّعِيَّةِ عَلَى الْوَالِي فَرِيضَةٌ فَرَضَهَا اللَّه سُبْحَانَه لِكُلٍّ عَلَى كُلٍّ فَجَعَلَهَا نِظَاماً لأُلْفَتِهِمْ وعِزّاً لِدِينِهِمْ فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِصَلَاحِ الْوُلَاةِ ولَا تَصْلُحُ الْوُلَاةُ إِلَّا بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّةِ، فَإِذَا أَدَّتْ الرَّعِيَّةُ إِلَى الْوَالِي حَقَّه وأَدَّى الْوَالِي إِلَيْهَا حَقَّهَا عَزَّ الْحَقُّ بَيْنَهُمْ وقَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ واعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ وجَرَتْ عَلَى أَذْلَالِهَا السُّنَنُ فَصَلَحَ بِذَلِكَ الزَّمَانُ وطُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ ويَئِسَتْ مَطَامِعُ الأَعْدَاءِ، وإِذَا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ وَالِيَهَا أَوْ أَجْحَفَ الْوَالِي بِرَعِيَّتِه اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ الْكَلِمَةُ وظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْجَوْرِ وكَثُرَ الإِدْغَالُ فِي الدِّينِ وتُرِكَتْ مَحَاجُّ السُّنَنِ فَعُمِلَ بِالْهَوَى وعُطِّلَتِ الأَحْكَامُ وكَثُرَتْ عِلَلُ النُّفُوسِ فَلَا يُسْتَوْحَشُ لِعَظِيمِ حَقٍّ عُطِّلَ ولَا لِعَظِيمِ بَاطِلٍ فُعِلَ فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الأَبْرَارُ وتَعِزُّ الأَشْرَارُ وتَعْظُمُ تَبِعَاتُ اللَّه سُبْحَانَه عِنْدَ الْعِبَادِ. فَعَلَيْكُمْ بِالتَّنَاصُحِ فِي ذَلِكَ وحُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْه فَلَيْسَ أَحَدٌ، وإِنِ اشْتَدَّ عَلَى رِضَا اللَّه حِرْصُه وطَالَ فِي الْعَمَلِ اجْتِهَادُه، بِبَالِغٍ حَقِيقَةَ مَا اللَّه سُبْحَانَه أَهْلُه مِنَ الطَّاعَةِ لَه ولَكِنْ مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ اللَّه عَلَى عِبَادِه النَّصِيحَةُ بِمَبْلَغِ جُهْدِهِمْ والتَّعَاوُنُ عَلَى إِقَامَةِ الْحَقِّ بَيْنَهُمْ، ولَيْسَ امْرُؤٌ، وإِنْ عَظُمَتْ فِي الْحَقِّ مَنْزِلَتُه وتَقَدَّمَتْ فِي الدِّينِ فَضِيلَتُه، بِفَوْقِ أَنْ يُعَانَ عَلَى مَا حَمَّلَه اللَّه مِنْ حَقِّه، ولَا امْرُؤٌ، وإِنْ صَغَّرَتْه النُّفُوسُ واقْتَحَمَتْه الْعُيُونُ، بِدُونِ أَنْ يُعِينَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يُعَانَ عَلَيْه}.
٢٠٢٦/٧/٩