جديد

المنصب العام: خدمة للوطن والمواطن أم باب للثراء والفساد ؟

رياض سعد

ليست أزمة العراق، ولا كثير من بلدان المنطقة، في ندرة القوانين أو غياب المؤسسات فحسب، بل في الثقافة التي تحكم العلاقة مع المنصب العام… ؛  فبينما تنظر الدول الحديثة إلى المنصب بوصفه تكليفًا مؤقتًا لخدمة المجتمع، ما زال كثيرون ينظرون إليه باعتباره غنيمة شخصية وفرصة نادرة للثراء والنفوذ واستعراض القوة… ؛  وهنا تبدأ المأساة؛ إذ يتحول المنصب من مسؤولية أخلاقية إلى مشروع استثماري، ومن خدمة عامة إلى ملكية خاصة، ومن وسيلة لتحقيق الصالح العام إلى وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية والفئوية والحزبية .

عندما يُعيَّن مسؤول في كثير من مجتمعاتنا، تنهال عليه التهاني وكأنه حقق انتصارًا شخصيًا أو فاز بجائزة كبرى، بينما الأصل أن يُقال له: أعانك الله على أداء الأمانة، ووفقك لخدمة الناس، وجعلك أهلًا للمساءلة قبل الامتياز… ؛  فالمنصب ليس تشريفًا، وإنما حملٌ ثقيل ومسؤولية أمام القانون والضمير والتاريخ.

لكن الثقافة السائدة رسخت تصورًا مختلفًا؛ إذ أصبح المنصب في أذهان كثيرين بابًا من أبواب الرزق، لا بابًا من أبواب الخدمة… ؛  وأصبح الوصول إليه يعني الحصول على سيارة فارهة، وحمايات، ومخصصات، ونفوذ، وعقود، وامتيازات، لا مضاعفة ساعات العمل أو تحمل أعباء خدمة المواطنين… ؛  ومع غياب المحاسبة، يتحول المنصب إلى استثمار يدر أرباحًا لا إلى وظيفة تؤدى بضمير.

إن الأنظمة السياسية والإدارية الفاشلة لا تكتفي بإنتاج الفساد، بل تعيد إنتاجه جيلاً بعد جيل؛ فهي تُدرِّب كوادرها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على أن المنصب ملكية شخصية لا وظيفة عامة، وأن الولاء للأشخاص أهم من الولاء للقانون، وأن الحصانة أقوى من المساءلة… ؛  وعندما يغيب معيار الإنجاز، ويحضر معيار الولاء، يصبح الفساد نتيجة طبيعية لا استثناءً عابرًا.

ومن منظور علم الاجتماع، فإن المجتمع الذي يربط المكانة الاجتماعية بالسلطة أكثر من ربطها بالكفاءة، يدفع أفراده إلى السعي وراء المناصب لا من أجل الخدمة، بل من أجل الهيبة والمكاسب… ؛  ومن هنا يصبح المنصب وسيلة لتغيير الطبقة الاجتماعية، وتوسيع شبكة النفوذ، وتوزيع المنافع على الأقارب والأتباع، وهو ما يرسخ المحسوبية والزبائنية ويقوض فكرة المواطنة.

أما من الناحية النفسية، فإن بعض الشخصيات التي تصل إلى السلطة تعاني ما يمكن وصفه بـ”تضخم الأنا”، حيث تتحول الصلاحيات إلى شعور بالتفوق والاستحقاق المطلق، فيعتقد صاحب المنصب أنه فوق القانون، وأن الآخرين خُلقوا لخدمته… ؛  ويزداد هذا الشعور عندما لا يواجه أي مساءلة حقيقية، فيتوسع تدريجيًا من إساءة استخدام النفوذ إلى الفساد المالي والإداري، وربما إلى الانتهاكات الأخلاقية والجنسية واستغلال الفئات الأضعف… ؛  ولعل من أبشع صور انحراف السلطة أن يستغل بعض المسؤولين نفوذهم لابتزاز العاملين أو العاملات أو التحرش بهم أو الاعتداء عليهم، وهو سلوك لا يمثل مجرد فساد أخلاقي، بل جريمة تستوجب المحاسبة القانونية الصارمة.

ومن منظور الأنثروبولوجيا السياسية، فإن جذور هذه الظاهرة تمتد إلى البنى التقليدية التي تجعل السلطة امتدادًا لسلطة الأب أو شيخ العشيرة أو الزعيم، حيث يصبح صاحب الموقع هو الآمر الناهي، وتصبح الموارد العامة جزءًا من سلطته الشخصية… ؛  وهكذا تنتقل العقلية الأبوية من الأسرة إلى الدولة، فيُعامل الموظفون والمواطنون كما لو كانوا تابعين لا أصحاب حقوق، ويُنظر إلى المنصب بوصفه ملكية خاصة لا أمانة عامة.

وفي العراق، اكتسبت هذه الظاهرة أبعادًا أكثر تعقيدًا بفعل تراكم عقود من الاستبداد والحروب والعقوبات والانهيار المؤسسي، ثم تفاقمت بعد عام 2003 مع انتشار المحاصصة السياسية والحزبية والطائفية، حيث أصبحت المناصب في كثير من الأحيان جزءًا من تقاسم النفوذ بين القوى السياسية، لا نتيجة المنافسة على الكفاءة والخبرة… ؛  وفي مثل هذه البيئات، تغدو الوظيفة العامة أحيانًا مكافأة للولاء السياسي أو الحزبي، ويُنظر إلى المؤسسة على أنها مورد يجب استثماره قبل أن ينتقل إلى طرف آخر.

ولم يكن التاريخ العراقي وحده شاهدًا على هذه الظاهرة؛ فقد عرف التاريخ الإنساني، منذ الإمبراطوريات القديمة وحتى العصور الحديثة، أن ضعف الرقابة وتحول الولاء الشخصي إلى أساس للحكم يؤديان إلى شيوع الرشوة واستغلال السلطة ونهب المال العام. لذلك جاءت فكرة الدولة الحديثة لتقوم على مبدأ بسيط لكنه جوهري: لا أحد فوق القانون، والسلطة تقترن دائمًا بالمسؤولية والمساءلة.

إن الإنسان يسعى بطبيعته إلى تحقيق حاجاته المتعددة، ومنها المكانة الاجتماعية والمال والنفوذ، لكن الدولة المدنية لا تمنع هذا السعي، بل تنظمه بالقانون والأخلاق… ؛  أما عندما تصبح السلطة الطريق الأسهل إلى الثروة، فإن التنافس على المناصب يتحول إلى صراع على الغنائم، لا إلى تنافس في خدمة المجتمع.

ولهذا فإن الفارق الحقيقي بين الدول لا يكمن في عدد المسؤولين الشرفاء أو الفاسدين، بل في قوة المؤسسات… ؛  ففي الدول التي تحترم القانون، يخضع المسؤول للمحاسبة مهما علا منصبه، ويغادر مكتبه كما دخله مواطنًا عاديًا… ؛  أما في الدول الضعيفة، فإن المنصب يتحول إلى حصن يحتمي به الفاسد، وإلى وسيلة للإثراء غير المشروع، حتى يصبح المال العام نهبًا، وتُستخدم الوظيفة للابتزاز واستغلال النفوذ، وتتراجع هيبة الدولة أمام هيبة الأشخاص.

إن الخروج من هذا المأزق لا يتحقق بالشعارات ولا بتبديل الوجوه، بل بإعادة بناء الثقافة السياسية على أساس أن الوظيفة العامة أمانة لا امتياز، وأن المسؤول خادم للمجتمع لا سيد عليه، وأن قيمة الإنسان تُقاس بما يقدمه للوطن لا بما يحصل عليه من نفوذ… ؛  ويتطلب ذلك إصلاحًا تربويًا وثقافيًا وإداريًا وقضائيًا يعيد الاعتبار لمبدأ الكفاءة، ويكافح المحسوبية، ويضمن استقلال القضاء، ويجعل الرقابة والمساءلة واقعًا يوميًا لا شعارًا موسميًا.

فالمنصب العام، في جوهره، ليس طريقًا إلى الثراء ولا بوابة للهيمنة، بل عقد أخلاقي بين الدولة والمجتمع… ؛ وإذا بقي هذا العقد مختلًا، واستمر النظر إلى المنصب بوصفه غنيمة، فإن الفساد سيظل يعيد إنتاج نفسه مهما تغيرت الحكومات والأسماء… ؛  أما حين يدرك المسؤول أن السلطة تكليف قبل أن تكون تشريفًا، وأن المال العام أمانة لا إرثًا، وأن كرامة المواطن هي أساس شرعية الدولة، عندها فقط يستعيد المنصب هيبته، وتستعيد الدولة ثقة مواطنيها.