كوريا الشمالية آخر متحف للشيوعية المغلقة.

زكريا نمر

لم تعد كوريا الشمالية تمثل انتصارا للشيوعية، بل أصبحت أكبر شاهد على أزمتها عندما تتحول من مشروع اجتماعي إلى عقيدة مغلقة. إنها دولة أثبتت أن الحزب قد يبقى، وأن السلطة قد تستمر، وأن الصواريخ قد تتطور، لكن كل ذلك لا يعني أن الأمة تتقدم. فهناك فرق بين بقاء النظام ونجاح الدولة، وبين قوة الجيش وقوة الاقتصاد، وبين الخوف الذي يفرض الطاعة والثقة التي تصنع التنمية.منذ أكثر من سبعة عقود، يرفع النظام الكوري الشمالي شعارات الاستقلال، والاعتماد على الذات، ومقاومة الإمبريالية. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس هل قاومت كوريا الشمالية الضغوط الخارجية؟ بل ماذا قدمت هذه المقاومة للمواطن العادي؟ وهل تحولت الشعارات إلى رخاء اقتصادي، أم أصبحت غطاءً لتبرير العزلة والجمود؟ إن أكبر مأزق في التجربة الكورية الشمالية أنها خلطت بين حماية الدولة وحماية النظام. فكل إصلاح اقتصادي عد تهديدا سياسيا، وكل انفتاح على العالم اعتُبر تنازلا أيديولوجيا، وكل مراجعة للسياسات صُورت على أنها ضعف. وهكذا أصبح بقاء السلطة هدفا يتقدم على تنمية المجتمع، وأصبح الاقتصاد مجرد أداة في خدمة السياسة، لا العكس.لقد انطلقت كوريا الشمالية من ظروف أفضل من كوريا الجنوبية. امتلكت قاعدة صناعية قوية، وحصلت على دعم سخي من الاتحاد السوفيتي والصين، وكان كثير من الخبراء يتوقعون أن تصبح القوة الاقتصادية الأولى في شبه الجزيرة الكورية. لكن التاريخ لا يكافئ من يبدأ قويًا، بل من يعرف كيف يتغير.

في اللحظة التي كانت فيها الصين تراجع أفكارها بعد إخفاقات الماضي، وكانت فيتنام تعيد بناء اقتصادها على أسس جديدة، كانت كوريا الشمالية تزداد اقتناعا بأن المشكلة ليست في سياساتها، بل في العالم من حولها. ومن هنا بدأ الانفصال بين الأيديولوجيا والواقع.إن الاقتصاد لا يعمل بمنطق الخطب السياسية، ولا يستجيب للشعارات الثورية. المستثمر لا يسأل عن عدد التماثيل في الساحات، بل عن سيادة القانون. ورجل الأعمال لا يقيس نجاحه بعدد البيانات الحزبية، بل بحرية الإنتاج والمنافسة. والعامل لا تزيد إنتاجيته لأنه استمع إلى خطاب تعبوي، بل لأنه يعمل في بيئة تكافئ الكفاءة والابتكار.ويكمن الخطأ التاريخي الذي وقعت فيه كوريا الشمالية. لقد اعتقدت أن الدولة تستطيع أن تحل محل السوق في كل شيء، وأن البيروقراطية أكثر ذكاء من ملايين المنتجين، وأن الموظف المركزي يعرف احتياجات المجتمع أكثر من المجتمع نفسه. لكن النتيجة كانت اقتصادا يفتقر إلى المرونة، ومؤسسات تخشى المبادرة، وإنتاجا يتراجع كلما ازدادت قبضة الدولة.إن المدافعين عن النظام يكررون أن العقوبات الغربية هي سبب الفشل الاقتصادي. ولا شك أن العقوبات ألحقت أضرارًا كبيرة بالاقتصاد، لكن السؤال الأهم هو: لماذا استطاعت الصين وفيتنام، رغم الحروب والعزلة والضغوط، أن تتحولا إلى اقتصادين صاعدين؟ الجواب بسيط: لأنهما امتلكتا شجاعة الاعتراف بأن النموذج الاقتصادي القديم لم يعد صالحا.الصين لم تتخل عن الحزب الشيوعي، لكنها تخلت عن الاقتصاد الشيوعي الجامد. أدركت أن الاشتراكية لا تعني إلغاء السوق، وأن الدولة القوية ليست هي التي تمنع الاستثمار، بل التي توجهه وتستفيد منه. ولذلك تحولت من اقتصاد مغلق إلى مصنع العالم، ومن دولة تعتمد على الشعارات إلى دولة تنافس في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتجارة العالمية.أما فيتنام، فقد خرجت من حرب مدمرة، وكان يمكنها أن تكرر النموذج الكوري الشمالي، لكنها اختارت طريقًا آخر. فتحت اقتصادها، وشجعت القطاع الخاص، وجذبت الاستثمارات الأجنبية، وربطت مستقبلها بالإنتاج والتصدير، لا بالعزلة والانغلاق. وهكذا أثبتت أن الحزب يمكن أن يبقى، لكن الاقتصاد يجب أن يتغير.أما كوريا الشمالية، فقد اختارت أن تحافظ على نقاء العقيدة بدلًا من إصلاح الواقع. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: كلما حافظت على الأيديولوجيا، خسرت الاقتصاد. وكلما شددت قبضتها على المجتمع، ضعفت قدرته على الإنتاج.

لقد نجحت بيونغ يانغ في بناء برنامج نووي متقدم، وهذا إنجاز لا يمكن إنكاره من الناحية التقنية والعسكرية. لكنها في الوقت نفسه قدمت دليلا على أن التفوق العسكري لا يعوض الضعف الاقتصادي. فالصاروخ لا ينتج الغذاء، والرأس النووي لا يخلق فرص العمل، والعرض العسكري لا يرفع مستوى الدخل.إن الدولة التي تخصص معظم مواردها للعسكرة، بينما تتراجع فيها الصناعة المدنية والابتكار والإنتاج، قد تفرض معادلة ردع، لكنها لا تبني اقتصادًا مستدامًا. فالقوة العسكرية تحمي الدولة، لكنها لا تغني عن التنمية التي تحمي المجتمع من الفقر والتخلف. وفي التجربة الكورية الشمالية ليس الفقر، بل الاعتقاد بأن الفقر يمكن تبريره باسم العقيدة. فكلما تعمقت الأزمة، ازداد الحديث عن المؤامرات الخارجية، بدلًا من مراجعة السياسات الداخلية. وهكذا تتحول الأيديولوجيا من وسيلة لفهم الواقع إلى وسيلة للهروب منه.

لقد أثبت القرن العشرون أن الأنظمة لا تسقط لأنها تواجه أعداء، بل لأنها تفشل في إصلاح نفسها. الاتحاد السوفيتي لم ينهر بسبب الولايات المتحدة وحدها، بل بسبب عجزه عن تجديد نموذجه الاقتصادي. وأوروبا الشرقية لم تتخل عن الشيوعية تحت ضغط الدعاية الغربية فقط، بل لأن اقتصادها فقد القدرة على المنافسة. وكوريا الشمالية تسير في الدائرة نفسها، لكنها تؤجل مواجهة الحقيقة عبر مزيد من الانغلاق.إن التجربة الصينية تقدم درسًا مختلفًا تماما. فقد فهمت بكين أن الأيديولوجيا التي تمنع الإصلاح تتحول إلى عبء على الدولة. لذلك حافظت على الاستقرار السياسي، لكنها سمحت للاقتصاد بالتنفس. أما كوريا الشمالية فما زالت تحاول إدارة اقتصاد القرن الحادي والعشرين بعقلية خمسينيات القرن الماضي.

فإن السؤال ليس ما إذا كانت كوريا الشمالية ستبقى، بل بأي ثمن. فقد ينجح النظام في البقاء سنوات طويلة، لكن بقاء النظام ليس مرادفًا لنجاح الدولة. فالدول تقاس بقدرتها على إنتاج الثروة، وإطلاق طاقات مواطنيها، وبناء مؤسسات مرنة، لا بعدد الصواريخ التي تعرضها في الساحات ،لقد أثبتت الصين وفيتنام أن الحزب يمكن أن ينجو إذا امتلك شجاعة الإصلاح. وأثبتت كوريا الشمالية أن الحزب قد يبقى إذا رفض الإصلاح، لكن الثمن يكون اقتصادا راكدًا، ومجتمعًا معزولا، ودولة تخشى الاعتراف بأن الأيديولوجيا، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع أن تلغي قوانين الاقتصاد أو توقف حركة التاريخ.