جيهان المستشار
لا تخاف السلطة في العراق من صفة المثقف، ولا من عدد الكتب التي أصدرها، ولا من حدّة العبارة التي يكتبها بعد كل فضيحة. الخوف السياسي لا ينشأ أمام المعرفة في صورتها الفردية، ولا أمام الغضب الذي يستهلك نفسه في منشور، ولا أمام قصيدة تشتعل ساعة ثم تخمد داخل دائرة الإعجاب الثقافي. يبدأ الخوف عندما تتحول المعرفة إلى رابطة اجتماعية، وعندما تمنح العبارة جمهورًا واسعًا قدرة على فهم ما يجري، وعندما يصبح الكشف المتناثر ذاكرة عامة يصعب محوها. هذه هي العقدة التي تفسر اطمئنان السلطة إلى المثقف العراقي: تراه ذكيًا، غاضبًا، واسع القراءة، قاسي اللغة، ثم تراه وحيدًا في اللحظة التي ينبغي أن تصير فيها اللغة قوة.
كلمة «السلطة» في هذا السياق لا تشير إلى حكومة تجلس في مبنى واحد وتصدر قرارًا موحدًا. العراق محكوم بشبكة تتوزع بين أحزاب تملك مواقع في الدولة، وقوى مسلحة تملك إمكان الردع، ومال سياسي يشتري المنابر والولاءات، ومؤسسات إعلامية تتغذى من مراكز النفوذ، وروابط عشائرية ودينية توفر الحماية أو التبرير، وجهاز إداري يوزع الوظيفة والخدمة والعقد بوصفها أدوات ضبط اجتماعي. هذه الشبكة قد تتنازع في الانتخابات والحصص والمناصب، ثم تتفاهم عند تهديد القواعد التي تضمن استمرارها. لذلك لا ينتظر المثقف قرارًا رسميًا بقمعه كي يفقد أثره؛ يكفي أن يُحرم من المنبر، أو يُحاصر في مورد رزقه، أو يُدفع إلى خصومة جانبية، أو يُغرى بالقرب من المسؤول، أو يُترك وحيدًا أمام التهديد.
المقصود بالمثقف هنا ليس كل شاعر أو باحث أو أستاذ جامعي. الحديث يخص المثقف العمومي الذي يعلن أن له وظيفة في نقد السلطة وصناعة الوعي والدفاع عن المجال العام. هذا المثقف لا تُقاس قيمته بعدد النصوص وحده، ولا بشهرته بين زملائه، ولا بجمال حضوره في المهرجانات. قيمته السياسية والثقافية تظهر في قدرته على تسمية الوقائع، وكشف الروابط المخفية بين القرار ونتيجته، وصيانة الذاكرة من التزوير، ومنح الناس لغة يفهمون بها ما يقع عليهم. وحين يدّعي هذه الوظيفة ثم يكتفي بأداء لغوي معزول، تصبح المسافة بين صورته ودوره جزءًا من أزمة الثقافة نفسها.
لقد اختبرت منظومة الحكم العراقية هذا النموذج طويلًا. عرفت أن جانبًا واسعًا من الاحتجاج الثقافي يعلو عقب الحدث ثم يتراجع بانتهاء موجته. فضيحة تلد عشرات المقالات، وجريمة تملأ الصفحات بالغضب، وصفقة تستدعي سيلًا من الشتائم، وبعد أيام يعود المشهد إلى انتظامه القديم. لا أرشيف شعبي يتابع القضية، ولا مؤسسة ثقافية تحمي صاحب الكشف، ولا جماعة ضغط تحول المعلومة إلى مساءلة، ولا نقابة تجعل الاعتداء على فرد اعتداء على حقل كامل. هكذا يصير النص حدثًا عابرًا داخل فضاء سريع النسيان، وتصير الجرأة سيرة شخصية لصاحبها عوض أن تصبح تقليدًا عامًا.
المثقف العراقي فقد جانبًا مهمًا من سلطته الرمزية لأن المجتمع لم يعد يراه مرجعًا في تفسير الواقع. هذا الفقد لا يعود إلى جهل الناس أو نفورهم من الفكر؛ الناس تختبر يوميًا خطابًا ثقافيًا يصف آلامها من موقع مرتفع، ويعاملها أحيانًا ككتلة متخلفة مسؤولة وحدها عن صعود الفاسدين. المواطن الذي يقف أمام مستشفى عاجز، ومدرسة منهارة، ودائرة تبتزه، وحرارة تقطع أنفاسه مع انطفاء الكهرباء، لا يحتاج درسًا إضافيًا في قبح الفساد. يحتاج تفسيرًا يربط تجربته اليومية ببنية القرار، ويكشف أسماء المستفيدين، ويفصل بين الدين واستثماره الانتخابي، وبين الجماعة وحراس مصالحها، وبين الدولة وشبكات الاستيلاء عليها. الثقافة التي تعيد على المتألم وصف ألمه تستهلك ثقته، أما الثقافة التي تكشف له طريقة إنتاج الألم فتستعيد وظيفتها.
يمنحنا أنطونيو غرامشي مدخلًا دقيقًا لفهم هذا الانقطاع. المثقف العضوي في «دفاتر السجن» لا يكتسب صفته من قربه العاطفي من الناس، ولا من تبسيط لغته، ولا من ترديد مطالبهم. صفته تنشأ من موقعه داخل قوة اجتماعية، ومن عمله على تحويل خبرتها المبعثرة إلى تصور للعالم وإرادة وتنظيم. وفق هذا المعنى، تعاني الثقافة العراقية من ضعف الصلة بين إنتاج المعرفة والقوى الاجتماعية القادرة على حملها. لدينا فائض في التعليق ونقص حاد في البنية التي تحفظ التعليق وتراكمه وتمنحه استمرارية.
يكتب المثقف غالبًا من فرديته، ويتلقى الجمهور كلامه كصوت منفرد، ثم تواجهه السلطة كفرد يمكن عزله أو استيعابه أو إنهاكه. لا توجد جسور راسخة تصل الكاتب بالنقابات المهنية والجامعات والحركات المدنية والمجتمعات المحلية والعمال والطلبة وسكان المناطق المحرومة. وحين تظهر قضية عامة، يبدأ كل مثقف من الصفر، كأن لا خبرة سابقة، ولا مؤسسة، ولا ذاكرة، ولا توزيع للأدوار. يكتب الجميع في اللحظة نفسها، ثم يصمت الجميع في الوقت نفسه. السلطة لا تحتاج إلى انتصار فكري عليهم؛ الزمن وحده يتكفل بتبديد طاقتهم.
تكشف أرقام الفساد حجم البيئة التي يتحرك داخلها هذا العجز. حصل العراق في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 على 28 درجة من مئة، وجاء في المرتبة 136 بين 182 دولة. المؤشر يقيس مدركات فساد القطاع العام، وقد سجل العراق تحسنًا محدودًا قياسًا بالسنة السابقة، مع استمرار عوائق بنيوية ثقيلة أمام الإصلاح. الرقم لا يروي وحده قصة الفساد، لكنه يكشف رسوخ مناخ تتشابك فيه الوظيفة العامة بالعلاقة الحزبية، والعقد بالحماية، والقرار بشبكات النفوذ.
في بلد يحمل هذا العبء، يفترض أن تكون الثقافة قوة ترفع الكلفة الأخلاقية والاجتماعية للفساد. الواقع يقدم صورة معاكسة في مواضع كثيرة: يستطيع الفاسد أن يحضر مجلس العزاء والمهرجان والندوة والاحتفال، وأن يجلس في الصف الأول، وأن يتبادل الصور مع كتّاب وفنانين وأساتذة، ثم يغادر محاطًا بلغة الاحترام. هنا تؤدي الثقافة وظيفة غسل السمعة. قد يكتب المثقف ضد الفساد في الصباح، ثم يقبل مساءً رعاية مؤسسة مرتبطة بمنظومة الفساد لمهرجان يحمل اسمه. وقد يهاجم المحاصصة في مقال، ثم يطلب استثناءً شخصيًا من زعيم محاصصاتي. السلطة ترى هذا التناقض وتفهمه جيدًا؛ تعرف أن خصمها يرفض القاعدة ما دامت لا تمنحه امتيازًا، ويصمت عنها فور دخوله إلى دائرتها.
تزداد الأزمة عمقًا مع ضعف البيئة الإعلامية والمدنية. وضع مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 العراق في المرتبة 162 من أصل 180 دولة، بعد المرتبة 155 في 2025، وسجل تراجعًا في الدرجة العامة. وتشير مراسلون بلا حدود إلى هيمنة الروابط السياسية والاقتصادية على قطاعات واسعة من الإعلام، وإلى صعوبة بناء صحافة مستقلة داخل سوق شديد الارتهان لمراكز النفوذ. كما وثقت تقارير حقوقية استمرار القيود على التعبير والتجمع، واتساع مشكلات الإفلات من العقاب في انتهاكات منسوبة إلى قوى أمنية وجماعات مسلحة مرتبطة بالدولة.
قد يبدو هذا الوصف مناقضًا للسؤال الرئيس: إذا كانت السلطة مطمئنة إلى المثقف، فلماذا تهدد صحفيين وناشطين، ولماذا تغلق منابر، ولماذا يخسر أشخاص وظائفهم أو حياتهم بسبب رأي أو تحقيق أو مشاركة في احتجاج؟ التناقض يزول عند التمييز بين الخوف من الفرد والخوف من الحقل الذي ينتمي إليه. قد تخشى جهة نافذة معلومة محددة أو تسجيلًا أو وثيقة أو قدرة ناشط على تحريك شارع في لحظة معينة، فتسعى إلى إسكات صاحبها. وبعد إسكات الفرد تستعيد اطمئنانها لأنها تعرف أن المؤسسة التي تواصل عمله ضعيفة، وأن الأرشيف مشتت، وأن التضامن قصير النفس، وأن المجتمع الثقافي سينتقل سريعًا إلى قضية أخرى. القمع يكشف خوفًا لحظيًا من الصوت، والاطمئنان يكشف ثقة أعمق بهشاشة المجال الذي يحمل الصوت.
تجربة الاحتجاجات تقدم شاهدًا مؤلمًا. خرجت طاقة اجتماعية واسعة تطالب بالإصلاح وإنهاء الفساد واستعادة الدولة، ودفعت أثمانًا فادحة من القتل والإصابات والاختفاء والنفي وفقدان العمل. بعد ست سنوات، ما زالت منظمات حقوقية تتحدث عن استمرار الإفلات من العقاب وتصاعد الضغوط على المجال المدني وملاحقة ناشطين شاركوا في الاحتجاجات. المشكلة الثقافية لا تقع في غياب النصوص التي مجدت الاحتجاجات؛ لقد كُتبت آلاف النصوص. المشكلة أن الذاكرة لم تتحول إلى مؤسسة تحقيق، ولا إلى أرشيف وطني مفتوح، ولا إلى جهد معرفي متصل يربط أسماء الضحايا بمسارات المسؤولية السياسية والقضائية. تحولت الاحتجاجات في جانب من الخطاب إلى رمز جميل، بينما بقيت ملفاتها موزعة بين الخوف والنسيان والمساومة.
ميشيل فوكو يساعدنا على رؤية موضع آخر للخلل. السلطة عنده لا تقيم في رأس الدولة وحده، فهي تعمل داخل الخطاب والمعرفة والمؤسسة والمعيار والعادة. المواطن قد يحمل أدوات إخضاعه في اللغة التي يفسر بها العالم. حين يصف المطالبة بالحق على أنها فتنة، وحين يعد النقد خيانة، وحين يساوي الزعيم بالطائفة، وحين يرى الوظيفة هبة شخصية، تكون السلطة قد انتقلت إلى وعيه اليومي. مهمة المثقف في هذه الحال لا تنحصر في مهاجمة مسؤول، لأن المسؤول نتيجة ظاهرة لشبكة أعمق. العمل الأصعب يكمن في تفكيك اللغة التي تجعل السرقة حماية، والتبعية وفاء، والصمت حكمة، والحق منّة، والدولة غنيمة مشروعة لمن غلب.
هذا المستوى من التفكيك نادر في الخطاب الثقافي العراقي قياسًا بحجم الحاجة إليه. يسهل وصف السياسي باللص، ويصعب شرح الاقتصاد الاجتماعي الذي يحول اللص إلى راعٍ لجمهور واسع. يسهل شتم الطائفية، ويصعب تحليل سوقها: الوظائف، والعقود، والحماية، والخوف، والذاكرة الجريحة، والمنبر، والخدمة، وشبكات الأقارب. يسهل تمجيد الدولة، ويصعب مساءلة الناس عن صورة الدولة التي يريدونها: دولة قانون أم موزع حصص عادل بينهم؟ وعندما يتوقف النقد عند أخلاق الأشخاص، تنجو البنية التي تنتج الأشخاص أنفسهم مرة بعد مرة.
أخطر نجاح حققته منظومة النفوذ أنها احتكرت معاني الكلمات الكبرى. الوطنية قد تتحول إلى طاعة للحاكم، والدين إلى حصانة سياسية، والشهادة إلى رأسمال انتخابي، والمقاومة إلى إذن دائم بتعطيل القانون، والأمن إلى ذريعة لإسكات السؤال، والتوافق إلى اسم مهذب لتوزيع الدولة. المثقف الذي يكرر هذه الكلمات من دون تفكيك تاريخ استعمالها يمنح السلطة قاموسًا نظيفًا لأفعال قذرة. دوره يبدأ باسترداد اللغة، لأن السيطرة على اسم الفعل جزء من السيطرة على الفعل نفسه. السرقة التي تسمى استحقاقًا تفقد جزءًا من عارها، والقمع الذي يسمى حفظًا للنظام يطلب من الضحية أن تعتذر، والمحاصصة التي تسمى شراكة وطنية تكتسب مظهر الفضيلة.
مع ذلك، لا تقف أسباب العجز خارج الوسط الثقافي. في داخله اقتصاد صغير للاعتراف، له ألقابه ومنابره ومجاملاته وخصوماته. يتنافس مثقفون على إدارة مهرجان أو عضوية لجنة أو صورة مع مسؤول أو تقديم في أمسية، فيما تبقى الأسئلة الكبرى خارج برنامج المؤسسة. قد تنشب معركة طويلة حول لقب أدبي، ويعبر قانون مقلق بلا موقف جماعي. قد تتشظى جماعة ثقافية بسبب ترتيب الأسماء على ملصق، وتلتزم الصمت أمام مصادرة حق عام. هذا الاقتصاد يستهلك الطاقة النقدية في صراعات رمزية ضيقة، ويمنح المشاركين شعورًا بالحركة، بينما يظل ميزان القوة على حاله.
ثم يأتي الاستيعاب المباشر. لا تحتاج السلطة دائمًا إلى تهديد المثقف؛ تستطيع أن تمنحه منصة، أو منصبًا استشاريًا، أو جائزة، أو سفرة، أو عضوية، أو وعدًا بالنشر. المشكلة لا تقع في قبول المثقف موقعًا عامًا أو تعاونًا مؤسسيًا، إذ يمكن لهذه المواقع أن تخدم الثقافة. الخطر يظهر عندما يتحول الامتياز إلى عقد صمت، وعندما يلين القاموس قرب الممول، وعندما يصير النقد موجهًا إلى خصوم الجهة الراعية وحدهم. عندئذ يفقد المثقف استقلاله من دون وثيقة إذعان، ويواصل الحديث عن الحرية داخل حدود رسمها له صاحب المنبر.
الاستقلال هنا ليس بطولة فردية صافية. الكاتب الذي يعيش في اقتصاد هش، ويعمل داخل مؤسسة معرضة للإغلاق، ويواجه قوة مسلحة أو حزبًا واسع الموارد، لا يملك حرية مجردة. لهذا يكون لوم الأفراد وحدهم ظلمًا فكريًا وهروبًا من تحليل الشروط. المسؤولية موزعة بين منظومة تحاصر، ومؤسسات ثقافية عاجزة، ونقابات فقدت قدرتها، وجامعات انكمش دورها العام، ووسط ثقافي يقبل أحيانًا ما ينبغي أن يرفضه. النقد الجاد يحاسب المثقف على اختياراته، ويكشف في الوقت نفسه البنية التي تجعل الاختيار النزيه مكلفًا إلى هذا الحد.
توضح حنة آرندت أن القوة السياسية تنشأ عندما يعمل الناس معًا، فيما يلجأ العنف إلى التعويض عن تآكل القوة. هذه الفكرة تمنح سؤال المثقف بعدًا حاسمًا. قيمة الكلمة لا تأتي من قسوتها وحدها؛ تأتي من قدرتها على بناء عالم مشترك بين أشخاص متفرقين. ما تخشاه منظومة الحكم هو ظهور لغة تجمع خبرة المعلم والطبيب والعامل والطالب والعاطل والموظف الصغير في قضية واحدة. ما دام كل ألم معزولًا داخل صاحبه، تستطيع السلطة إدارة الشكاوى وتوزيع الوعود. وعندما يكتشف الناس أن مشكلاتهم المتباعدة ناتجة عن قواعد واحدة، تتحول الشكوى إلى وعي سياسي.
لهذا لا يكفي أن يكتب المثقف بلغة جميلة عن الفقر. عليه أن يكشف صلة الفقر بالموازنة والقرار والتوظيف والنهب. ولا يكفي أن يرثي التعليم؛ عليه أن يوضح كيف تُصنع الجامعة الضعيفة، ومن يستفيد من تراجعها، وكيف تتحول الشهادة إلى سلعة والبحث إلى إجراء إداري. ولا يكفي أن يدين الخطاب الطائفي؛ عليه أن يرسم مسار المنفعة التي تبدأ من إثارة الخوف وتنتهي بصندوق الاقتراع والعقد والوزارة. المعرفة التي تقطع هذه السلاسل إلى موضوعات منفصلة تريح السلطة، والمعرفة التي تصل الحلقات تعرّي نظام العمل كله.
لغة المثقف نفسها تحتاج إلى مراجعة. التعقيد ليس عيبًا حين يفرضه الموضوع، والمفهوم الدقيق قد يحتاج جهدًا من القارئ. الأزمة تبدأ عندما تتحول اللغة إلى جدار طبقي يعلن تفوق الكاتب ويمنع المعنى من الوصول. بعض المثقفين يكتبون للجمهور ثم يعاقبونه لأنه لم يصفق، ويخاطبون الناس بقاموس مغلق ثم يتهمونهم بالسطحية. الاتصال بالناس لا يعني خفض الفكر أو تسطيحه؛ يعني بناء عبارة تحمل العمق من دون استعراض، وتدخل التجربة اليومية من أبوابها الحقيقية. المفكر القادر على شرح البنية المعقدة بلغة حية أخطر على السلطة من صاحب مصطلحات لا تغادر القاعة.
ولا يصح مطالبة كل شاعر بأن يصير قائد تنظيم، أو كل روائي بأن يتحول إلى صحفي استقصائي. لكل حقل وظيفته ووسائله. المطلوب أن يمتنع المبدع عن تزيين القبح، وأن يحفظ استقلال صوته، وأن يرفض تحويل منجزه إلى غطاء لسلطة، وأن يساند حق زميله في الكلام، وأن يشارك في بناء مؤسسات تحمي المجال الثقافي. القصيدة قد لا تسقط حكومة، لكنها تستطيع أن تمنع اللغة من اعتياد المهانة. الرواية قد لا توقف صفقة، لكنها تكشف الإنسان الذي تطحنه الصفقة. البحث قد لا يحرك شارعًا، لكنه يمنح الفعل العام معرفة تحميه من التضليل. تتكامل الأدوار حين تدرك الثقافة أنها مجال مشترك لا سوق شهرة فردية.
الخوف الذي نتحدث عنه ليس ارتجاف الحاكم أمام مقال، ولا رغبة في تحويل المثقف إلى خصم مسلح. المقصود هو الكلفة. تخاف السلطة عندما تعرف أن الكذبة ستُلاحق، وأن الوثيقة ستُحفظ، وأن الاسم سيبقى مرتبطًا بالفعل، وأن الاعتداء على صحفي سيفتح أزمة طويلة، وأن شراء منبر لن يشتري الحقل كله، وأن المجتمع يملك قاموسًا مستقلًا عن قاموس الدعاية. في هذه اللحظة يفقد النفوذ قدرته على إدارة الذاكرة، وتصبح الثقافة طرفًا في ميزان الشرعية.
يبدأ استرداد هذا الدور من بناء مؤسسات صغيرة ثابتة: أرشيفات مفتوحة، منصات تحقق، روابط مهنية مستقلة، جماعات قراءة مرتبطة بالقضايا العامة، شبكات تضامن قانوني وإعلامي، ومشروعات توثق الفساد وتشرح آلياته بلغة مفهومة. المقال العظيم يوقظ القارئ، والمؤسسة تضمن ألا يعود إلى النوم سريعًا. الفرد الشجاع يفتح الباب، والجماعة تحميه من أن يغلق فوق جسده. عند هذه النقطة تتجاوز الثقافة أداء الشهادة على الخراب، وتدخل في إنتاج واقع يضع حدودًا للكذب.
السلطة العراقية مطمئنة اليوم لأن المسافة واسعة بين الذكاء الثقافي والقدرة الاجتماعية. لديها خصوم يكتبون عنها أكثر مما يبنون ضد آلياتها، ويصفون نتائجها أكثر مما يكشفون شروط إنتاجها، ويتنازعون على الاعتراف فيما تتنازع قواها على الوزارات والعقود والسلاح. المثقف يربح جملة، وهي تربح مؤسسة. يربح مناظرة، وهي تعيد تشكيل القانون. يفضح مسؤولًا، فتنتج الشبكة مسؤولًا آخر بالطريقة نفسها. ما لم ينتقل النقد من الشخص إلى القاعدة، ومن المناسبة إلى الذاكرة، ومن الفرد إلى المجال، ستظل العبارة العالية جزءًا من ضجيج تستطيع المنظومة احتماله.
السؤال الأخير لا ينبغي أن يضع الذنب كله في عنق المثقف، ولا أن يمنحه براءة جاهزة. السؤال الأدق هو: ماذا فعلت منظومة السلطة بالمجال الثقافي، وماذا فعل المثقف بنفسه داخل هذا المجال، حتى انفصلت المعرفة عن الفاعلية العامة؟ الإجابة الصادقة تبدأ بالاعتراف أن الشجاعة الفردية لا تكفي، وأن البلاغة لا تعوض المؤسسة، وأن الغضب الذي لا يراكم أثرًا يتحول مع الوقت إلى طقس شخصي. وعندما يستعيد المثقف صلته بالناس من دون وصاية، ويبني مع زملائه ذاكرة لا تباع، ويكشف البنية عوض الاكتفاء بشتيمة وجوهها، تبدأ السلطة بحسابه. عندها لا تخشاه بسبب لسان قاس، تخشاه لأن الحقيقة اكتسبت جسدًا اجتماعيًا، ولأن الناس تعلموا كيف يرون ما كان يراد لهم ألا يروه.
إحالات أساسية لمن أراد التوسع: أنطونيو غرامشي، (دفاتر السجن)؛ ميشيل فوكو، (المراقبة والمعاقبة) و(إرادة المعرفة)؛ حنة آرندت، (في العنف)؛ منظمة الشفافية الدولية، مؤشر مدركات الفساد 2025؛ مراسلون بلا حدود، مؤشر حرية الصحافة 2026، صفحة العراق؛ هيومن رايتس ووتش، التقرير العالمي 2026، فصل العراق؛ منظمة العفو الدولية، تقارير الاحتجاجات والفضاء المدني في العراق.