مكسيم العراقي
تحت ظلال الانحطاط-3( مجموعة مقالات قصيرة شقشقية)!
تلك شِقْشِقَة هَدَرَتْ ثم قَرَّتْ.
(1)
تتطابق استراتيجيات التمدد والتدمير في عالم البيولوجيا مع مسارات التمدد الجيوسياسي للأنظمة العقائدية الراديكالية. فكما يمثل مرض السرطان طفرة خبيثة تخرج عن النسق الطبيعي للجسم وتستنزف حيوته حتى الانهيار، يقدم النظام الإيراني وأذرعه الميليشياوية في المنطقة نموذجاً سياسياً وميدانياً يماثل في آليات عمله وتكتيكاته سلوك الخلايا السرطانية داخل الكائن الحي.
1. الخداع والتخفي (تضليل جهاز المناعة الوطنية)
تعتمد الخلايا السرطانية في مراحلها الأولى على آليات تخفٍّ معقدة، حيث تفرز بروتينات تخدع جهاز المناعة وتجعله يتعامل معها كأنسجة طبيعية صديقة.
تتجسد هذه الظاهرة في السلوك السياسي والأيديولوجي للنظام الإيراني عبر:
• رفع الشعارات التمويهية: توظيف عناوين النصرة والمظلومية والدفاع عن القضايا الكبرى كغطاء أيديولوجي يتسلل من خلاله إلى المجتمعات العربية وال البيت والحسين وعلي والاسلام.
• اختراق البنية الوطنية: اختطاف المفاهيم الاجتماعية والدينية لتأسيس أدوات عملية (أذرع وميليشيات) تنشأ داخل هيكل الدولة، وتُسوق نفسها كـ حامي للوطن، بينما يعمل وجودها الفعلي على تعطيل المؤسسات الرسمية وإصابتها بالشلل الحاد.
2. التكيف والتعايش المرحلي (المناورة والتقدم والتراجع)
تتميز الخلايا السرطانية بقدرة عالية على التكيف مع البيئات العدائية؛ فهي تهيئ نفسها للبقاء عند التعرض للعلاج الكيميائي، وتدخل في حالة خمود مؤقت لتستأنف نشاطها فور زوال الضغط.
يتطابق هذا السلوك البيولوجي مع أدبيات المناورة الإيرانية:
• مرونة التقية السياسية: ممارسة التراجع التكتيكي عند اشتداد الضغوط الدولية والتقاط الأنفاس عبر المفاوضات ومذكرات التفاهم الشكلية والوعود المطاطية ونقض العهود.
• تقاسم الأدوار الصوري: إظهار خطابات متناقضة تجمع بين دبلوماسية الاعتدال التي يخاطب بها الغرب، والتهديد العسكري المباشر الذي تمارسه الأذرع على الأرض، لضمان استمرار البقاء والتقدم التدريجي نحو الأهداف التوسعية.
3. التغذية العكسية وشفط المقدرات (Angiogenesis السياسة)
تقوم الأورام السرطانية بإفراز إشارات كيميائية تجبر الجسم على إنشاء أوعية دموية جديدة تتجه نحو البؤرة الخبيثة حصراً، لتستنزف الجلوكوز والأكسجين من الأنسجة السليمة وتترك بقية الجسد في حالة هزال وشلل.
تُرجمت هذه الآلية في الواقع الميداني والدولي إلى:
• استنزاف السيولة والموارد: تحويل موازنات الدول والمؤسسات الرسمية (كما هو الحال في العراق ولبنان واليمن) لخدمة الاقتصاد المحاصر لطهران وتأمين احتياجاتها من التمويل والعملة الصعبة.
• تخريب الاقتصاد المحلي: تجريف الصناعة والزراعة والبنية التحتية في دول النفوذ، لضمان تحول تلك البلدان إلى أسواق استهلاكية حصرية للسلع والبضائع الإيرانية، وتجريدها من أي مقوم استقلالي في اطار المواجهة مع الغرب واسرائيل التي تدعيها!
4. الانتشار والتدمير البنيوي (Metastasis الفوضى)
تصل المرحلة الحاصلة في التشخيص الطبي عندما تبدأ الخلايا الخبيثة بالانفصال عن البؤرة الأم والانتقال عبر مجرى الدم لتأسيس أورام ثانوية في أعضاء حيوية أخرى، مما يؤدي إلى الفشل العضوي الشامل.
• تفريخ الأدوات وتفتيت الجغرافيا: نقل نموذج الفوضى والميليشيات من نقطة إلى أخرى في الشرق الأوسط، واستهداف سلامة الملاحة البحرية، وأمن الطاقة، والمنشآت التنموية.
• النتيجة الحتمية: تحويل البيئات الصاعدة والتنموية إلى مناطق خراب واستنزاف دائم، يغيب فيها القانون وتنهار فيها مؤسسات العدالة والتعليم والصحة لصالح هيمنة السلاح المنفلت والعصابات الموازية.
(2)
وتستند ممارسات الأنظمة التوسعية والأذرع التابعة لها إلى ديناميكية شبيهة بالسلوك البيولوجي للأورام السرطانية الخبيثة. فالخلايا السرطانية لا تكتفي بتدمير النسيج الذي نشأت فيه، بل تسعى للانتشار والتمدد، وخلق بؤر ثانوية في الأعضاء المجاورة، وتدير استراتيجية خنق حيوية تستهدف شرايين الجسد لفرض واقع الانهيار الشامل.
1. خنق الشرايين الحيوية (نظرية إغلاق هرمز والقطع الوعائي)
في علم الأحياء الدقيقة، تعمد الأورام السرطانية عند اشتداد المحاصرة والمقاومة من جهاز المناعة إلى إفراز سموم ومواد تؤدي إلى انسداد الأوعية الدموية المحيطة، أو احتكار التدفق التغذوي لصالحها وحرمانه عن باقي الأعضاء السليمة، مما يتسبب في موت الأنسجة المحيطة ونقص الأكسجين (Hypoxia).
ينطبق هذا المفهوم تماماً على نظرية إغلاق مضيق هرمز وتهديد حركة الملاحة البحرية:
• خنق الشريان الملاحي: يمثل مضيق هرمز الأوعية الدموية التغذوية لاقتصاد المنطقة والعالم. وتلجأ عقلية النظام والتنظيمات السرطانية إلى ممارسة خنق هذا الممر كأداة ابتزاز شمولية، بهدف حرمان الجسد الإقليمي والدولي من شريان الطاقة والتجارة.
• إشاعة الشلل العضوي: إن التهديد بمنع تصدير النفط (إما الكل أو لا شيء) كما قال قاليباف المعتدل حسب الوصف الامريكي! يطابق الآلية السرطانية التي تسعى لإحداث شلل وظائف الأعضاء المجاورة إذا لم تخضع وتستسلم لمسار المرض التدميري.
2. تكتيك الانتشار الثانوي (Metastasis وخلق البؤر في دول الجوار)
تتمثل الميزة الأكثر خطورة للسرطان في عملية الانتشار الثانوي، حيث تنفصل أجزاء من الورم الأم لتبحر في مجرى الدم وتستقر في أعضاء سليمة، متتحولة إلى بؤر سرطانية جديدة تكرر السلوك التخريبي ذاته.
تتجلى هذه العملية بيولوجياً وجيوسياسياً من خلال:
• تفريخ الميليشيات والأذرع: قام النظام الإيراني بنقل بذور الفوضى والأيدولوجيا الراديكالية إلى دول الجوار (العراق، سوريا، لبنان، اليمن)، لتأسيس بؤر سرطانية تابعة له داخل بدائل وأنسجة هذه الدول.
• تفكيك الخلايا الوطنية: تعمل هذه البؤر على إضعاف الخلايا الوطنية السليمة (المؤسسات الرسمية، والجيوش الوطنية، والقضاء)، وتفتيت الهوية الوطنية لصالح الولاء للبؤرة الأم.
• إستراتيجية الورم الخبيث الموازي: أصبحت هذه البؤر المستحدثة تُدار بالريموت كونترول لاستهداف دول الجوار الناهضة، عبر شن الهجمات بالصواريخ والمسيرات، وتهديد البنية التحتية والموانئ، لمنع أي تجربة نمو أو استقرار إقليمي.
3. استنزاف الطاقة الحيوية ونهب المقدرات
الخلية السرطانية لا تنتج طاقة حقيقية ولا تنفع الجسد، بل تستهلك الجلوكوز والمغذيات بمعدلات خيالية وتترك بقية الأعضاء في حالة هزال شديد (Cachexia).
• شفط الموارد والتجريف الاقتصادية: تُمص المقدرات المالية والموازنات الوطنية للدول التي زُرعت فيها البؤر السرطانية، وتُحول السيولة والأسواق لخدمة البؤرة الأم وتغطية تكاليف حروبها وعقوباتها.
• تدمير البيئة التنموية: تمنع هذه البؤر قيام أي مشروع صناعي أو زراعي أو تعليمي متقدم في بيئتها، وتُحيل المدن والمجتمعات التي تسيطر عليها إلى مناطق فقر وخراب مستمر، حيث يتغذى الورم على ضعف الجسد واستنزافه.
4. حتمية المواجهة والاستئصال
أثبتت التجربة البيولوجية والسياسية أن مهادنة الورم السرطاني أو محاولة التكيّف معه لا تؤدي إلا إلى تفشيه وابتلاعه للجسد بالكامل.
• سقوط خديعة التهدئة: إن التنازل أمام تهديدات إغلاق الممرات المائية أو غض الطرف عن البؤر السرطانية في دول الجوار لا يغير من طبيعتها التدميرية، بل يدفعها للمزيد من التمدد والابتزاز.
• حتمية الاستجابة المناعية الموحدة: يتطلب الحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها بناء منظومة ردع ودفاع حيوي موحد تعزل البؤر الخبيثة، وتقطع خطوط إمدادها، وتستأصل أسباب الفوضى لاستعادة صحة الجسد العربي والإقليمي وعافيته التنموية.