لم يكن يحمل سلاحه فقط، بل كان يحمل شبكة. شبكة من العلاقات امتدت بين أجهزة استخبارات، وفصائل مسلحة، وساسة، وشيوخ، وشخصيات متناقضة لا يجتمع بعضها مع بعض إلا في ملفات الأمن والحروب. كان يدخل أبواباً يعدها كثيرون محرمة، ويصافح خصوماً لا يلتقون إلا في الظل، ثم يخرج محملاً بالمعلومات أكثر مما يحمل من الولاءات. لهذا سأطلق عليه لقب “الرجل العنكبوت”. لم يكن لأنه يختبئ في الظلام، بل لأنه كان ينسج خيوطاً معقدة تمتد في كل اتجاه، حتى بدا أحياناً أن سقوط خيط واحد منها قد يؤدي إلى انهيار الشبكة كلها.
لكن تلك الشبكة التي صنعت نفوذه، صنعت أيضاً الجدل حوله. فهل كان جهادي يعمل في منطقة رمادية فرضتها الحرب؟ أم لاعباً أتقن التنقل بين المتناقضات إلى حد تجاوز فيه كل الخطوط الحمراء؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة إلى البداية، وتتبع حياته خطوة بخطوة، لفهم كيف تشكلت تلك الشخصية التي أصبحت واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في العراق الحديث.
الجذور:
وُلد هشام الهاشمي عام 1973 في ناحية الفجر التابعة لمحافظة الناصرية، وسط عائلة شيعية عاشت سنوات مضطربة في عراق السبعينيات والثمانينيات. اسمه الحقيقي هشام چلاب رعيد عبدالله محمد الركابي، أما الاسم الذي اشتهر به لاحقاً، “الهاشمي”، فلم يكن نسبه العائلي، بل اسماً اتخذه في مرحلة لاحقة من حياته، ليصبح الاسم الذي عرفه به الرأي العام ووسائل الإعلام.
في الثمانينيات، انتقلت عائلته من الناصرية إلى بغداد، حيث أمضى سنوات مراهقته في العاصمة التي كانت تعيش على وقع الحرب العراقية الإيرانية والتحولات السياسية والأمنية التي طبعت جيلاً كاملاً. هناك، وبين أحياء بغداد المتشابكة، تشكلت ملامح شخصيته الأولى، في بيئة امتزج فيها تأثير العائلة والمجتمع مع واقع سياسي شديد التعقيد.
كانت تلك السنوات أكثر من مجرد انتقال جغرافي. فقد وضعت الفتى القادم من جنوب العراق في قلب العاصمة، حيث بدأت رحلته التي ستقوده لاحقاً إلى مسارات غير متوقعة، ليصبح واحداً من أكثر الشخصيات العراقية إثارة للجدل في العقود اللاحقة.
التحول الاول، الطريق إلى السلفية الجهادية:
شكلت منتصف تسعينيات القرن الماضي نقطة التحول الأبرز في حياة هشام الهاشمي. ففي أعقاب حرب الخليج الثانية والحصار الاقتصادي، أطلق نظام صدام حسين ما عُرف بـ “الحملة الإيمانية الكبرى”، وهي مبادرة هدفت إلى إضفاء طابع ديني على الدولة وتعزيز شرعية النظام عبر الخطاب الإسلامي.
أحدثت الحملة تحولاً واسعاً في المشهد الديني العراقي. فقد شهدت البلاد طفرة غير مسبوقة في بناء المساجد، وأُنشئ أكثر من مئتي جامع في بغداد وحدها، من أبرزها جامع أم المعارك، الذي يعرف اليوم بجامع أم القرى، وجامع الرحمن. وفي تلك البيئة الجديدة، وجد التيار السلفي الوهابي مساحة أوسع للانتشار والنشاط، مستفيداً من الانفتاح النسبي الذي وفرته الحملة الإيمانية.
وسط هذا المناخ الفكري، بدأ الهاشمي تحوله الأيديولوجي. فقد ارتاد، برفقة صديقه مهند الساعدي، المعروف لاحقاً باسم أبو ميسرة العراقي، حلقات العلم والدروس الشرعية التي كانت تُقام في مساجد الحملة الإيمانية. وهناك تأثر بعدد من علماء التيار السلفي، ومن بينهم الشيخ صبحي السامرائي، قبل أن يتعمق في دراسة التراث السلفي وأدبياته.
لم يقتصر الأمر على الاهتمام الفكري، بل انخرط الهاشمي في جماعة الموحدين، واتخذ لنفسه كنية “أبو هريرة”. وخلال تلك المرحلة، اكتسب معرفة واسعة بالنصوص المؤسسة للفكر السلفي الجهادي وآليات عمل الجماعات الإسلامية، وهي المعرفة التي ستصبح لاحقاً إحدى أبرز أدواته عندما تحول إلى باحث متخصص في شؤون التنظيمات المتشددة.
لكن هذا المسار قاده أيضاً إلى أول مواجهة حقيقية مع أجهزة الدولة. ففي أواخر عام 2001، اعتُقل بتهمة مبايعة تنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن، على يد صديقه مهند الساعدي، المعروف بأبي ميسرة العراقي.
وأصدرت المحكمة حكماً بالإعدام على عشرين متهماً في القضية، كان من بينهم الهاشمي، إضافة إلى محمود المشهداني، الذي أصبح لاحقاً رئيساً لمجلس النواب العراقي.
كانت تلك اللحظة فاصلة في حياته. فلم يكن يدرك أن سقوط نظام صدام حسين بعد أقل من عامين سيغير مصير ذلك الحكم، ويفتح أمامه فصلاً جديداً، مختلفاً تماماً عن كل ما سبقه.
ما بعد ٢٠٠٣ في قلب العمل المسلح:
أدى سقوط نظام صدام حسين في نيسان/أبريل 2003، وما تبعه من حل الجيش والأجهزة الأمنية، إلى فراغ أمني غير مسبوق فتح الباب أمام صعود عشرات الجماعات المسلحة والتنظيمات الجهادية. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، دخل هشام الهاشمي مرحلة جديدة وأكثر تعقيداً في مسيرته.
بحسب روايات متعددة، نشب خلاف بين الهاشمي وأبي مصعب الزرقاوي، لينشق عنه لاحقاً ويساهم في تأسيس وتمويل “جيش المجاهدين”، أحد أبرز الفصائل المسلحة التي ظهرت بعد الاحتلال الأمريكي. وقد عُرف التنظيم بتنفيذه هجمات دامية استهدفت المدنيين الشيعة ومنتسبي الأجهزة الأمنية العراقية، وأسفرت عملياته عن آلاف الضحايا.
داخل التنظيم، كان الهاشمي يشغل منصب “المفتي الشرعي”، وهو موقع يتولى إصدار الفتاوى التي تمنح الغطاء الشرعي للعمليات العسكرية والتفجيرات، استناداً إلى التفسير الذي كان يتبناه التنظيم للشريعة الإسلامية. ومن أبرز الجرائم التي نُسبت إلى جيش المجاهدين اغتيال الشيخ هيثم الأنصاري، الذي قُتل في 30 كانون الأول/ديسمبر 2004.
ومن الادعاءات التي رواها الهاشمي بنفسه، قوله إنه كان مسؤولاً عن جانب من استراتيجية التضليل الإعلامي داخل التنظيم. وذكر أن أحد أهم أهداف تلك الحملات كان الصحفي الأسترالي مايكل وير، مراسل شبكة CNN آنذاك. ووفقاً لرواية الهاشمي، كان التنظيم يعتقد أن وير ينقل ما يحصل عليه من معلومات إلى وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، ولذلك كانوا يحرصون على تمرير معلومات مضللة عبره، أملاً في وصولها إلى أجهزة الاستخبارات الأمريكية.
وضرب الهاشمي مثالاً على ذلك بحملة هدفت إلى المبالغة في تقدير أعداد المقاتلين الجهاديين المنتشرين في المناطق السنية. وكان الهدف من هذه العملية النفسية، أن تصل تلك التقديرات المبالغة إلى منظمة بدر، بما يدفع عناصرها إلى التردد في دخول تلك المناطق، اعتقاداً بأنها تضم أعداداً كبيرة من المسلحين.
وفي الوقت الذي كان ينشط فيه داخل العمل المسلح، كان يعمل تحت غطاء مدني كموظف في جمعية الهلال الأحمر العراقي في بغداد، وهو ما وفر له هامشاً للحركة بعيداً عن الأنظار.
انتهت هذه المرحلة باعتقاله أواخر عام 2004، ليُنقل إلى سجن بوكا، المعتقل الأمريكي الذي خرج منه لاحقاً عدد كبير من قادة التنظيمات المتشددة، وفي مقدمتهم تنظيم داعش. وتشير معلومات أمنية إلى أن رقمه في الملف الأمني كان 16646/كرخ.
غير أن هذا الملف أصبح لاحقاً موضع جدل. فبحسب مصدر أمني عراقي، جرى تنظيف الملف بالكامل، ولم تعد له أي آثار في الأرشيف الأمني العراقي، الأمر الذي أثار تساؤلات حول الكيفية التي اختفت بها الوثائق المتعلقة بإحدى أكثر المراحل غموضاً في حياة هشام الهاشمي.
التحول الثاني، المخبر أم العميل المزدوج؟
تشكل السنوات التي أعقبت خروجه من سجن بوكا الفصل الأكثر غموضاً وإثارة للجدل في حياة هشام الهاشمي. فبحسب رواياته وروايات مقربين منه، خرج من المعتقل عام 2006 في ظروف وصفها كثيرون بأنها “صفقة مشبوهة” مع القوات الأمريكية، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة لم يعد فيها مجرد منتمٍ سابق إلى جماعة جهادية، بل شخصاً يتحرك بين أجهزة الاستخبارات والتنظيمات المسلحة في آن واحد.
بعد الإعلان عن تشكيل جبهة التوافق العراقية بوصفها ممثلاً سياسياً بارزاً للمكون السني، انضم الهاشمي، برفقة نظام الرفاعي، إلى الجبهة ممثلاً عن جيش المجاهدين. إلا أن وجوده لم يدم طويلاً، إذ انتهى بفصله بعد فترة وجيزة.
لاحقاً غادر العراق إلى سوريا، ثم إلى المملكة العربية السعودية. ويقول الهاشمي إنه أقام في منزل الداعية السلفي المعروف سفر الحوالي، في إقامة امتدت حتى تموز/يوليو 2007. ويدعي أن الحوالي كلفه بمحاولة إقناع عدد من الفصائل السلفية المسلحة، مثل الجيش الإسلامي، وجيش المجاهدين، وأنصار السنة، بتوحيد موقفها ضد أبي مصعب الزرقاوي.
لكن السؤال الأهم يبقى: متى بدأ الهاشمي العمل مع الأمريكيين؟
لا توجد إجابة حاسمة. فالمصادر تختلف حول ما إذا كان هذا التعاون قد بدأ قبل اعتقاله أم بعد خروجه من السجن. إلا أن الهاشمي نفسه أقر في أكثر من مناسبة بأنه كان يتقاضى راتباً من القوات الأمريكية، وأنه حصل منهم على مكافآت وسيارة لقاء عمله كمصدر للمعلومات. وان لقبه الحركي لدى الامريكان كان “دوني براسكو” Donnie Brasco وهو اسم مقتبس من فلم سينمائي.
أما أبو علي البصري، رئيس خلية الصقور الاستخبارية، فيؤكد أن بداية عمله مع الهاشمي كانت عام 2007، بعد خروجه من السجن.
ويقول الهاشمي إنه استمر في التعاون مع الأمريكيين حتى العملية التي انتهت بمقتل زعيمي تنظيم دولة العراق الإسلامية، أبو عمر البغدادي وأبي حمزة المهاجر، قرب بحيرة الثرثار عام 2010.
ويروي الهاشمي أن ضابطاً كبيراً في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) أجرى معه عدة جلسات مطولة لاستخلاص المعلومات، وكان هو من أوصى بالاعتماد عليه كمصدر استخباري. ويصف ذلك الضابط بأنه كان أكبر سناً من بقية ضباط محطة بغداد، وأعلى رتبة منهم، ذا شعر رمادي، ويتحدث شيئاً من العربية، ويتمتع بمعرفة جيدة بالإسلام.
ومع مرور السنوات، اتسعت شبكة الجهات التي عمل معها. فإلى جانب تعاونه مع خلية الصقور الاستخبارية بقيادة أبو علي البصري، عمل أيضاً مع مستشار الأمن الوطني الأسبق فالح الفياض، كما تشير روايات متعددة إلى تعاونه مع أجهزة استخبارات فرنسية وسويدية وتركية، إضافة إلى جهات دولية، من بينها الأمم المتحدة.
إن مجرد استعراض هذه القائمة يكشف حجم التناقضات التي أحاطت بمسيرة الهاشمي. فقد كان يتعاون مع أجهزة أمنية عراقية وغربية، بينما ظل، في الوقت نفسه، يكتب في موقع الراصد.نت، الذي كان أحد القائمين عليه. وكان الموقع يُعرف بخطابه السلفي المتشدد، وبمواقفه الطائفية الحادة والمعادية للشيعة، واستمر الهاشمي في النشر فيه حتى كانون الأول/ديسمبر 2017.
هذا التناقض يثير تساؤلات يصعب تجاهلها. كيف يمكن لرجل يعمل مع مسؤولين أمنيين معظمهم من القوى السياسية الشيعية، ويتعاون مع أجهزة استخبارات متعددة، أن يواصل في الوقت نفسه الكتابة في منصة تتبنى خطاباً طائفياً متشدداً؟
ويصفه بعض من عملوا معه بأنه كان شديد الغموض والمراوغة. مثالاً على ذلك، إن الهاشمي ضغط في إحدى القضايا على خلية الصقور لتصفية هدف سعودي الجنسية بدلاً من اعتقاله. وعندما سُئل عن السبب، أجاب، “لو اعتُقل حياً لتحدث وكشف بلاوي عن السعوديين ودورهم.” ويرى الكاتب نبراس الكاظمي أن الهاشمي قال ذلك دون تردد، بما يوحي، من وجهة نظره، بوجود أجندة تخدم السعودية، وإن كان ذلك يبقى تفسيراً يخص الكاتب وليس حقيقة مثبتة.
وهنا تبرز واحدة من أكثر الأسئلة حساسية في هذه السيرة: لمن كان ولاء هشام الهاشمي؟
لا خلاف على أن المعلومات التي قدمها للأجهزة الأمنية العراقية والأمريكية ساهمت، وفق روايات متعددة، في الوصول إلى عدد من قادة تنظيم القاعدة، ومن أبرزهم أبو عمر البغدادي وأبو حمزة المهاجر.
لكن في المقابل، يطرح بعض الباحثين سؤالاً آخر: لماذا لم تؤدِ هذه العلاقة الاستخبارية إلى الإطاحة بشخصيات مثل أبو محمد الجولاني أو أبو بكر البغدادي، وهما شخصان كانا معه في سجن بوكا، قبل أن يصبح كل منهما زعيماً لتنظيمه؟
هل كانت مساعدته للأجهزة الأمنية في إزاحة قيادات معينة من المشهد، هي في نفس الوقت مجرد تمهيد طريق مدروس لـ “رفاق السجن” للتربع على عرش قيادة التنظيم والتخلص من خصومهم الداخليين؟
لا توجد أدلة قاطعة تجيب عن هذا السؤال. لكن بقاءه دون إجابة يعكس حجم الغموض الذي أحاط بدور الهاشمي، ويغذي الجدل المستمر حول ما إذا كان مجرد مصدر معلومات للأجهزة الأمنية، أم لاعباً كان يتحرك في أكثر من اتجاه، محافظاً على خيوط علاقاته مع أطراف متناقضة في الوقت نفسه.
من الجهاد الى النجومية:
مع اجتياح تنظيم داعش لمساحات واسعة من العراق عام2014، برز هشام الهاشمي بوصفه أحد أكثر الوجوه حضوراً على الشاشات العراقية والعربية. فقد تحول، خلال فترة قصيرة، إلى ضيف دائم على القنوات التلفزيونية بصفته خبيراً في شؤون الجماعات المتطرفة، مستفيداً من معرفته العميقة ببنية تلك التنظيمات وخلفياتها الفكرية.
لكن ظهوره الإعلامي لم يكن التحول الوحيد في تلك المرحلة. فبحسب رواية الهاشمي، استغل علاقاته المتنامية مع الأجهزة الأمنية للتوسط في عقد صفقة تقضي بالإفراج عن قائده السابق في “جيش المجاهدين”، “محمد حردان هاشم العيساوي”، مقابل تعاونه مع الأجهزة الأمنية العراقية.
وفي الوقت نفسه، يكشف الهاشمي عن واقعة أخرى لافتة. إذ يقول إنه تلقى رسالة من زعيم تنظيم داعش، أبو بكر البغدادي، يدعوه فيها إلى الالتحاق بما كان التنظيم يسميه “دولة الخلافة”. ويذكر أن الرسالة تضمنت عبارة مفادها أن “الخليفة” ما زال يرى فيه “بقايا طيبة”، ودعاه إلى التوبة وفتح صفحة جديدة والانضمام إلى التنظيم.
وبينما كان داعش يحاول استقطابه، كان الهاشمي يسير في الاتجاه المعاكس. ففي تلك الفترة انخرط في مشروع إعلامي يهدف إلى مواجهة دعاية التنظيم على مواقع التواصل الاجتماعي.
وعمل مع الكاتب والإعلامي سرمد الطائي على تأسيس شبكة من المؤثرين العراقيين لتنسيق جهودهم الإعلامية ضد تنظيم داعش، وذلك برعاية منظمة بريطانية هي معهد صحافة الحرب والسلام. وبدأ المشروع بنحو عشرين مشاركاً، كان كل واحد منهم يتقاضى راتباً شهرياً يتناسب مع حجم تأثيره وانتشاره على وسائل التواصل الاجتماعي. وانشأ في هذه الاثناء مجموعة “الخوة النظيفة” على الفيسبوك.
ويروي الهاشمي تفاصيل غير مألوفة عن هذا المشروع. إذ تحدث عن “يهودي بريطاني” قال إنه كان يدير المشروع من وراء الستار، مضيفاً أنه كان يعتقد أن للإسرائيليين دوراً ما في إدارته، دون أن يقدم دليلاً على ذلك. وبالبحث في هذا المشروع، يمكن الوصول إلى أن القائمين على المعهد هم اسرائيليين وهم كل من أنتوني بوردن، وريتشل ريد، وجورج بيكر. وقد أفرد الكاتب جمال جمعة فصلاً كاملاً لهم ولأدوارهم في كتابه “مقهى وكتاب”، حيث يستعرض بالتفصيل آلية عمل المعهد، وهيكليته، وطبيعة الأدوار التي اضطلع بها هؤلاء.
كما ذكر أن مهندساً من شركة فيسبوك حضر لتدريب المشاركين على تقنيات تساعد في زيادة الوصول والتفاعل مع المحتوى.
كان ذلك يمثل تحولاً جديداً في مسيرة الهاشمي. فالرجل الذي أمضى سنوات داخل أوساط التيار السلفي والجماعات المسلحة، أصبح اليوم أحد أبرز الوجوه المدنية والإعلامية في الحرب على التطرف. غير أن ماضيه لم يغب عن المشهد، بل ظل يلاحقه، ويجعل من كل مرحلة جديدة في حياته سبباً لطرح المزيد من الأسئلة حول حقيقة الأدوار التي لعبها، والجهات التي عمل معها، والخط الرفيع الذي كان يفصل بين الباحث، والمخبر، والوسيط، والرجل الذي عرف الجميع.
النهاية، حين انكشفت الخيوط:
في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، وقع حدث ربما كان الأخطر في حياة هشام الهاشمي، حتى وإن لم يدرك كثيرون أهميته في حينها.
ففي ذلك اليوم، نشرت صحيفتا The Intercept وThe New York Times مقتطفات من نحو 700 صفحة من وثائق مسربة نُسبت إلى وزارة الاستخبارات الإيرانية (إطلاعات). وقالت الصحيفتان إن الوثائق وصلتهما من مصدر مجهول، ثم خضعت لعملية تحقق قبل نشرها، بينما بقيت هوية من سربها مجهولة.
يلفت كاتب المصدر “نبراس الكاظمي” إلى أن أكثر ما استوقفه في تلك الوثائق كان الحديث عن مصدر يحمل الرقم 134992.
ويقول إن الوثيقة بدت وكأنها كُتبت في بداية العلاقة مع ذلك المصدر، وتحديداً في تشرين الثاني/نوفمبر 2014.
كانت الصحيفتان قد تعمدتا حذف أو إخفاء أي تفاصيل قد تكشف هويات المتعاونين مع الاستخبارات الإيرانية. ومع ذلك، يقول الكاتب إنه تمكن من التعرف على أحد المصادر الآخرين الواردين في الوثائق، وهو شخص عمل مستشاراً لرئيس البرلمان العراقي، وانتشر اسمه لاحقاً على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي.
أما المصدر رقم 134992، فقد بقي مجهولاً بالنسبة لمعظم القراء.
لكن الكاتب يقول: “لم يكن مجهولاً بالنسبة لي.”
وبحسب الوثائق، أبلغ ذلك المصدر الاستخبارات الإيرانية بأنه سبق أن عمل مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، وعرض عليهم تزويدهم بكل ما يعرفه عن أساليب عملها في العراق، بما في ذلك مواقع البيوت الآمنة، وأسماء الفنادق التي كان ضباط الوكالة يعقدون فيها لقاءاتهم، وتفاصيل تدريبه على الأسلحة والمراقبة، إضافة إلى أسماء العراقيين الذين كانوا يعملون مع الأمريكيين.
كما جاء في الوثائق أن المصدر قال إنه عمل مع الـCIA لمدة ثمانية عشر شهراً، ابتداءً من عام 2008، ضمن برنامج يستهدف تنظيم القاعدة، مقابل راتب شهري قدره ثلاثة آلاف دولار، ومكافأة بلغت عشرين ألف دولار، وسيارة.
وتضيف الوثائق أنه أقسم على القرآن بأن أيام عمله مع الولايات المتحدة قد انتهت، وتعهد بتسليم الإيرانيين كل ما بحوزته من وثائق ومقاطع فيديو ومواد تدريبية، إضافة إلى الصور والبيانات الخاصة بالمتدربين الذين عملوا معه.
لكن التفصيل الذي حسم هوية المصدر، بحسب الكاتب، كان مختلفاً.
فقد ذكرت الوثيقة أن الأمريكيين كانوا يطلقون على المصدر الاسم الحركي “Donnie Brasco”.
يقول الكاتب، “في اللحظة التي قرأت فيها هاتين الكلمتين، عرفت أنه هشام الهاشمي.”
ويضيف أن سبب يقينه يعود إلى لقاء جمعه بالهاشمي في أحد مقاهي إسطنبول مطلع عام 2011، حين أخبره الهاشمي بنفسه أن الأمريكيين أطلقوا عليه هذا الاسم الحركي. ويتذكر أن الهاشمي نطق الاسم بطريقة بدت أقرب إلى “دوني”، ثم بدا محرجاً لأن الكلمة تحمل معنى سلبياً في اللهجة العراقية. عندها أخبره الكاتب أن الاسم مأخوذ من فيلم أمريكي يروي القصة الحقيقية لعميل متخفٍ في مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI).
ورغم ذلك، يبقى احتمال آخر قائماً، فمن الممكن أن يكون هشام الهاشمي قد أُرسل أصلاً لاختراق جهاز الاستخبارات الإيراني.
وفي سنواته الأخيرة، أخذ الهاشمي يركز كتاباته بشكل متزايد على الفصائل الشيعية، وهي الفصائل التي كانت تربطه بها علاقات معقدة، خصوصاً خلال الحرب ضد تنظيم داعش.
كما لعب دوراً محورياً في تأسيس فرق الدعم الإعلامي لاحتجاجات تشرين، من خلال عمله وفريقه في مشروع معهد صحافة الحرب والسلام، وساهم في تنسيق شبكة من المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي.
وعندما اندلعت الاحتجاجات، أعلن تأييده لها عبر حسابه على تويتر، وسرعان ما أصبح، بالنسبة لكثيرين، أحد أبرز الأصوات المؤيدة للحركة الاحتجاجية.
لكن الرجل الذي قضى حياته متنقلاً بين التنظيمات الجهادية، وأجهزة الاستخبارات، والسياسة، والإعلام، كان يخوض لعبة بالغة الخطورة.
لقد نسج شبكة من العلاقات امتدت بين أطراف متخاصمة، وحاول أن يبقى واقفاً في منتصفها جميعاً.
وفي النهاية، لم تعد تلك الشبكة قادرة على حمايته.
في مساء 6 تموز/يوليو 2020، اغتيل هشام الهاشمي أمام منزله في بغداد، لتنتهي حياة الرجل الذي أمضى عقوداً يتنقل بين الولاءات المتناقضة، ويسدل الستار على واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ العراق المعاصر.
ويبقى السؤال الذي رافق سيرته حتى النهاية دون إجابة حاسمة:
هل كان هشام الهاشمي جهادياً اخترق أجهزة الاستخبارات، أم عميلاً مزدوجاً حاول اللعب على جميع الأطراف، قبل أن تصطاده الشبكة التي ظن أنه يتحكم بخيوطها؟
كتبه سلام ياسين الجبوري
في 2026/07/23
—————————–
كل ما كتب هو معلومات عامة على الانترنت من مصادر مختلفة قمت بتجميعها في مقال واحد.
الشكر الجزيل لكل من ساعد بالمصادر والمعلومات،
ساضع كل المصادر في التعليقات