مبروك… الفساد صار استثمارًا قليل المخاطر!

ضياء المهندس

في العراق، يبدو أن الاستثمار الأكثر أمانًا لم يعد العقارات ولا الذهب ولا الأسهم… بل المال العام!
القاعدة الجديدة تقول: إذا نجحت في الاستيلاء على مليارات الدنانير، فقد تخسر بضع سنوات من عمرك، لكنك قد تضمن أن تبقى المليارات قد تحولت إلى عقارات وشركات وحسابات خارج الحدود. إنها معادلة اقتصادية لا تُدرَّس في الجامعات، لكنها تُفهم جيدًا في دهاليز الفساد.
سرقة المال العام ليست جريمة عابرة؛ إنها سرقة أعمار الناس. عندما تُنهب الخزينة، لا تختفي الأرقام فقط، بل تختفي معها مدارس كان يمكن أن تُبنى، ومستشفيات كان يمكن أن تُجهز، وفرص عمل كان يمكن أن تنقذ آلاف الشباب من البطالة.
المواطن العراقي الذي ينتظر الكهرباء في حر تموز، أو يقف في طابور مستشفى متهالك، أو يبحث عن وظيفة منذ سنوات، هو أول من يدفع ثمن كل دينار يُهدر. أما الفاسد، فإذا كانت العقوبة أقل من حجم المكاسب، فما الذي يمنعه من تكرار المغامرة؟
حين تصبح العقوبة سنوات معدودة مقابل أموال هائلة، فإن الرسالة الخطيرة ليست أن الفساد يُحارب، بل أن مخاطره قد تكون أقل من أرباحه. وهنا يتحول القانون، من أداة ردع، إلى بند يُحسب ضمن “تكاليف المشروع”.
في الدول التي تحترم المال العام، لا يُنظر إلى الفساد الكبير كخطأ إداري، بل كاعتداء على اقتصاد الدولة ومستقبلها، ولذلك تُلاحق الأموال داخل البلاد وخارجها، وتُصادر الأصول، ويُحرم المدانون من أي موقع عام، لأن الهدف ليس الانتقام، بل حماية المجتمع ومنع تكرار الجريمة.
أما عندنا، فالمواطن يتابع الأخبار وكأنه يشاهد مسلسلًا طويلًا؛ تبدأ الحلقات بضجة كبيرة، ثم تتوالى التصريحات، وبعدها تُغلق الملفات، ويبقى السؤال معلقًا: أين ذهبت الأموال؟ وهل عاد منها ما يوازي حجم الضرر الذي لحق بالبلد؟
لا أحد يطالب بعقوبات خارج القانون، لكن العدالة تفقد جزءًا من أثرها عندما لا يشعر المجتمع بأن العقوبة تتناسب مع جسامة الجريمة. فالعقوبة الرادعة ليست انتقامًا، بل رسالة واضحة إلى كل من يفكر بمد يده إلى المال العام.
وفي النهاية… لا يحتاج العراقي إلى خطابات جديدة عن مكافحة الفساد، بل إلى نتيجة واحدة يفهمها الجميع: أن من يسرق قوت الناس سيخسر حريته، وثروته، ونفوذه، وكل ما جمعه بغير حق.
أما إذا بقيت معادلة “المليارات مقابل سنوات قليلة” هي السائدة، فسيبقى الفساد تجارة رابحة… ويبقى المواطن هو الممول الوحيد لكل هذه الخسائر.
البروفسور د.ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي