د. فاضل حسن شريف
جاء في موقع العتبة الحسينية المقدسة عن الإمام الحسن المُجْتَبَى عليه السلام عنوان الكرم للكاتب علي عباس فاضل: الكرم من الصفات الحميدة التي يتصف بها الإنسان، وقد عُدَّ الكرم من الشجاعة لما لكريم من شجاعة الإعطاء وشهامة البذل للمقابل، وقد عرف عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وأهل بيته اتصافهم بكرم منقطع النَّظير، فهم سند لمن لا سند له، يبذلون كل ما يملكون في سبيل الله، حتى نفوسهم والجود بالنفس أقصى غاية الجود، ومما يطالعنا في سيرة أهل البيت عليهم السَّلَام ما نزل من القرآن الكريم عن كرمهم وسخائهم، قال تعالى: “وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا” (الانسان 8-9). ومن أهل البيت الذين اتصفوا بالكرم الإمام الحسن المُجْتَبَى عليه السلام، وله في ذلك أقوال وحكم كثيرة نأخذ بعضًا منها، قوله عليه السلام: (أما الكرم فالتبرع بالمعروف والاعطاء قبل السؤال والإطعام في المحل)، وروي (التَّبَرُّعُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالْإِعْطَاءُ قَبْلَ السُّؤَالِ، مِنْ أَكْبَرِ السُّؤْدَدِ)، فالإمام عليه السلام يحث على التبرع للمعروف، والإعطاء قبل السؤال لأنفي السؤال إراقة لماء وجه السائل، فحفاظا على حياء السائل كان الإمام عليه السلام يعطيه حاجته قبل سؤاله له، ويصف ذلك بأنه أكبر السؤدد، أي هو من أعظم مراتب المجد والشرف. ومن أقٌواله عليه السلام: (إِنَّ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِ قُوَّةً فِي دِينٍ، وَ كَرَماً فِي لِينٍ، وَ حَزْماً فِي عِلْمٍ، وَ عِلْماً فِي حِلْمٍ، وَ تَوْسِعَةً فِي نَفَقَةٍ، وَ قَصْداً فِي عِبَادَةٍ)، فقد جعل الإمام الحسن عليه السلام الكرم من أخلاق المؤمن، فلا بد للمؤمن أن يكون كريما لا بخيلا، وهو الصفة الثانية بعد قوة الدين، ويجب أن يكون مقرونا باللين لا بالغلظة، حتى يكون الكرم على أتم وجه، لأن الكرم من المعروف وقد قال عليه السلام عنه: (الْمَعْرُوفُ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ مَطْلٌ، وَ لَمْ يَتْبَعْهُ مَنٌ)، وقال عن البخل وقد سئل عنه: (البُخلُ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ مَا أَنْفَقَهُ تَلَفاً، وَ مَا أَمْسَكَهُ شَرَفاً)، ولا بد للكريم أن لا يتبع كرمه بالمنة والرياء، والأفضل أن يكون سرًّا، وأن لا يعدد ما قام به من أفعال الكرم لأن ذلك يكون مدعاة إلى محق كل ما فعله، روي عن الإمام الحسن عليه السلام قوله: (مَنْ عَدَّدَ نِعَمَهُ مَحَقَ كَرَمَهُ). وأوسع ما يكون من الكريم العفو والمغفرة عند المقدرة، فالعفو عن الذنب من الكرم الذي يتصف به المؤمن الحقّ، قال عليه السلام: (أَوْسَعُ مَا يَكُونُ الْكَرِيمُ بِالْمَغْفِرَةِ إِذَا ضَاقَتْ بِالْمُذْنِبِ الْمَعْذِرَةُ)، وكان الإمام الحسن عليه السلام مثالا لهذا القول فعلا إذ روي عن(الامام الحَسَن بن عَلِيّ المُجْتَبَى عليه السلام وَقَدْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ فُلَاناً يَقَعُ فِيكَ. فَقَالَ عليه السلام: (أَبْقَيْتَنِي فِي تَعَبٍ، أُرِيدُ الْآنَ أَنْ أَسْتَغْفِرَ اللَّهَ لِي وَ لَهُ)، فكان منه العفو سجية، ثم لم يكتف بالعفو عن المذبب، بل بالدّعاء له بالمغفرة عن ذنبه الذي أذنبه.
عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله عز وجل “وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي ۚ هَـٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ” ﴿الأعراف 203﴾ “وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها” ﴿الأعراف 203﴾ معناه إنك يا محمد إذا جئتهم بآية كذبوا بها وإذا أبطأت عنهم يقترحونها ويقولون هلا جئتنا به من قبل نفسك فليس كل ما تقولـه وحي من السماء عن قتادة ومجاهد والزجاج. وقيل: معناه إذا لم تأتهم بآية مقترحة قالوا هلا اخترتها من قبل نفسك فتسأل ربك أن يأتيك بها عن ابن عباس والجبائي وأبي مسلم. “قل” يا محمد لهم “إنما أتبع ما يوحى إليَّ من ربي” أي لست آتي بالآيات من عندي وإنما يفعلها الله تعالى ويظهرها على حسب ما يعلم من المصلحة في ذلك لا بحسب اقتراح الخلق وإنما أتبع الوحي ولا أتعداه وليس لي أن أسأله إنزال الآيات إلاّ بعد إذنه في السؤال. “هذا بصائر من ربكم” ﴿الأعراف 203﴾ هذا القرآن دلائل ظاهرة وحجج واضحة وبراهين ساطعة من ربكم يبصر الإنسان بها أمور دينه “وهدى ورحمة” ﴿الأعراف 203﴾ أي ودلالة تهدي إلى الرشد ونعمة في الدين والدنيا “لقوم يؤمنون” ﴿الأعراف 203﴾ خص المؤمنين بالذكر لأنهم المنتفعون بها دون غيرهم من الكفار وفي هذه الآية دلالة على أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله تابعة للوحي وأنه لا يجوز أن يعمل بالرأي والقياس. النظم: قيل إن هذه الآية اتصلت بقولـه “يسألونك عن الساعة” (الأعراف 18) وتقديره ويسألونك عن الآيات فإذا لم تأتهم بها قالوا لولا اجتبيتها عن أبي مسلم. وقيل: اتصلت بما قبلها من قولـه “وإخوانهم يمدونهم” ومعناه يبقون في الضلالة وإذا لم تأتهم بآية يسألون عنها فقالوا كذا.
لم يعمل أخ الامام الحسين الامام الحسن عليهما السلام بالتقية مع معاوية كما جاء في کتاب أضواء على التقيّة للمؤلف السيد علي الصدر: كما تلاحظ ذلك في الاحتجاج الصارخ الذي احتجّ به سيّدنا الامام الحسن المجتبى عليه السلام، وصكّ به مسامع الطواغيت معاوية وأذنابه الذي التفّوا حوله، حتّى أخزاهم وسوّد الفضاء عليهم بلا خوف ولا تقيّة، وبكلّ قدرة وقوّة وذلك حين اجتمع عند معاوية عمرو بن عثمان بن عفّان، وعمرو بن العاص، وعتبة بن أبي سفيان، والوليد بن عقبة بن أبي المعيط، والمغيرة بن شعبة. وقد اجتمعوا على باطل واحد، ووقعوا بالسب في مولى الموحدين وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فتكلّم سيّدنا الامام الحسن عليه السلام بكلّ صراحة، وبمنتهى الشجاعة وبدون أدنى تقية، فقال ما نصّه: (الحمد لله الّذي هدى أوّلكم بأوّلنا وآخركمم بآخرنا وصلّى الله على سيّدنا محمّدٍ النّبيّ وآله وسلّم). ثمّ قال: (اسمعوا منّي مقالتي وأعيروني فهمكم. وبك أبدأُ يا معاوية، ثمّ قال لمعاوية: إنّه لعمر الله يا أزرق ما شتمني غيرك وما هؤلاء شتموني، ولا سبّني غيرك وما هؤلاء سبّوني ولكن شتمتني، وسببتني فحشاً منك وسوء رأيٍ وبغياً وعدواناً وحسداً علينا وعداوةً لمحمّدٍ صلى الله عليه وآله قديماً وحديثاً. وإنّه والله لو كنت أنا وهؤلاء يا أزرق مشاورين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وحولنا المهاجرون والأنصار ما قدروا أن يتكلّموا بمثل ما تكلّموا به ولا استقبلوني بما استقبلوني به. فاسمعوا منّي أيّها الملأُ المخيّمون المعاونون عليّ، ولا تكتموا حقّاً علمتموه، ولا تصدّقوا بباطلٍ نطقت به، وسأبدأ بك يا معاوية فلا أقول فيك إلّا دون ما فيك. أنشدكم بالله هل تعلمون أنّ الرّجل الّي شتمتموه صلّى القبلتين كلتيهما وأنت تراهما جميعاً ضلالةً تبعد اللّات والعزّى، وبايع البيعتين كلتيهما بيعة الرّضوان وبيعة الفتح؟ وأنت يا معاوية بالأُولى كافرٌ وبالأُخرى ناكثٌ). ثمّ قال: (أنشدكم بالله هل تعلمون أنّما أقول حقّاً إنّه لقيكم مع رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدرٍ ومعه راية النّبيّ صلى الله عليه وآله ومعك يا معاوية راية المشركين تعبد اللّات والعزّى وترى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله والمؤمنين فرضاً واجباً، ولقيكم يوم أحدٍ ومعه راية النّبيّ صلى الله عليه وآله ومعك يا معاوية راية المشركين، ولقيكم يوم الأحزاب ومعه راية النّبيّ صلى الله عليه وآله ومعك ـ يا معاوية ـ راية المشركين، وكلّ ذلك يفلج الله حجّته، ويحقّ دعوته، ويصدّق أحدوثته، وينصر رايته، وكلّ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله يرى عنه راضياً في المواطن كلّها ساخطاً عليك. ثمّ أنشدكم بالله ّ يرى هل تعلمون أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله حاصر بني قريظة وبني النّضير، ثمّ بعث عمر بن الخطّاب ومعه راية المهاجرين وسعد بن معاذٍ ومعه راية الأنصار. فأمّا سعد بن معاذٍ ؛ فجرح وحمل جريحاً، وأمّا عمر، فرجع وهو يجبّن أصحابه ويجبّنه أصحابه. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لأعطينّ الرّاية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، كرّار غير فرّار، ثمّ لا يرجع حتّى يفتح الله عليه.
وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله عز وجل “وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي ۚ هَـٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ” ﴿الأعراف 203﴾ قوله تعالى: “وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها” ﴿الأعراف 203﴾ إلى آخر الآية. الإِجتباء افتعال من الجباية، وقولهم: “لولا اجتبيتها” ﴿الأعراف 203﴾ كلام منهم جار مجرى التهكم والسخرية والمعنى على ما يعطيه السياق: أنك إذا آتيتهم بآية كذبوا بها وإذا لم تأتهم بآية كما لو أبطأت فيها قالوا: لولا اجتبيت ما تسميه آية وجمعتها من هنا وهناك فأتيت بها “قل” ليس لي من الأمر شيء و “إنما اتبع ما يوحى إلي من ربي هذا” القرآن “بصائر من ربكم” يريد أن يبصركم بها “وهدى ورحمة لقوم يؤمنون” ﴿الأعراف 203﴾.
جاء في کتاب الإمام الحسن السّبط عليه السلام سيرة وتاريخ للسيد سعيد كاظم العذاري: الإمام الحسن عليه السلام من الصلح حتى الشهادة: أخرج الحافظ ابن عقدة أنّ الحسن بن علي عليهما السلام لمّا أجمع على صلح معاوية قام خطيباً وحمدالله وأثنى عليه وذكر جدّه المصطفى صلى الله عليه وآله بالرسالة والنبوة ثم قال: (إنّا أهل بيت أكرمنا الله بالإسلام واختارنا واصطفانا وأذهب عنّا الرجس وطهّرنا تطهيراً، لم تفترق الناس فرقتين إلاّ جعلنا الله في خيرهما من آدم إلى جدّي محمد صلى الله عليه وآله، فلمّا بعث الله محمداً للنبوة واختاره للرسالة وأنزل عليه كتابه ثم أمره بالدعاء إلى الله عزّوجلّ فكان أبي أوّل من استجاب لله ولرسوله، وأوّل من آمن وصدّق الله ورسوله صلى الله عليه وآله وقد قال في كتابه المنزل على نبيّة المرسل: “أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْه” (هود 17) فجدّي الذي على بيّنة من ربّه وأبي الذي يتلوه وهو شاهد منه. وقد سمعت هذه الاُمّة جدي صلى الله عليه وآله يقول: ما ولّت أمة أمرها رجلاً وفيهم من هو أعلم منه إلاّ لم يزل يذهب أمرهم سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوه. وسمعوه يقول لأبي: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي. وقد رأوه وسمعوه حين أخذ بيد أبي بغدير خم وقال لهم: من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاده، ثمّ أمرهم أن يبلّغ الشاهد الغايب).