زكريا نمر
عندما يذكر اليمن اليوم، لا تظهر فقط صورة المدن التي دمرتها الحرب، ولا ملايين النازحين الذين فقدوا منازلهم وأمنهم، ولا اقتصاد أنهكته سنوات الصراع، بل تظهر مأساة أعمق: مأساة دولة فشلت نخبها السياسية في بناء مشروع وطني قادر على حماية المجتمع من الانهيار. فالحرب اليمنية ليست مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متنافسة، وليست فقط نتيجة تدخلات خارجية أو صراع على السلطة بين جماعات محددة. إنها نتيجة تراكم طويل من الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عجزت النخب عن حلها، حتى أصبحت الحرب التعبير الأكثر قسوة عن فشل السياسة.الحروب لا تبدأ دائما عندما تنطلق الرصاصة الأولى، بل تبدأ عندما تفشل السياسة في إنتاج حلول، وعندما تتحول الخلافات الطبيعية داخل المجتمع إلى صراعات وجودية، وعندما تفقد الدولة قدرتها على إدارة الاختلاف وتحقيق التوازن بين مكوناتها. ولهذا فإن السؤال الحقيقي حول اليمن ليس فقط: لماذا اندلعت الحرب؟ بل: لماذا كان اليمن قابلا لهذا الانفجار؟ وكيف وصلت دولة ذات تاريخ وحضارة عريقة إلى مرحلة أصبحت فيها الجماعات المسلحة أكثر تأثيرا من مؤسسات الدولة؟ إن اختزال الأزمة اليمنية في طرف واحد هو قراءة ناقصة للواقع. فالحوثيون لم يظهروا من فراغ، والحكومة اليمنية لم تفشل بسبب الحرب فقط، والقوى الإقليمية لم تدخل إلى المشهد إلا بعد أن أصبحت الدولة ضعيفة وقابلة للتدخل.
المشكلة الأساسية في اليمن ليست وجود خلافات سياسية، فالخلاف جزء طبيعي من حياة أي مجتمع، بل المشكلة في الطريقة التي تمت بها إدارة هذه الخلافات. فقد تحولت السياسة اليمنية في كثير من المراحل إلى صراع على النفوذ، وأصبح الوصول إلى السلطة أهم من بناء الدولة، وأصبحت التحالفات المؤقتة أكثر أهمية من المؤسسات الدائمة.كانت الدولة موجودة شكليا، لكنها عانت من ضعف داخلي جعلها غير قادرة على فرض القانون على الجميع، أو بناء جيش وطني موحد، أو تحقيق ثقة حقيقية بينها وبين المواطنين.فالدولة ليست مجرد حكومة أو حدود أو اعتراف دولي، بل هي منظومة مؤسسات يشعر فيها المواطن بأن حقوقه محفوظة، وأن مستقبله لا يعتمد على قربه من جماعة أو قبيلة أو مركز نفوذ.لكن المأساة اليمنية أن الدولة ظلت في كثير من الأحيان أضعف من القوى التي تنافسها، وتحولت إلى طرف داخل الصراع بدلا من أن تكون الإطار الذي ينظم الصراع.
الوحدة اليمنية حلم الدولة الذي اصطدم بأزمة الحكم عندما قامت الوحدة اليمنية عام 1990، حملت معها آمالا كبيرة ببناء دولة حديثة تستوعب الشمال والجنوب، وتؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة الوطنية.لكن المشكلة لم تكن في فكرة الوحدة نفسها، بل في طريقة إدارة الدولة بعدها. فقد تحولت الخلافات السياسية إلى صراع على النفوذ، وانتهت بحرب عام 1994 بين الشمال والجنوب، وهي الحرب التي تركت آثارا عميقة في الوعي السياسي والاجتماعي اليمني.بعد تلك المرحلة، تراكم شعور واسع في الجنوب بالتهميش السياسي والاقتصادي، وازدادت الفجوة بين المركز والأطراف. وبدلا من معالجة هذه الاختلالات عبر حوار سياسي شامل، تم التعامل مع كثير من المطالب باعتبارها قضايا أمنية.وتكرر أحد الأخطاء الكبرى في تاريخ اليمن: محاولة معالجة الأزمات السياسية بأدوات القوة.فالقضايا المرتبطة بالهوية والعدالة والمشاركة لا تختفي بالقمع، بل تحتاج إلى حلول سياسية تعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.إن استمرار القضية الجنوبية لم يكن نتيجة رغبة بعض الأطراف في استمرار الصراع فقط، بل نتيجة فشل طويل في الإجابة عن أسئلة أساسية حول شكل الدولة، وتوزيع السلطة، وعلاقة المركز بالمناطق.من صعدة إلى صنعاء: فشل الدولة في إدارة الخلاف في شمال اليمن، كشفت حروب صعدة منذ عام 2004 عن أزمة أخرى بين الدولة وجماعة الحوثيين. فقد بدأت الأزمة في سياق محلي، لكنها توسعت تدريجيا بسبب غياب الحلول السياسية وتحول الخلاف إلى مواجهة عسكرية.لم يكن وجود الخلاف هو المشكلة، فكل المجتمعات تعرف صراعات سياسية وفكرية، لكن المشكلة كانت في عجز الدولة عن تحويل الخلاف إلى حوار، واعتمادها على الحلول الأمنية بدلا من المعالجة السياسية.فعندما تتعامل الدولة مع المطالب الاجتماعية والسياسية باعتبارها تهديدا فقط، فإنها قد تؤجل الأزمة لكنها لا تنهيها.وقد استفاد الحوثيون من هذا السياق، ومن حالة ضعف الدولة، ومن حالة الغضب الشعبي، حتى تحولوا من حركة محدودة التأثير إلى قوة عسكرية وسياسية رئيسية.لكن صعود الحوثيين وضعهم أمام سؤال أكبر من سؤال المعارضة: سؤال الدولة.
فإدارة الاحتجاج شيء، وإدارة بلد متعدد المكونات شيء آخر. فالقوة العسكرية قد تمنح السيطرة، لكنها لا تمنح وحدها الشرعية ولا القدرة على بناء نظام مستقر.الدولة لا تبنى فقط بمن يملك السلاح، بل بمن يستطيع بناء المؤسسات وتحقيق العدالة وقبول الاختلاف.الحوثيون اختبار الانتقال من الجماعة إلى الدولة يمثل الحوثيون أحد أكثر ملفات الأزمة اليمنية تعقيدا، لأن صعودهم مرتبط بأخطاء الدولة السابقة، لكنه في الوقت نفسه وضعهم أمام مسؤولية تاريخية بعد توسع نفوذهم.فالجماعات التي تصل إلى السلطة تواجه دائما اختبارا صعبا: هل ستعيد إنتاج منطق السيطرة الذي عارضته سابقا، أم ستنجح في بناء دولة تتجاوز الانتماءات الضيقة؟إن أي مشروع سياسي لا يستطيع الانتقال من منطق الجماعة إلى منطق الدولة سيظل عاجزا عن تحقيق الاستقرار. فالدولة تحتاج إلى مؤسسات مستقلة، وقانون يطبق على الجميع، ومواطنة لا تفرق بين الناس حسب الانتماء السياسي أو الاجتماعي.والسؤال الذي يواجه الحوثيين ليس فقط كيف وصلوا إلى السلطة، بل كيف يمكنهم إقناع اليمنيين بأن مشروعهم قادر على بناء دولة لكل المواطنين، وليس سلطة قائمة على انتصار طرف على بقية الأطراف.في الجهة المقابلة، تمثل الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا وجها آخر من وجوه أزمة الدولة. فهي تمتلك اعترافا دوليا مهما، لكنها عانت خلال سنوات الصراع من ضعف الأداء، والانقسامات الداخلية، وتعدد مراكز القرار.وتظهر مشكلة أساسية في مفهوم الشرعية. فالشرعية ليست مجرد اعتراف خارجي أو موقع قانوني، بل هي أيضا قدرة على إدارة الدولة وتحقيق الأمن وتوفير الخدمات وبناء علاقة ثقة مع المواطنين.
فالحكومة التي لا تستطيع حماية مؤسساتها أو تحسين حياة الناس تفقد جزءا من قدرتها على تمثيل المجتمع، حتى لو احتفظت باعتراف المجتمع الدولي.لقد كان من المفترض أن تقدم السلطة المعترف بها نموذجا مختلفا عن أخطاء الماضي، لكنها واجهت تحديات كبيرة جعلتها في كثير من الأحيان أسيرة للصراعات الداخلية والتحالفات المؤقتة، بدلا من أن تكون مركزا لبناء مشروع وطني جامع.فالمشكلة في اليمن ليست فقط من يحكم، بل في طبيعة النظام السياسي الذي جعل الدولة ضعيفة أمام مراكز القوة.القضية الجنوبية جرح سياسي لم تتم معالجتهلا يمكن فهم الأزمة اليمنية دون التوقف عند القضية الجنوبية، فهي ليست مجرد موقف سياسي ظهر أثناء الحرب، بل نتيجة تراكم تاريخي طويل مرتبط بتجربة الوحدة وما بعدها.للقد شعر كثير من أبناء الجنوب خلال العقود الماضية بوجود اختلالات في توزيع السلطة والثروة، وبأن العلاقة بين المركز والأطراف لم تقم على شراكة حقيقية.ومع مرور الوقت، تحولت هذه المظالم إلى مشروع سياسي يطالب بإعادة النظر في شكل الدولة ومستقبل الجنوب.لكن الخطأ الذي تكرر هو التعامل مع القضية باعتبارها مشكلة أمنية، بينما هي في جوهرها قضية سياسية تحتاج إلى حوار عادل وشامل.فالقضايا المرتبطة بالهوية والانتماء لا يمكن حلها بالقوة، لأنها مرتبطة بذاكرة المجتمع وشعوره بالعدالة.وفإن أي مشروع سياسي جنوبي يواجه مسؤولية تاريخية تتمثل في تقديم رؤية واضحة للمستقبل، لأن بناء الدولة لا يقوم فقط على رفض الماضي، بل على القدرة على صناعة نموذج أكثر عدلا واستقرارا. القبيلة والسلاح عندما تصبح الدولة منافسا ضعيفا كان انتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة أحد مظاهر ضعف الدولة اليمنية قبل الحرب الحالية. فالمشكلة لم تبدأ مع الصراع الأخير، بل ارتبطت بعلاقة طويلة ومعقدة بين السلطة والقوى الاجتماعية التقليدية.
فعندما تعتمد الدولة على موازنة نفوذ الجماعات والقبائل بدلا من بناء مؤسسات مستقلة، فإنها تصبح جزءا من شبكة المصالح نفسها التي يفترض أن تنظمها.والدولة التي لا تحتكر القوة القانونية تفقد أحد أهم شروط وجودها.لكن معالجة هذه المشكلة لا تعني إلغاء البنية الاجتماعية اليمنية، بل تحويلها من مصدر تنافس على السلطة إلى مكونات مشاركة داخل دولة القانون.فالتنوع الاجتماعي ليس المشكلة، بل المشكلة هي غياب الدولة القادرة على تنظيم هذا التنوع.اقتصاد الحرب عندما يصبح استمرار الصراع مصلحة من أصعب جوانب الحروب الطويلة أن الصراع لا يستمر فقط بسبب الخلافات السياسية، بل أيضا بسبب ظهور مصالح مرتبطة باستمراره.ففي بيئة الحرب تنشأ شبكات تستفيد من الفوضى: اقتصاد غير رسمي، تجارة خارج القانون، سيطرة على الموارد، واستغلال لانهيار المؤسسات.وهذا يجعل إنهاء الحرب أكثر تعقيدا، لأن بعض الأطراف قد ترى في استمرار الأزمة وسيلة للحفاظ على نفوذها.لكن الثمن الحقيقي لهذا الاقتصاد يدفعه المواطن اليمني، الذي يعيش بين الفقر والبطالة وانهيار الخدمات.
فالحرب لا تدمر المباني فقط، بل تدمر أيضا الثقة بين الإنسان والدولة، وتخلق أجيالا ترى السلاح طريقا للوجود السياسي والاجتماعي.ولهذا فإن بناء السلام يحتاج إلى معالجة مصالح الحرب، وليس فقط توقيع اتفاقيات سياسية.اليمن في صراع النفوذ الإقليمي لم تعد الأزمة اليمنية شأنا داخليا فقط، فقد أصبحت جزءا من صراع إقليمي واسع تتداخل فيه الحسابات الأمنية والسياسية.تنظر السعودية إلى اليمن باعتباره قضية أمن قومي بسبب الحدود المشتركة، وترى أن وجود قوة مسلحة معادية بالقرب من أراضيها يمثل تهديدا مباشرا.أما إيران، فقد أصبحت علاقتها بالحوثيين جزءا من صراع النفوذ الإقليمي، حيث تتهمها أطراف يمنية ودولية بتقديم دعم سياسي وعسكري للجماعة، بينما تقدم طهران هذه العلاقة ضمن إطار دعم حلفائها في المنطقة.كما لعبت الإمارات دورا مهما في المشهد اليمني، خصوصا في الجنوب، عبر دعم قوى محلية انطلاقا من اعتبارات مرتبطة بالأمن البحري ومواجهة الجماعات المسلحة.لكن المشكلة الأساسية أن اليمن تحول إلى ساحة لصراعات أكبر من حدوده، بينما بقي المواطن اليمني الطرف الذي يدفع التكلفة الأكبر.
فالدولة التي تفقد قدرتها على حماية قرارها الوطني تصبح أكثر عرضة لأن تتحول إلى مساحة لتنافس الآخرين.المجتمع الدولي إدارة الأزمة بدل إنهائها رغم سنوات الحرب، لم ينجح المجتمع الدولي في الانتقال من مرحلة احتواء الأزمة إلى مرحلة حلها. فالمساعدات الإنسانية والجهود الدبلوماسية ضرورية، لكنها لا تكفي إذا لم ترافقها رؤية سياسية لإعادة بناء الدولة.لقد تعامل العالم مع اليمن كثيرا باعتباره ملفا إنسانيا وأمنيا، بينما كانت المشكلة الأساسية سياسية تتعلق بشكل الدولة وطبيعة السلطة. فالجوع والمرض نتائج للحرب، لكن جذور الحرب مرتبطة بفشل سياسي طويل.كما أن الموقع الاستراتيجي لليمن بالقرب من البحر الأحمر ومضيق باب المندب جعل القوى الكبرى تنظر إليه من زاوية المصالح الأمنية والتجارية.لكن اليمن ليس مجرد موقع جغرافي مهم، بل وطن يعيش فيه شعب له حق في الاستقرار والتنمية.الحل بناء الدولة قبل تقاسم السلطة إن أي اتفاق ينهي القتال دون معالجة أسباب الأزمة سيكون مجرد هدنة مؤقتة.اليمن يحتاج إلى مشروع سياسي يعيد تعريف الدولة نفسها، لا مجرد اتفاق بين القوى المتصارعة على توزيع النفوذ.يحتاج إلى دولة يكون فيها الجيش مؤسسة وطنية، والقضاء مستقلا، والإدارة قائمة على الكفاءة، وليس على الولاءات.كما يحتاج إلى معالجة القضية الجنوبية عبر حوار سياسي عادل، وإعادة بناء الاقتصاد، ودعم التعليم والصحة، وخلق فرص للشباب.فالسلام لا يتحقق فقط عندما تتوقف البنادق، بل عندما يصبح المواطن غير مضطر إلى البحث عن حماية خارج الدولة.
أزمة اليمن هي أزمة عقل سياسي فإن مأساة اليمن ليست فقط مأساة حرب، بل مأساة عقل سياسي لم يستطع بناء دولة تتسع للجميع.لقد تعاملت معظم القوى السياسية مع السلطة باعتبارها غنيمة يجب السيطرة عليها، لا مسؤولية يجب تحملها.فكل طرف تحدث باسم الوطن، لكن كثيرا من المشاريع تعاملت مع الوطن باعتباره مساحة نفوذ خاصة.ولهذا فإن الحل الحقيقي لا يبدأ فقط بتغيير القيادات، بل بتغيير الأفكار التي أنتجت الأزمة.اليمن لا يحتاج إلى انتصار طرف على آخر، لأن انتصار القوة على القوة لا يصنع دولة، بل يؤجل الصراع.ما يحتاجه اليمن هو انتصار فكرة الدولة: دولة لا يكون فيها المواطن تابعا لجماعة، ولا رهينة للسلاح، ولا أسيرا للخوف.فالأوطان لا تنهض عندما يهزم طرف خصمه، بل عندما تنتصر المواطنة على الانقسام، والقانون على القوة، والدولة على منطق الصراع.