خالد الغريباوي
لم تعد التطورات التي تشهدها سوريا والعراق وإقليم كردستان مجرد أحداث منفصلة يمكن قراءتها كل واحدة بمعزل عن الأخرى، فالتغيرات السياسية والأمنية المتسارعة في المنطقة إلى جانب إعادة ترتيب الوجود الأمريكي وتصاعد التوتر مع إيران، تفتح الباب أمام أسئلة أكبر حول طبيعة المرحلة المقبلة وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو ترتيبات جديدة قد تتجاوز حدود العلاقات السياسية التقليدية.
وفي هذا السياق تأتي زيارة رئيس إقليم كردستان السيد نيجيرفان بارزاني إلى سوريا ولقاؤه بالرئيس أحمد الشرع، وهي زيارة يمكن فهمها في إطار العلاقات السياسية والتطورات الجديدة في المنطقة، ولا ينبغي تفسيرها باعتبارها خطوة موجهة ضد أي طرف. لكن توقيتها والظروف المحيطة بها يمنحانها أهمية استراتيجية تستحق التوقف عندها، خصوصاً مع التحولات التي تشهدها سوريا والعراق والمنطقة والتنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران.
إقليم كردستان يمتلك موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية وعلاقات سياسية وأمنية متينة مع الولايات المتحدة، كما أن موقعه يجعله قريباً من مناطق ذات حساسية مباشرة بالنسبة إلى إيران. وفي حال اندلاع مواجهة واسعة مستقبلاً بين واشنطن وطهران فإن هذه الجغرافيا قد تكتسب أهمية إضافية، ليس بالضرورة من خلال مشاركة كردستان في أي مواجهة، وإنما بسبب موقعها الذي قد يدخل ضمن الحسابات اللوجستية والاستخبارية والسياسية للقوى المتصارعة.
وتزداد حساسية المشهد مع وجود قوى كردية إيرانية معارضة لطهران، الأمر الذي يجعل شمال العراق وسوريا جزءاً من حسابات الأمن الإيراني. ولذلك فإن إيران قد تنظر بعين القلق إلى أي ترتيبات إقليمية جديدة يمكن أن تمنح خصومها مساحة أكبر للتحرك بالقرب من حدودها، وقد تسعى إلى إضعاف أي تهديد محتمل قبل أن يتحول إلى واقع.
وفي المقابل فإن الولايات المتحدة، حتى مع إعادة ترتيب أو تقليص وجودها العسكري في بعض المواقع، لا يعني ذلك بالضرورة انتهاء نفوذها في المنطقة. فالقوة الأمريكية لا تقوم فقط على القواعد والجنود، وإنما أيضاً على العلاقات الأمنية والاستخبارية والشراكات السياسية والعسكرية مع دول وقوى محلية وإقليمية. ومن هنا فإن إعادة الانتشار قد تكون جزءاً من إعادة صياغة النفوذ وليس بالضرورة انسحاباً كاملاً منه.
أما سوريا الجديدة فتجد نفسها أمام مرحلة مختلفة تماماً، فهي تحاول بناء علاقات جديدة مع محيطها العربي والإقليمي والدولي، وفي الوقت نفسه التعامل مع ملفات الأمن والحدود والقوى الموجودة على أراضيها. وإذا تطورت العلاقات بين دمشق وأربيل ضمن إطار سياسي وأمني أوسع فإن ذلك قد يمنح الحدود السورية العراقية أهمية أكبر في الحسابات الإقليمية.
وهنا يدخل العراق في أخطر نقطة في هذه المعادلة، لأنه يقع جغرافياً بين إيران وسوريا وإقليم كردستان، ويضم في الوقت نفسه علاقات ومصالح أمريكية وقوى سياسية وفصائل مسلحة مرتبطة بدرجات مختلفة بالمحور الإيراني. ولذلك فإن أي تصعيد أمريكي إيراني واسع قد يجعل العراق ساحة أساسية لتبادل الرسائل والضربات، حتى لو حاولت الحكومة العراقية إبقاء البلاد خارج الصراع.
وقد نشهد في هذه الحالة ضغوطاً متزايدة على الفصائل المسلحة العراقية لمنع استخدام الأراضي العراقية في استهداف دول الجوار، وفي المقابل قد تواجه الحكومة العراقية ضغوطاً من أطراف دولية وإقليمية لإعادة ترتيب موقفها من الوجود الأمريكي ومن العلاقات مع سوريا وإقليم كردستان. وهذا يضع بغداد أمام اختبار صعب يتمثل في الحفاظ على سيادة العراق ومنع تحوله إلى ساحة لتصفية الحسابات.
والسيناريو الأكثر خطورة هو أن تتشكل تدريجياً بيئة إقليمية مترابطة تمتد من شمال شرق سوريا عبر العراق إلى إقليم كردستان، وتصبح هذه الجغرافيا ذات أهمية في أي مواجهة مستقبلية مع إيران. وإذا وصلت طهران إلى قناعة بأن هذه المناطق يمكن أن تتحول إلى مصدر تهديد، فقد تلجأ إلى سياسة استباقية تستهدف إضعاف أي قدرات أو تجمعات تراها مرتبطة بهذا الاحتمال، وهو ما قد يؤدي إلى توسيع دائرة التصعيد من العراق إلى سوريا وربما إلى ساحات أخرى.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن أي مواجهة واسعة بين الولايات المتحدة وإيران قد لا تبقى محصورة داخل الأراضي الإيرانية، بل يمكن أن تمتد إلى العراق وسوريا والخليج ولبنان والأردن وغيرها. وعندها لن يكون السؤال من بدأ الحرب فقط، بل من يستطيع السيطرة على حدودها ومنع تحولها إلى حرب إقليمية شاملة.
ولهذا فإن زيارة نيجيرفان بارزاني إلى دمشق لا ينبغي أن تكون سبباً للتخوين أو التجريح أو تحميل إقليم كردستان مسؤولية صراعات الآخرين، بل ينبغي أن تكون مدخلاً لقراءة التحولات الأوسع التي تحدث حول العراق وسوريا والإقليم. فالمسألة ليست في التقارب السياسي بحد ذاته، وإنما في كيفية توظيف القوى الدولية والإقليمية لهذه التحولات ضمن صراعها على النفوذ.
ويبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام مجرد إعادة بناء للعلاقات بين دول وقوى المنطقة، أم أن هذه التحركات تشكل تدريجياً بيئة استراتيجية جديدة يمكن أن يكون لها دور في أي مواجهة مستقبلية مع إيران؟
لا توجد حتى الآن معطيات علنية كافية للقول إن هناك خطة عسكرية متكاملة بهذا الاتجاه، لكن تزامن التحولات يجعل الاحتمال جديراً بالبحث والمتابعة. وإذا تطورت الأمور نحو مواجهة واسعة فإن العراق سيكون الأكثر عرضة للخطر، لأنه قد يجد نفسه في قلب صراع بين قوى أكبر منه.
ولهذا فإن مصلحة العراق اليوم تقتضي سياسة واضحة تقوم على حماية السيادة ومنع استخدام أراضيه ضد أي دولة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على علاقاته المتوازنة مع سوريا وإقليم كردستان والولايات المتحدة وإيران وسائر دول المنطقة. لأن أخطر سيناريو ليس أن يختار العراق طرفاً في الحرب، وإنما أن تتحول أراضيه إلى ساحة للحرب من دون أن يختارها.
إن ما يحدث اليوم قد لا يكون إعلاناً عن حرب قادمة، لكنه بالتأكيد يعكس مرحلة إعادة تموضع واسعة في الشرق الأوسط، ومع كل خطوة جديدة تتغير حسابات القوى الإقليمية والدولية. والسؤال الذي يجب أن يشغل بغداد قبل غيرها هو: هل يستطيع العراق أن يبقى خارج هذه المعادلة، أم أن موقعه الجغرافي سيجعله جزءاً من الحرب مهما حاول الابتعاد عنها؟