عاقبة التساهل مع مخاطر المواد البلاستيكية

عاقبة التساهل مع مخاطر المواد البلاستيكية

✍🏻 أمل عامر

قد تبدو الأكياس والقوارير والأكواب والأطباق البلاستيكية أدوات بسيطة توفر علينا كثيراً من الوقت والجهد، حتى أصبح استخدامها جزءاً من تفاصيل حياتنا اليومية. لكن خلف هذه الراحة المؤقتة مخاطر صحية وبيئية لا يدركها كثيرون، خصوصاً عندما تُستخدم المنتجات البلاستيكية بطريقة خاطئة، أو تُعرَّض للحرارة وأشعة الشمس، أو يُعاد استخدامها مرات متعددة، في حين أنها مصممة للاستعمال مرة واحدة فقط.

ويزداد الخطر عند استخدام الأكياس والقوارير والأوعية البلاستيكية غير المخصصة لحفظ الأطعمة والمشروبات الساخنة؛ إذ قد تنتقل بعض مكونات البلاستيك أو المواد المضافة إليه إلى الطعام الملامس له، كما قد تتفاعل هذه المواد مع بعض الأغذية، فتنتج عنها مركبات ضارة بالصحة.

ومن هنا جاءت الحملة الوطنية الحادية عشرة للتوعية بمخاطر الأكياس والمنتجات البلاستيكية، التي ينفذها صندوق مكافحة السرطان؛ بهدف رفع مستوى الوعي المجتمعي، والتحذير من الممارسات اليومية الخاطئة، وتشجيع أفراد المجتمع على حماية صحتهم وبيئتهم من الاستخدام العشوائي والمفرط للبلاستيك.

والبلاستيك ليس مادة واحدة كما يعتقد بعض الناس، بل توجد منه أنواع متعددة تختلف في تركيبها وخصائصها واستخداماتها ودرجة أمانها. وتتكون المواد البلاستيكية بصورة أساسية من بوليمرات مصنّعة من مواد بترولية هيدروكربونية، وتضاف إليها مواد أخرى لمنح المنتج النهائي خصائص معينة، مثل المرونة أو الصلابة أو مقاومة الحرارة وأشعة الشمس.

وقد تصبح بعض هذه المواد المضافة مصدر خطر عندما تتفكك أو تتسرب بفعل الحرارة أو التعرض الطويل لأشعة الشمس. ولهذا لا ينبغي التعامل مع جميع المنتجات البلاستيكية بالطريقة نفسها؛ فبعضها مخصص للاستخدام مرة واحدة، وبعضها لا يتحمل درجات الحرارة المرتفعة، وبعضها يكون أقل خطراً عند استخدامه بصورة صحيحة، لكنه قد يصبح أكثر ضرراً عند سوء التخزين أو الاستخدام المتكرر.

وتكمن المشكلة الحقيقية في أننا نستخدم البلاستيك بصورة تلقائية، من دون أن نتوقف لنسأل: هل هذا الوعاء مخصص للطعام الساخن؟ وهل هذه القارورة قابلة لإعادة الاستخدام؟ وهل تعرضت العبوة لأشعة الشمس أو الحرارة؟ وهل يحمل المنتج رمزاً يوضح نوع البلاستيك وطريقة استخدامه؟

فبعض القوارير البلاستيكية مصمم للاستخدام مرة واحدة فقط، وقد يؤدي تكرار استخدامها إلى صعوبة تنظيفها بصورة كاملة، ونمو البكتيريا فيها، أو تسرب بعض المواد الضارة منها، خصوصاً عند سوء التخزين أو تعرضها للحرارة وأشعة الشمس.

كما أن بعض المواد المضافة إلى أنواع معينة من البلاستيك قد ترتبط بمخاطر صحية محتملة تمس الغدد الصماء والصحة الإنجابية والجهاز العصبي والقلب والكبد وغيرها، بحسب نوع المادة وطريقة التعرض لها ومدته.

ولا يعني ذلك أن كل منتج بلاستيكي يسبب هذه الأمراض بصورة مباشرة، لكن الاستخدام الخاطئ والمتكرر، ووضع الطعام الساخن في أوعية غير مخصصة له، وتعريض العبوات للحرارة والشمس، كلها ممارسات تستدعي الحذر والوعي.

ولا تقتصر أضرار البلاستيك على ما قد يصل إلى أجسامنا عبر الطعام والشراب، بل تمتد إلى البيئة التي نعيش فيها. فالمخلفات البلاستيكية تتراكم فوق سطح الأرض، وتتغلغل في التربة، وتصل إلى المياه والمسطحات المائية، مما يؤثر في الزراعة والثروة الحيوانية والسمكية.

وقد تبقى الأكياس والمواد البلاستيكية في البيئة مئات السنين من دون أن تتحلل إلى مواد أولية غير ضارة، فتزداد كميات المخلفات عاماً بعد عام، وتصبح معالجتها والتخلص منها أكثر صعوبة.

أما حرق المخلفات البلاستيكية فليس حلاً آمناً؛ لأنه قد يؤدي إلى انبعاث أبخرة وغازات ومواد ضارة تزيد من تلوث الهواء، وتضاعف الخطر على الإنسان والبيئة.

إن أخطر ما في التلوث البلاستيكي أن آثاره لا تظهر دائماً بصورة سريعة؛ فقد تتراكم المخلفات وتتسع دائرة التلوث عاماً بعد عام، بينما لا ننتبه إلى حجم المشكلة إلا بعد أن تصبح معالجتها أكثر صعوبة وكلفة.

لقد وهبنا الله الحياة والأجساد نعمة عظيمة، ومن واجبنا المحافظة عليها، وعدم تعريضها للمخاطر بسبب عادات يومية يمكن تغييرها. ولا يعني ذلك أن نتخلص من كل منتج بلاستيكي في حياتنا فوراً، وإنما أن نستخدمه بوعي، وأن نقلل من المنتجات أحادية الاستخدام، وألا نضع الأطعمة والمشروبات الساخنة في أوعية مجهولة النوع أو غير مخصصة لتحمل الحرارة.

ويمكننا أن نبدأ بخطوات بسيطة، مثل استخدام الأوعية الزجاجية أو المعدنية المناسبة لحفظ الأطعمة والمشروبات، وعدم إعادة استخدام القوارير المخصصة للاستعمال مرة واحدة، وتجنب ترك عبوات المياه والأطعمة البلاستيكية تحت أشعة الشمس أو داخل السيارة، وتقليل استخدام أكياس التسوق البلاستيكية واستبدالها بحقائب متعددة الاستخدام.

كما ينبغي عدم حرق المخلفات البلاستيكية، وفرز المواد القابلة لإعادة التدوير وتسليمها إلى الجهات المختصة متى أمكن، مع التأكد من نوع الوعاء البلاستيكي ومدى ملاءمته للغذاء ودرجات الحرارة المختلفة.

وفي الختام، فإن الخطر لا يكمن في البلاستيك وحده، بل في جهلنا بخصائصه، وتساهلنا في استخدامه، وعدم إدراكنا للعواقب التي قد تنتج عن ممارسات يومية نظنها بسيطة.

صحتكم تبدأ بوعيكم، والتغيير يبدأ من قرار صغير: استخدموا البلاستيك عند الضرورة، وتجنبوا تعريضه للحرارة، ولا تجعلوا الراحة المؤقتة تتحول إلى عبء طويل على صحتكم وبيئتكم.

#الحملة_الوطنية_الحادية_عشرة_للتوعية_بمخاطر_الأكياس_والمنتجات_البلاستيكية
#صندوق_مكافحة_السرطان