ترجمة:وميض القيسي
عنوان الجزء الثاني: الاقتصاد السياسي للمولدات الأهلية وقوى التعطيل المحلية
1. من “حل طارئ” إلى قطاع موازٍ بمليارات الدولارات
عقب عام 2003، ومع العجز البنيوي لشبكة الكهرباء الوطنية عن تلبية الحاجة الفتية، ظهرت المولدات الأهلية (Neighborhood Generators) كمعالجة مجتمعية مؤقتة وسريعة لسد النقص المحلي. إلا أنه مع استمرار الفشل الحكومي، شهد هذا القطاع تحولاً بنيوياً خطيراً: تحول من مجرد حل إنساني خدمي إلى اقتصاد موازٍ غير رسمي تُقدّر عائداته بمليارات الدولارات سنوياً.
أدى ذلك إلى خلق دورة اقتصادية كاملة تعتمد كلياً على استمرار العجز الحكومي؛ فكلما ازدادت ساعات القطع البرمجي للكهرباء الوطنية، ارتفعت ربحية هذا القطاع وشريحة المنتفعين منه، مما خلق تعارضاً حاداً بين المصلحة العامة للمواطنين ومصالح شبكة كبرى من المستفيدين.
2. التشابك مع شبكات النفوذ والمال السياسي.
تُظهر دراسات الاقتصاد السياسي أن ملكية وتشغيل المولدات الأهلية في الأحياء السكنية والمدن لم تعد مجرد مشاريع فردية لمواطنين، بل اندجت عميقاً في بنية المال السياسي والشبكات الأمنية والمحلية:.
إتاوات ونفوذ مكاني: لتشغيل مولدة أهلية ومد الأسلاك في منطقة معينة، يحتاج المالك إلى تراخيص غير رسمية، وتسهيلات للحصول على الوقود المدعوم، وحماية أمنية للموقع والشبكة. هذه التسهيلات تُمنح غالباً مقابل شراكات خفية أو “إتاوات” تُدفع لأطراف نافذة داخل المجالس المحلية أو الأجهزة الأمنية أو المجالس البلدية..
الزبائنية المحلية: تحولت ملكية المولدات في كثير من المناطق إلى أدوات بيد أحزاب وفاعلين محليين لبناء نفوذ زبائني مباشر مع المواطنين، حيث تُستخدم استثناءات الفواتير أو تخفيض أسعار الإمبير كأداة لكسب الولاءات أو العقاب السياسي في المواسم الانتخابية.
3. قوى التعطيل: لماذا يُقاوَم إصلاح الشبكة الوطنية؟.
النتيجة الأخطر لهذا الواقع ليست مجرد امتصاص أموال المواطنين، بل نشوء قوى تعطيل هيكلية (Vested Interests) داخل جهاز الدولة وخارجه تمتلك مصلحة وجودية في إبقاء الشبكة الوطنية متهالكة:.-
التعطيل الميداني والمباشر: تُسجّل العديد من القضايا التي تتضمن عمليات تخريب مقصودة لخطوط النقل أو محولات التوزيع المحلية في بعض المناطق، بهدف إجبار الأهالي على الاستمرار في الاشتراك بالمولدات الأهلية..
الضغط السياسي غير المعلن: يمتلك شبكة أصحاب المولدات وحماة نفوذهم نفوذاً صامتاً داخل الإدارات المحلية والوزارية. يمارس هذا النفوذ ضغوطاً لعرقلة أي مشاريع تهدف إلى تفعيل “الجباية الذكية” أو تحديث شبكات التوزيع التي قد تؤدي إلى تجهيز مستمر على مدار 24 ساعة، لأن تحقيق ذلك يعني انهياراً فورياً لهذا السوق الموازي..
صناعة سوق الوقود الموازي: يمثل قطاع المولدات الأهلية مستهلكاً ضخماً للوقود (الديزل والغازويل). أدى ذلك إلى نشوء سوق سوداء واسعة لتهريب وإعادة بيع الوقود الحكومي المدعوم المخصص للمولدات، مما يخلق طبقة أخرى من أصحاب المصالح المرتبطين بتجارة المشتقات النفطية.
4. الخلاصة: الفشل المكتسب.
يخلص التحليل إلى أن أزمة الكهرباء في العراق تجاوزت كونها مجرد “مشكلة إنتاج” لتصبح “منظومة ريعية مغلقة”؛ حيث تتكامل الإقطاعيات الوزارية في الأعلى (المستفيدة من عقود التوليد والتوظيف) مع شبكات المولدات في الأسفل (المستفيدة من القطع البرمجي)..
هذا التكامل يفسر لماذا تفشل كل الوعود والخطط الاستثمارية الحكومية في إنهاء الأزمة: لأن إصلاح الكهرباء الوطنية لا يستلزم فقط بناء محطات، بل يستلزم تفكيك شبكة مصالح هائلة تتغذى على إبقاء العراق في الظلام.
(انتهى الجزء الثاني)