جديد

الاصلاحات السريعه وتطبيق القانون على الجميع يعيد توصيف العلاقه بين الوطن والمواطن….

حسن درباش العامري

إنَّ السؤال الحقيقي يجب ان لايكون: هل الإصلاحات ضرورية؟ بل: هل ان المجتمع العراقي مهيأ لسرعة تطبيق وتنفيذ تلك الاصلاحات؟ فالإصلاح، مهما كانت أهدافه نبيله ، قد يتحول إلى عبء إذا سبق المجتمع بخطوات كثيرة وان كانت نواياه اصلاحية، وقد يفقد زخمه إذا سار بتراخي او ان كان أبطأ من حاجات الناس.
العراق اليوم يقف على مفترق طرق؛ فهناك تعطش شعبي حقيقي لمكافحة الفساد بكل مستوياته بل وينتظر استهداف رؤوس الفساد اكثر من استهداف اذرعه ، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وفرض سيادة القانون، او تطبيقه على الجميع بعدالة واضحه. وهذا ما يجعل قطاعات واسعة من المجتمع تتقبل الإجراءات الإصلاحية السريعة، بل وتطالب بالمزيد منها. إلا أن المجتمع العراقي مجتمع غير متجانس كما يبدو او لنقل مجتمع لديه انتماءات مختلفه واعتبارات متباينه ورموز هي الاخرى متناقظة ،اذا هو ليس كتلة واحدة متجانسة، بل هو مجتمع متعدد الانتماءات والولاءات، وتتحكم به منظومات اجتماعية وثقافية وسياسية ودينية متشابكة تراكمت خلال عقود طويلة من الحروب والعقوبات والاحتلال والأزمات.
إن الإصلاحات المتسارعة قد تحقق نجاحاً لافتاً إذا انطلقت من فهم عميق لهذه التعقيدات، بحيث لا تقتصر على ملاحقة الفساد وتغيير القوانين، وإنما تترافق مع بناء ثقافة مجتمعية تؤمن بالإصلاح وتدافع عنه ،وتعتقد بأن ثمرته تعود بالخيير للجميع مادام الوطن يمثل الجميع . فالقوانين وحدها لا تصنع مجتمعاً جديداً، وإنما تصنعه القناعة الشعبية والعدالة في التطبيق.
وفي المقابل، فإن تجاهل البعد الاجتماعي ،والبعد المذهبي المؤثر بشكل كبير ،للإصلاح قد يقود إلى نتائج معاكسة، إذ قد تنشأ مقاومة مجتمعية أو سياسية لهذه التغييرات، لا رفضاً للإصلاح نفسه، بل خوفاً من آثاره أو شعوراً بأنه يستهدف فئة دون أخرى.ولاننسى اهمال الحكومه لبعض الاصوات النشاز التي تنعق دائما وتلك الاصوات لها تأثير علي بعض الفئات من المجتمع . كما أن تسارع الإصلاحات دون توفير مظلة قانونية ومؤسساتية قوية قد يخلق حالة من عدم الاستقرار المؤقت، تستثمرها القوى المتضررة لإثارة المخاوف وإضعاف ثقة الناس بالمشروع الإصلاحي.وهنا يتوجب تطبيق قوانين رادعه على من يحاول التأثير وخلط الاوراق .
إن التماسك المجتمعي لا يتحقق بسرعة القرارات، بل بسرعة بناء الثقة بين الدولة والمواطن. فحين يشعر المواطن بأن القانون يطبق على الجميع دون استثناء، وأن التضحيات موزعة بعدالة، وأن الإصلاح لا يطال الضعفاء وحدهم بل يبدأ من أصحاب النفوذ، فإن المجتمع سيكون أكثر استعداداً لتحمل كلفة التغيير مهما كانت كبيرة.
وعليه، فإن نجاح الإصلاحات في العراق لا يقاس بسرعة تنفيذها، وإنما بقدرتها على تحقيق التوازن بين الحسم السياسي والنضج المجتمعي. فالإصلاح السريع الذي يستند إلى العدالة والشفافية والمشاركة الشعبية قد يكون طريقاً إلى الاستقرار وتعزيز التماسك الوطني، أما الإصلاح الذي يسبق المجتمع أو يتجاهل خصوصياته الثقافية والاجتماعية فقد يتحول إلى مصدر جديد للتوتر والانقسام.
إن العراق لا يحتاج إلى إصلاحات سريعة فحسب، بل يحتاج إلى إصلاحات ذكية تعرف متى تسرع ومتى تتمهل، لأن بناء الدولة يشبه بناء الإنسان؛ فكلاهما يحتاج إلى الإرادة والصبر معاً.
الكاتب الناقد السياسي
حسن درباش العامري