شعيرة ام فلكلور

شعـيرة ام فلكلور ؟
-محمدعلي الزاملي

في كل عام، ومع إطلالة شهر محرم، تتجه أنظار العالم إلى الملايين التي تخرج لإحياء ذكرى الإمام الحسين بن علي عليه السلام. وبينما يرى المؤمنون فيها شعيرةً دينيةً تحمل رسالة خالدة، يحاول آخرون اختزالها في إطار “الفولكلور” أو العادات الشعبية التي فقدت مضمونها وهنا يبرز السؤال: هل الشعائر الحسينية شعيرة أم فلكلور؟

إن الفارق بين الشعيرة والفولكلور فارق جوهري فالفولكلور هو موروث شعبي يتناقله الناس بوصفه جزءًا من هويتهم الثقافية، وقد يستمر حتى لو غاب الهدف الذي نشأ من أجله أما الشعيرة فهي ممارسة واعية ذات غاية ورسالة، يقصد بها الإنسان التقرب إلى الله، واستحضار قيم الدين، وترسيخ المبادئ التي قامت عليها الرسالة الإسلامية.

ولذلك فإن الشعائر الحسينية ليست مجرد طقوس موسمية، بل هي امتداد لنهضة الإمام الحسين عليه السلام، تلك النهضة التي لم تكن طلبًا لسلطة ولا سعيًا لمكسب دنيوي، وإنما كانت مشروعًا للإصلاح وإحياء قيم العدل والكرامة والحرية ومقاومة الظلم.

لقد أثبتت التجربة عبر القرون أن الشعائر الحسينية كانت من أهم عوامل حفظ الهوية الإسلامية والولاء لأهل البيت عليهم السلام، ففي الأزمنة التي تعرض فيها أتباعهم للقمع والمنع، بقيت المجالس، والمواكب، والزيارات، والمنابر، مدارس تحفظ العقيدة وتنقلها من جيل إلى جيل ،ولهذا لم تستطع السجون ولا السيوف ولا حملات التشويه أن تمحو ذكر الحسين، لأن الشعيرة بقيت حية في ضمير الأمة.

ولا يقتصر أثر هذه الشعائر على الجانب الديني فحسب، بل يمتد إلى المجتمع بأسره، فهي تعلم الناس البذل والإيثار، وتدفعهم إلى خدمة الآخرين من خلال مواكب الإطعام والسقاية والاستضافة والعمل التطوعي، كما أنها تعزز روح التعاون، والانضباط، والتكافل الاجتماعي، وتجمع ملايين البشر على هدف واحد دون تمييز بين غني وفقير أو عربي وأعجمي.

ومن آثارها أيضًا أنها تربي الأجيال على رفض الظلم وعدم الاستسلام للطغيان،فالحسين عليه السلام لم يتحول إلى رمز عالمي لأنه انتصر عسكريًا، بل لأنه جسّد الانتصار الأخلاقي الذي بقي حيًا في وجدان الإنسانية، ولهذا أصبحت كربلاء مدرسة تستلهم منها الشعوب معاني الصمود والكرامة والتضحية.

لكن بقاء الشعيرة قوية لا يعني أن كل ما يُمارس باسمها صحيح أو مطلوب، فكما قد تتسلل الأخطاء إلى أي ممارسة اجتماعية، قد تظهر بعض الظواهر السلبية التي تسيء إلى رسالة الشعائر، مثل المبالغات التي تفتقر إلى الدليل، أو التصرفات التي تؤذي الناس، أو إثارة الفوضى، أو تحويل المناسبة إلى ساحة للتنافس الشخصي أو المكاسب الدنيوية، أو استغلالها لأغراض سياسية أو تجارية بعيدة عن أهدافها الأصلية، وهذه الظواهر لا ينبغي أن تُتخذ ذريعة للطعن في أصل الشعيرة، كما لا يجوز السكوت عنها، بل ينبغي معالجتها بالحكمة والعلم والتوجيه.

وفي المقابل، فإن الظواهر الإيجابية هي التي تعبر عن روح النهضة الحسينية، كإحياء المجالس العلمية، ونشر ثقافة الإصلاح، وخدمة الزائرين، والعمل التطوعي، ورعاية الفقراء، والتبرع بالدم، وتعزيز الوحدة المجتمعية، وتربية الشباب على الأخلاق والانضباط واحترام النظام العام. فهذه الممارسات تجعل الشعيرة وسيلةً لبناء الإنسان والمجتمع، لا مجرد مناسبة عاطفية عابرة.

إن المنهج القويم للشعائر الحسينية هو المنهج الذي يجمع بين حرارة العاطفة ونور البصيرة؛ عاطفة تبقي الارتباط بالحسين حيًا في القلوب، وبصيرة تجعل هذا الارتباط سلوكًا عمليًا في مقاومة الفساد، وإقامة العدل، ونصرة المظلوم، وخدمة المجتمع.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل الشعائر الحسينية شعيرة أم فلكلور؟ بل: هل نحافظ على رسالتها كما أرادها الإمام الحسين عليه السلام؟ فإذا بقيت تحمل قيم الإصلاح، والوعي، والأخلاق، والتضحية، فإنها ستظل شعيرةً حيةً متجددة، تُخرج الإنسان من دائرة العادة إلى دائرة الرسالة، ومن حدود الذكرى إلى صناعة المستقبل، لتبقى كربلاء مدرسةً لا ينضب عطاؤها، ومنهجًا خالدًا يعلّم الأجيال أن الكرامة لا تُشترى، وأن الحق قد يُحاصر، لكنه لا يموت