ترجمة: وميض القيسي
سلسلة تحليليّة مترجمة في تفكيك الفساد المشرعن، شبكات المولدات، والارتهان الجيوسياسي
ترجمة: وميض القيسي
مقدمة المترجم:
تُعد أزمة الكهرباء في العراق واحدة من أكثر المعضلات المستعصية التي واجهت الدولة والمجتمع عقب عام 2003. ورغم ضخ عشرات المليارات من الدولارات في هذا القطاع الحيوي، لا يزال المواطن العراقي يعاني من انقطاع مستمر للتيار، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول أسباب هذا الشلل الممتد.
يخطئ من يظن أن أزمة الطاقة في العراق هي مجرد “عجز تقني” أو “نقص في التمويل” أو حتى “سوء إدارة مجرد”. إن القراءة الأكاديمية العميقة – التي تتناول الملف من منظور الاقتصاد السياسي (Political Economy) – تكشف أن استمرار الأزمة هو نتيجة طبيعية ومباشرة لبنية النظام السياسي القائم وشبكات المصالح النافذة التي تتغذى على بقاء هذا العجز.
لتفكيك هذه المعقدات، أقدم للقارئ العزيز سلسلة مترجمة ومفككة في عدة أجزاء، تعتمد بالأساس على الدراسات والأوراق البحثية الصادرة عن معهد تشاتام هاوس (Chatham House – لندن) للباحث والمحلل السياسي د. ريناد منصور (Dr. Renad Mansour).
تتوزع محاور هذه السلسلة على النحو التالي:
الجزء الأول (الحالي): الفساد المشرعن وتفكيك وزارة الكهرباء كإقطاعية للتمويل الحزبي.
الجزء الثاني: الاقتصاد السياسي لشبكة المولدات الأهلية وقوى التعطيل المحلية.
الجزء الثالث: معضلة حرق الغاز المصاحب والارتهان الجيوسياسي لغاز الجوار.
الجزء الرابع: الصفقات الكبرى مع الشركات العالمية ولماذا تفشل في تحقيق السيادة الطاقوية.
نبدأ اليوم بالقسم الأول من هذه السلسلة…
1. التناقض الأساسي: أموال هائلة وخلق عجز مستدام
منذ عام 2003، أنفق العراق ما يتجاوز 80 مليار دولار أمريكي على قطاع الكهرباء — وهو مبلغ يفوق تكلفة إعمار دول بأكملها خرجت من حروب طاحنة. ومع ذلك، لا يزال الشارع العراقي يعاني من انقطاعات تتراوح بين 10 إلى 16 ساعة يومياً في مواسم الذروة الصيفية.
إن الفهم التقليدي لهذه الأزمة يرجعه دائماً إلى “سوء التخطيط الهندسي” أو “ضعف الكفاءة الإدارية”. غير أن هذا التشخيص السطحي يغفل حقيقة بنيوية جوهرية: أزمة الكهرباء في العراق ليست عجزاً فنياً، بل هي النتيجة الطبيعية لنظام سياسي يعتمد في بقائه وتمدده على توزيع المغانم وتوظيف مؤسسات الدولة لخدمة الأحزاب والشبكات النافذة.
2. الوزارة كـ “إقطاعية حتيالية” (Ministry as a Fiefdom)
ضمن نظام المحاصصة السياسي القائم، لا تُعامل الوزارات كـ “مؤسسات خدمة عامة” تهدف لتوفير السلع للجمهور، بل تُعامل كـ إقطاعيات حتيالية تُقسم كغنائم بين الكتل السياسية عقب كل دورة انتخابية.
تُصنّف وزارة الكهرباء ضمن “الوزارات الاستثمارية الكبرى” نظرًا لميزانيتها التشغيلية والاستثمارية الضخمة. وبالتالي، تسعى الكتل السياسية للسيطرة عليها واستغلال مواردها عبر مسارين رئيسيين:
أولاً: التوظيف الفضفاض لكسب الولاءات الانتخابية
تُستغل الموازنة التشغيلية للوزارة في فتح أبواب التعيينات والتعاقدات لآلاف الموظفين والمنتسبين دون حاجة فنية أو خطة تشغيلية. الهدف هنا ليس تحسين الخدمة، بل بناء قواعد شعبية وزبائنية انتخابية معتمدة كلياً على التمويل الحكومي. أدى ذلك إلى استنزاف هائل للموازنة في بند “الرواتب والتشغيل” على حساب ميزانيات الصيانة والتطوير الفني.
ثانياً: هندسة العقود والمقاولات المحتكرة
تخضع عملية إبرام العقود الاستثمارية وشراء المعدات لشبكات نفوذ معقدة. تُمرر العقود الكبرى إما لشركات وسيطة مرتبطة بكتل سياسية، أو عبر فرض إتاوات وعمولات على الشركات الأجنبية الراغبة في دخول السوق. هذه العملية تضمن تحويل جزء ثابت من الإنفاق الحكومي المخصص للطاقة إلى خزائن الأحزاب والفاعلين من غير الدولة.
3. معضلة التركيز على “التوليد” وإهمال “النقل والتوزيع”
يكشف تحليل سياسات الإنفاق في وزارة الكهرباء عن خلل بنيوي مقصود: التركيز المفرط على عقود إنشاء محطات التوليد (Power Generation)، في مقابل الإهمال الشديد لشبكات النقل والتوزيع (Transmission & Distribution).
المكاسب السياسية للتوليد: يُعد توقيع اتفاقيات لبناء محطات توليد ضخمة مع شركات عالمية (مثل Siemens أو GE) مادة إعلامية ممتازة للسياسيين لاستعراض “الإنجاز” وامتصاص الغضب الشعبي المؤقت، فضلاً عن كونها بيئة مثالية للعمولات الكبرى.
الواقع الفني المتهالك: بالمقابل، فإن الشبكة الوطنية لنقل الطاقة ومحطات التوزيع المحلية تعاني من تهالك جسيم وتجاوزات واسعة، مما يؤدي إلى فقدان أكثر من 40% من الطاقة المنتجة أثناء النقل.
النتيجة العملية هي وجود قدرة توليدية على الورق وفي المحطات، دون إمكانية إيصال هذه الطاقة إلى المنازل والمنشآت الاقتصادية، مما يُبقي الأزمة قائمة ويستدعي استمرار ضخ الأموال في عقود جديدة لا تنتهي.
(انتهى الجزء الأول)
المصادر
اسم الدراسة: Politically Sanctioned Corruption in Iraq: Making Governance Work for the Citizens
المؤسسة الناشرة: معهد تشاتام هاوس — لندن (Chatham House – The Royal Institute of International Affairs).
المؤلف: د. ريناد منصور (Dr. Renad Mansour) — مدير مبادرة العراق وباحث أول في برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في تشاتام هاوس.
سنة النشر: 2021.