بقلم: عفاف فيصل صالح
في غزة اليوم لا تُفتح المقابر فقط، بل تُفتح صفحات جديدة من ذاكرة الألم. فبعد 136 ساعة من البحث الشاق بين أنقاض المنازل المدمرة، تستعد المدينة لتشييع جثامين 112 شهيداً من عائلتي “أبو شريعة” و”الحساينة”، شهداء ظلّت أجسادهم أسيرة الركام، حتى أعادها البحث المضني إلى أحضان أهلها، لتقف شاهدةً أمام العالم على حجم المأساة التي حاولت الحجارة أن تخفيها ولم تستطع.
أيُّ زمنٍ هذا الذي يصبح فيه انتشال الشهداء من تحت الأنقاض خبراً عابراً؟! وأيُّ ضميرٍ يستطيع أن يرى عائلاتٍ بأكملها تُمحى من الحياة، وأطفالاً ونساءً وذوي إعاقة يُسلبون حقهم في النجاة، ثم يستمر العالم في إدارة وجهه وكأن الدماء لا تحمل أسماء ولا حكايات؟!
إن شهداء حي الصبرة الذين ارتقوا في تلك المجزرة، والذين بلغ عددهم مئات الشهداء، بينهم عشرات الأطفال والنساء، ليسوا أرقاماً تُضاف إلى إحصاءات الحرب، بل هم شهادةٌ تاريخية على مرحلةٍ تُختبر فيها الإنسانية بأقسى صور الاختبار. فخلف كل اسمٍ شهيد بيتٌ كان يحمل دفء الحياة، وعائلةٌ كانت تنتظر الغد، وأحلامٌ توقفت تحت الركام.
لكن غزة لم تكن يوماً مجرد مدينةٍ تُقصف، بل أصبحت رمزاً لصراعٍ أعمق بين منطق القوة ومنطق الحق، بين من يعتقد أن تدمير المكان يعني إنهاء القضية، ومن لا يدرك أن القضايا المرتبطة بكرامة الإنسان لا تُدفن تحت الأنقاض، بل تتحول مع مرور الزمن إلى ذاكرةٍ أقوى وحضورٍ أعمق.
لقد أثبت التاريخ أن الركام قد يسقط على الجدران، لكنه لا يستطيع أن يسقط الحقيقة، وأن الجيوش قد تملك القدرة على تدمير الأبنية، لكنها تعجز عن احتلال الوعي. فبعض المدن تُقاس بما تحمله من معنى، وبعض الشعوب لا تُعرف بما فقدته فقط، بل بما بقي في داخلها من قدرة على الصمود وحفظ الرواية.
ومن هنا تصبح غزة أكثر من حدث عسكري؛ إنها سؤالٌ أخلاقي وسياسي وحضاري يُطرح أمام العالم هل تستطيع القوة أن تفرض النسيان؟ وهل تستطيع آلة الحرب أن تمحو ذاكرة شعبٍ يرى في كل شهيدٍ قصة وطن، وفي كل بيتٍ مهدّم شاهداً على مرحلةٍ لن يستطيع التاريخ تجاوزها؟
أخطر ما تواجهه غزة ليس فقط الدمار، بل محاولة تحويل المأساة إلى مشهدٍ عابر، وتحويل الإنسان إلى رقمٍ بلا اسم. ولهذا فإن بقاء الذاكرة حية هو معركة أخرى لا تقل أهمية عن معركة الأرض؛ لأن من يملك القدرة على حفظ الحقيقة يملك القدرة على مواجهة محاولات طمسها.
فغزة اليوم لا تشيّع شهداءها فقط، بل تشيّع وهماً كبيراً: وهم أن القوة وحدها قادرة على صناعة التاريخ. فالتاريخ لا تكتبه الطائرات وحدها، ولا تحدده موازين السلاح فقط، بل تكتبه أيضاً دماء الذين دفعوا ثمن مواقفهم، وذاكرة الذين رفضوا أن تتحول معاناتهم إلى رقمٍ منسي.
ويبقى السؤال الذي سيلاحق هذا العصر: إلى متى سيبقى العالم صامتاً أمام هذه المشاهد؟ وإلى متى ستبقى أرواح الأبرياء تنتظر أن يتحرك ضمير الإنسانية قبل أن تتحرك صفحات التاريخ؟
فالأمم قد تنسى الأحداث، لكنها لا تنسى المآسي الكبرى. وبعض الدماء لا تنتهي عند لحظة استشهاد أصحابها، بل تبدأ منها حكاية جديدة في ذاكرة الشعوب.