سمكة حديثة العمياء
إيهاب مقبل
تمثل الأسماك العمياء وأسماك الكهوف واحدة من أكثر الظواهر إثارة في التنوع الحيوي العراقي، فهي أسماك تكيفت عبر أجيال طويلة مع العيش في بيئات مائية جوفية تفتقر إلى الضوء، وتختلف بصورة كبيرة عن الأنهار والبحيرات والأهوار التي تعيش فيها معظم الأسماك العراقية. وتكتسب هذه الأسماك أهمية خاصة لأنها نادرة ومحدودة الانتشار، وبعضها لا يوجد إلا في أنظمة جوفية محددة في العراق.
ومن أبرز هذه الأنواع سمكة حديثة العمياء (Caecocypris basimi) والبارب العراقي الأعمى (Garra widdowsoni)، وهما نوعان مستوطنان ارتبط وجودهما بنظام المياه الجوفية في منطقة حديثة بمحافظة الأنبار، بالقرب من مقام الشيخ حديد. وقد سجل تعايش النوعين في الموطن الجوفي نفسه، الأمر الذي يجعل المنطقة ذات أهمية استثنائية لدراسة الأسماك المتكيفة مع الحياة تحت سطح الأرض.
ولا تقتصر أهمية هذه الأسماك على غرابة شكلها أو فقدانها للرؤية، بل إنها تمثل نماذج مهمة لدراسة التكيف مع الظلام ونقص الغذاء والعزلة الجغرافية. كما أن وضعها البيئي شديد الحساسية؛ فالتغير في مستوى المياه الجوفية أو نوعيتها يمكن أن يهدد تجمعات كاملة من هذه الأسماك.
الأسماك الكهفية في العراق
ترتبط أهم الأسماك الكهفية المعروفة في العراق بالمياه الجوفية والأنظمة الكارستية، وهي أنظمة تتكون من تجاويف وممرات مائية داخل الصخور الجوفية. وتختلف هذه البيئات عن الأنهار السطحية في غياب الضوء وانخفاض كمية الغذاء المتاحة وصعوبة الاتصال بالبيئات الخارجية.
ومن أبرز المواقع المعروفة نظام المياه الجوفية في منطقة مقام الشيخ حديد بالقرب من حديثة، حيث عُرف وجود نوعين نادرين هما Caecocypris basimi وGarra widdowsoni. وقد أشارت تقارير علمية إلى أن هذا النظام الجوفي يمثل موطنًا لنوعين من الأسماك المتخصصة في الحياة الكهفية، مما يمنحه أهمية كبيرة من الناحية البيئية والعلمية.
كما يوجد في العراق نوع كهفي جوفي آخر معروف علميًا هو Eidinemacheilus proudlovei، وهو لوش جوفي وُصف من إقليم كردستان العراق. ويؤكد وجود هذه الأنواع أن البيئات الجوفية العراقية ما تزال تحتوي على تنوع حيوي يحتاج إلى مزيد من البحث والاستكشاف.
سمكة حديثة العمياء (Caecocypris basimi)
تُعد سمكة حديثة العمياء (Caecocypris basimi) من أكثر الأسماك الكهفية ندرة في العراق، وهي نوع مستوطن لا يعرف من خارج العراق. وقد وصفها Banister وBunni عام 1980، وهي النوع الوحيد المعروف ضمن جنس Caecocypris، ولذلك فإن الجنس يُعد أحادي النوع.
وتنتمي السمكة إلى عائلة الشبوطيات (Cyprinidae)، وهي العائلة التي تضم عددًا كبيرًا من أسماك المياه العذبة. إلا أن سمكة حديثة العمياء (Caecocypris basimi) تختلف بصورة كبيرة عن معظم أفراد هذه العائلة نتيجة تكيفها مع الحياة في المياه الجوفية.
العينات الأصلية
اعتمد الوصف العلمي للنوع على عينة نمطية أساسية (Holotype) وهي أنثى بالغة يبلغ طولها القياسي 49 ملم. كما استخدمت عدة عينات نمطية مساعدة (Paratypes) تراوحت أطوالها بين نحو 7.9 و36 ملم.
وتحفظ العينات الأصلية في مجموعات المتاحف العلمية، وهي ذات أهمية كبيرة لأن Caecocypris basimi لم تُشاهد في الطبيعة منذ عقود، مما يجعل العينات المحفوظة مصدرًا مهمًا لدراسة خصائص النوع.
الموطن والتوزيع
الموقع الأصلي للنوع هو بالوعة مقام الشيخ حديد بالقرب من مقام الشيخ حديد، على بعد نحو 500 متر غرب نهر الفرات في الأطراف الشمالية لمدينة حديثة في محافظة الأنبار. ويقع الموقع ضمن نظام مائي جوفي يمكن الوصول إليه عبر بئر أو فتحة في منطقة البالوعة.
ويُعد الموقع أيضًا الموطن الأصلي المعروف للبارب العراقي الأعمى Garra widdowsoni، وقد ثبت أن النوعين يتعايشان في النظام الجوفي نفسه.
وتشير المصادر إلى أن المنطقة التي يستطيع الباحثون الوصول إليها ليست سوى نافذة صغيرة إلى النظام المائي الجوفي المحلي، ولذلك فمن الصعب معرفة المدى الحقيقي الذي كانت السمكة تنتشر فيه تحت سطح الأرض.
الحياة في الظلام
تعيش Caecocypris basimi في المياه الجوفية بعيدًا عن الضوء الطبيعي. ولهذا أصبحت الرؤية أقل أهمية بالنسبة إليها مقارنة بالأسماك التي تعيش في الأنهار والمياه المفتوحة.
ويمثل ضمور العينين وفقدان الاعتماد على الرؤية أحد أهم مظاهر التكيف مع البيئة الجوفية لدى الأسماك الكهفية عمومًا. ولا يحدث هذا التغير نتيجة إصابة العين أو فقدانها خلال حياة السمكة، وإنما يرتبط بعملية تكيفية طويلة تراكمت خلالها الصفات الملائمة للعيش في الظلام عبر أجيال عديدة.
وفي المقابل، تصبح الحواس الأخرى أكثر أهمية في إدراك البيئة المحيطة، والحركة، والعثور على الغذاء، وتجنب العوائق.
الغذاء
لا تزال المعلومات عن النظام الغذائي الطبيعي لـCaecocypris basimi محدودة للغاية. ويعود ذلك بصورة رئيسية إلى صعوبة الوصول إلى موطنها الجوفي ومراقبة أفرادها في الطبيعة.
وتتميز البيئات الجوفية عادة بمحدودية مصادر الغذاء مقارنة بالأنهار والبحيرات، ولذلك فإن الأسماك التي تعيش فيها تحتاج إلى الاستفادة من الموارد العضوية والكائنات الصغيرة التي تصل إلى المياه الجوفية أو تعيش داخلها.
ومع ذلك، لا تتوفر معلومات كافية تسمح بتحديد مكونات غذاء Caecocypris basimi بدقة، ولذلك فإن أي وصف تفصيلي لغذائها يحتاج إلى دراسة أفراد حية في بيئتها الطبيعية أو في ظروف بحثية مناسبة.
التكاثر ودورة الحياة
يُعد تكاثر Caecocypris basimi من الجوانب التي لا تزال غير معروفة بصورة كافية. فلا توجد معلومات ميدانية حديثة موثوقة تحدد بصورة دقيقة موسم التكاثر أو عدد البيوض أو فترة الحضانة أو مراحل نمو اليرقات.
وتعود صعوبة دراسة التكاثر إلى ندرة النوع وصعوبة الوصول إلى موطنه الجوفي. كما أن عدم توفر أفراد حية حديثة يجعل دراسة دورة حياته أكثر صعوبة.
ولهذا فإن إعادة اكتشاف أفراد حية من النوع ستكون ذات قيمة كبيرة، لأنها ستسمح بدراسة طريقة التكاثر والنمو والسلوك، وهي معلومات ضرورية لفهم بيولوجية هذا النوع وحمايته.
البارب العراقي الأعمى (Garra widdowsoni)
يُعد البارب العراقي الأعمى (Garra widdowsoni) أحد أشهر الأسماك الكهفية في العراق. وقد وصفته الباحثة البريطانية Ethelwynn Trewavas عام 1955، وكان اسمه العلمي في الأصل Typhlogarra widdowsoni.
وكان هذا النوع في التصنيف القديم يمثل النوع الوحيد في جنس Typhlogarra، لكن الدراسات التصنيفية والوراثية اللاحقة أدت إلى وضعه ضمن جنس Garra، وأصبح الاسم العلمي المستخدم حاليًا هو Garra widdowsoni. ويظهر الاسم القديم Typhlogarra widdowsoni بوصفه مرادفًا تصنيفيًا للاسم الحالي.
العينات النمطية
كانت العينة النمطية الأساسية (Holotype) التي اعتمدت عليها Trewavas في وصف النوع تحمل الرقم المتحفي BMNH 1953.12.31:1، ويبلغ طولها القياسي 47.5 ملم، بينما بلغ طول العينة النمطية المساعدة 43 ملم.
وقد أصبحت هذه العينات مهمة بصورة خاصة بسبب ندرة النوع في الطبيعة وصعوبة الحصول على أفراد جديدة منه.
التوزيع الجغرافي
الموقع الأصلي للنوع هو بالوعة مقام الشيخ حديد بالقرب من حديثة، على بعد نحو 500 متر غرب نهر الفرات. وتحدد المصادر الإحداثيات عند نحو 34°10′57.71″ شمالًا و42°22′11.80″ شرقًا.
كما عُرف النوع من بالوعة وادي الحقلانية بالقرب من حديثة. وأفاد السكان المحليون بأن السمكة كانت موجودة في سبعة مواقع أخرى على الأقل، إلا أن المواقع الدقيقة لهذه الأماكن لم تعد معروفة.
وهناك موقع ثالث معروف تاريخيًا هو خانة الحمام Pigeon Hole، ويقع على بعد حوالي 12 كيلومترًا جنوب الموقع الأصلي. وقد جُمعت من هذا الموقع سمكة كهفية في نحو عام 1950، لكنها فُقدت ولم يتم تحديدها في ذلك الوقت. ثم أكدت عينة محفوظة في المتحف البريطاني وجود Garra widdowsoni في الموقع.
الحياة داخل الكهوف والمياه الجوفية
تعيش Garra widdowsoni في المياه الجوفية، وهي بيئة مظلمة تختلف بصورة كبيرة عن البيئة النهرية السطحية. وتشير المصادر إلى أن موقع جمع العينات ليس إلا نافذة صغيرة إلى النظام المائي الجوفي، ولذلك لا تزال طبيعة الموطن الحقيقي للسمكة غير معروفة بالكامل.
وقد أدت الحياة في هذه البيئة إلى ظهور صفات متخصصة، أهمها ضمور العينين والتغيرات المرتبطة بالحواس. وقد تناولت دراسات سابقة الدماغ وأعضاء الحس وحساسية الضوء لدى هذا النوع، كما درست بصورة خاصة تنكس العينين.
كيف تستطيع العيش من دون رؤية؟
في البيئة السطحية، تعتمد الأسماك بدرجة كبيرة على العينين في تحديد الاتجاه والعثور على الغذاء وتجنب العوائق. أما في الكهوف والمياه الجوفية، فإن الضوء يكاد يكون معدومًا، وبالتالي تقل الفائدة التي توفرها العينان.
وعبر أجيال طويلة من التكيف، تصبح الصفات التي لا توفر فائدة كبيرة أقل أهمية، بينما تزداد أهمية الصفات التي تساعد على البقاء في الظلام. ولهذا أصبحت الأسماك الكهفية تعتمد بصورة أكبر على أنظمة حسية أخرى.
ومن المهم التأكيد أن السمكة لم تصبح عمياء لأنها دخلت الكهف حديثًا، وإنما يمثل فقدان أو ضمور الرؤية تكيفًا طويل الأمد.
الحواس والتكيف مع البيئة الجوفية
تحتاج الأسماك الكهفية إلى وسائل أخرى للتعرف على محيطها. ولذلك تلعب الحواس غير البصرية دورًا مهمًا في الحركة واكتشاف العوائق والبحث عن الغذاء.
وقد جعلت هذه التكيفات Garra widdowsoni موضوعًا للعديد من الدراسات العلمية؛ فقد تناولت الأبحاث تاريخيًا الدماغ وأعضاء الحس وحساسية الضوء وتنكس العينين لدى النوع.
وتوضح هذه الدراسات أن الأسماك الكهفية ليست مجرد أسماك عادية فقدت عيونها، بل هي كائنات طورت مجموعة من الصفات المتكاملة التي تساعدها على الحياة في بيئة مختلفة جذريًا عن البيئة السطحية.
التغذية والحصول على الغذاء
لا تزال المعلومات التفصيلية حول غذاء Garra widdowsoni قليلة. ويرتبط ذلك بصعوبة مراقبة السمكة في بيئتها الطبيعية، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى أجزاء كبيرة من النظام الجوفي.
وتتميز المياه الجوفية عادة بمحدودية الموارد الغذائية، ولذلك تحتاج الأسماك الكهفية إلى استخدام الموارد المتاحة بكفاءة. وقد تعتمد على الكائنات الدقيقة والمواد العضوية والكائنات الصغيرة الموجودة في النظام الجوفي.
لكن لا توجد معلومات كافية تسمح بتحديد نظامها الغذائي بدقة، ولذلك ينبغي التعامل بحذر مع أي معلومات غذائية مستمدة من أنواع أخرى من جنس Garra.
التكاثر ودورة الحياة
لا تزال تفاصيل التكاثر لدى Garra widdowsoni غير معروفة بصورة كاملة. وقد تمكن الباحثون من دراسة أفراد صغيرة وكبيرة، لكن ذلك لم يوفر معلومات كافية عن موسم التكاثر أو عدد البيوض أو فترة الحضانة أو مراحل نمو الصغار.
وتجعل البيئة الجوفية دراسة هذه العمليات أكثر صعوبة، لأن الباحثين لا يستطيعون مراقبة الأسماك بصورة مستمرة في الكهوف والمياه الجوفية.
ولهذا فإن إعادة دراسة النوع اعتمادًا على أفراد حية ستكون مهمة جدًا لمعرفة كيفية تكاثره ومتى يتكاثر وكيف تنمو صغاره.
الدراسات العلمية على البارب العراقي الأعمى
درس الباحث Niazi عام 1965 عددًا بلغ 69 فردًا من Garra widdowsoni، تراوحت أطوالها بين 12 و47.5 ملم، وشملت أفرادًا صغيرة وبالغة. وأظهرت الدراسة وجود درجة من التباين بين أفراد الجماعة نفسها.
كما أشارت دراسة Post عام 1965 إلى أن العدد الأحادي للكروموسومات لدى النوع يبلغ 24 كروموسومًا.
أما الدراسات الجزيئية الحديثة فقد ساعدت على توضيح علاقته بالأنواع الأخرى من جنس Garra. ووفق تحليل باستخدام مؤشرات COI، وُجد أن Garra widdowsoni ترتبط بمجموعة تضم Garra mondica وGarra amirhosseini وGarra elegans وGarra hormuzensis.
العلاقة بين النوعين العراقيين
من أهم الخصائص التي تجعل منطقة حديثة ذات قيمة استثنائية أن سمكة حديثة العمياء (Caecocypris basimi) والبارب العراقي الأعمى (Garra widdowsoni) يعيشان في النظام الجوفي نفسه.
وهذا التعايش يتيح للباحثين فرصة مهمة لدراسة كيفية تكيف نوعين مختلفين من الأسماك مع الظروف البيئية نفسها.
كما أن مصير النوعين يبدو مرتبطًا بحالة النظام المائي الجوفي؛ فالتغير في مستوى المياه لا يؤثر في نوع واحد فقط، وإنما يمكن أن يؤثر في كامل المجتمع الحيوي الموجود داخل النظام الجوفي.
الوضع الحالي لسمكة حديثة العمياء
تُصنف Caecocypris basimi على أنها مهددة بالانقراض بدرجة حرجة، مع احتمال انقراضها. وتعود آخر السجلات المعروفة إلى العينات الأصلية، بينما لم يتم العثور عليها خلال مسح شامل للموقع أجري عام 2012.
وهناك احتمال أن تكون السمكة ما تزال موجودة في أجزاء غير مكتشفة من النظام الجوفي، لكن عدم العثور عليها في المسوحات يجعل وضعها شديد الخطورة.
الوضع الحالي للبارب العراقي الأعمى
أما Garra widdowsoni فهو كذلك مصنف مهددًا بالانقراض بدرجة حرجة. وقد أظهر المسح الذي أجري عام 2012 تراجعًا واضحًا في حالة موطنه.
فقد وجد الباحثون أن بالوعة وادي الحقلانية كانت جافة تمامًا ولا توجد فيها أسماك، بينما كانت بالوعة مقام الشيخ حديد تحتوي على المياه، لكن مستوى المياه كان قد انخفض بصورة شديدة. وكان Garra widdowsoni النوع الوحيد الذي شوهد في ذلك المسح، في حين لم تكن هناك مشاهدات حديثة لـCaecocypris basimi لعدة سنوات.
استنزاف المياه الجوفية
يمثل استخراج المياه أحد أهم الأخطار على الأسماك الكهفية العراقية. فعندما ينخفض مستوى المياه الجوفية، تقل المساحة المائية التي تستطيع الأسماك العيش فيها، وقد تجف بعض الكهوف والبالوعات بصورة كاملة.
وتشير المعلومات الخاصة بـCaecocypris basimi إلى أن استخراج المياه من البئر الموجود في موقعها يمثل تهديدًا رئيسيًا، كما أن انخفاض مستوى المياه والتغيرات الهيدرولوجية المرتبطة بإنشاء سد كبير بالقرب من الفرات ربما أثرت بصورة سلبية في الموقع.
التغيرات الهيدرولوجية
لا تعتمد هذه الأسماك على نهر الفرات مباشرة بالطريقة التي تعتمد بها الأسماك النهرية، وإنما ترتبط بنظام المياه الجوفية. ولذلك فإن أي تغيير كبير في حركة المياه أو تغذية الخزان الجوفي يمكن أن يؤثر في البيئة التي تعيش فيها.
وتكتسب هذه المشكلة أهمية خاصة لأن الأنواع الكهفية لا تستطيع الانتقال بسهولة إلى موائل بديلة.
محدودية الانتشار
من أخطر العوامل أيضًا أن هذه الأسماك ذات انتشار جغرافي محدود جدًا. فـCaecocypris basimi معروفة من نظام جوفي محدود بالقرب من حديثة، بينما ترتبط Garra widdowsoni بعدد قليل جدًا من المواقع المعروفة.
وهذا يعني أن تدمير موقع واحد يمكن أن يكون له تأثير كبير على النوع بأكمله.
أهمية اكتشاف هذه الأسماك
تمثل الأسماك العمياء في العراق أهمية كبيرة لعلم الأحياء، لأنها توضح قدرة الكائنات الحية على التكيف مع البيئات شديدة القسوة والظلام الدائم.
وقد اكتسبت هذه الأسماك صفات تساعدها على العيش في الظلام، فأصبحت الرؤية أقل أهمية لديها، في حين أصبحت الحواس الأخرى أكثر أهمية في الحركة والعثور على الغذاء والتعامل مع البيئة المحيطة. كما أن عزلتها داخل الأنظمة المائية الجوفية جعلتها متميزة من الناحية الوراثية والتصنيفية عن كثير من الأسماك التي تعيش في المياه السطحية.
وتساعد دراسة هذه الأسماك العلماء على فهم العلاقة بين البيئة والصفات التشريحية والحواس والسلوك والوراثة وطرق التكيف مع الظروف البيئية القاسية.
أهمية حماية الكهوف والمياه الجوفية
إن حماية الأسماك العمياء العراقية لا يمكن أن تقتصر على منع صيدها، لأن المشكلة الرئيسية ليست الصيد وإنما تدهور الموطن نفسه.
فإذا جفت المياه الجوفية أو انخفض مستواها بصورة كبيرة، فلن يكون بإمكان السمكة الانتقال إلى نهر آخر بسهولة. كما أن تلوث المياه الجوفية يمكن أن يستمر داخل النظام لفترة طويلة ويؤثر في الكائنات التي تعتمد عليه.
ولهذا يجب أن تتضمن جهود المحافظة على هذه الأسماك مراقبة مستوى المياه الجوفية، وتقليل استنزافها، ومنع تلوثها، ودراسة تأثير التغيرات الهيدرولوجية في النظام الكارستي.
كما ينبغي إجراء مسوحات علمية دورية للمواقع المعروفة، والبحث عن المواقع التاريخية التي أبلغ عنها السكان المحليون، واستخدام التقنيات الحديثة لتحديد ما إذا كانت هناك تجمعات للأسماك في أجزاء أخرى من النظام الجوفي.
هل انقرضت سمكة حديثة العمياء فعلًا؟
هذه من أكثر النقاط أهمية عند الحديث عن Caecocypris basimi. فعدم العثور عليها في المسح الذي أجري عام 2012 لا يعني بصورة قاطعة أنها انقرضت عالميًا، لأن النظام الجوفي قد يحتوي على ممرات ومناطق لا يستطيع الباحثون الوصول إليها.
ولهذا تستخدم بعض المصادر العلمية تعبير «مهددة بالانقراض بدرجة حرجة، وربما منقرضة» بدلًا من إعلان انقراضها بصورة مؤكدة. كما أن تقريرًا وطنيًا للعراق أشار إلى أن Caecocypris basimi معروفة من موقع واحد في غرب العراق وأنها ربما تكون منقرضة، مع التأكيد على عدم وجود توثيق حاسم لانقراض أنواع في العراق.
وبالتالي فإن إعادة البحث عنها لا تزال ذات قيمة علمية كبيرة؛ فإذا عُثر على أفراد حية، فسيكون ذلك اكتشافًا مهمًا للغاية.
أهمية إعادة اكتشافها
إن إعادة اكتشاف Caecocypris basimi ستكون ذات أهمية استثنائية، ليس فقط لأنها ستثبت استمرار نوع نادر، وإنما لأنها ستوفر للعلماء فرصة لدراسة نوع لم تتوفر منه عينات حية حديثة منذ عقود.
ويمكن أن تسمح العينات الحديثة بدراسة الحمض النووي، والصفات التشريحية، والحواس، والغذاء، والسلوك، والتكاثر، والنمو، إضافة إلى تحديد موقع النوع بدقة ضمن التصنيف العلمي للأسماك وعلاقته بالأنواع القريبة منه.
كما يمكن أن تساعد هذه الدراسات في معرفة ما إذا كان النوع موجودًا في مواقع أخرى داخل النظام الكارستي.
الأسماك الكهفية بوصفها مؤشرًا على صحة المياه الجوفية
يمكن النظر إلى هذه الأسماك بوصفها جزءًا من النظام البيئي الجوفي، ولذلك فإن تراجعها قد يكون مؤشرًا على وجود تغيرات بيئية أوسع.
فعندما تجف البالوعات أو ينخفض مستوى المياه، لا تختفي الأسماك وحدها، وإنما يتغير النظام البيئي بأكمله. ومن هنا فإن دراسة الأسماك الكهفية يمكن أن تساعد على فهم حالة المياه الجوفية والتغيرات التي طرأت عليها.
وبالتالي فإن حماية هذه الأنواع يمكن أن تعود بفائدة أوسع على المحافظة على الموارد المائية الجوفية نفسها.
الأسماك الكهفية العراقية والتراث الطبيعي
تمثل Caecocypris basimi وGarra widdowsoni جزءًا فريدًا من التراث الطبيعي العراقي. فهما ليستا مجرد نوعين نادرين من الأسماك، بل تمثلان تاريخًا تكيفيًا طويلًا حدث في أعماق الأرض بعيدًا عن الضوء والبيئات السطحية.
كما أن وجودهما في منطقة حديثة يضيف قيمة علمية خاصة إلى التنوع الحيوي في محافظة الأنبار، ويجعل النظام الجوفي في المنطقة جديرًا بمزيد من الدراسة والحماية.
وقد أدرج تقييمات التنوع الحيوي ومواقع التنوع المهمة في العراق كلًا من Haditha Cave garra وHaditha Cave fish ضمن الأنواع التي تستدعي اهتمامًا خاصًا بالحفاظ عليها.
الخاتمة
تمثل الأسماك العمياء وأسماك الكهوف في العراق أحد أكثر مظاهر التنوع الحيوي ندرة وإثارة للاهتمام في البلاد. ويأتي في مقدمتها سمكة حديثة العمياء (Caecocypris basimi) والبارب العراقي الأعمى (Garra widdowsoni)، وهما نوعان متخصصان في الحياة داخل المياه الجوفية في منطقة حديثة بمحافظة الأنبار.
وقد تكيفت هذه الأسماك مع الحياة في الظلام عبر سلسلة من التغيرات التطورية التي جعلت الرؤية أقل أهمية، في حين ازدادت أهمية الحواس الأخرى. كما أن محدودية الغذاء والعزلة داخل النظام الجوفي أسهما في تشكيل نمط حياة مختلف تمامًا عن حياة الأسماك التي تعيش في الأنهار والأهوار العراقية.
وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن وضع النوعين خطير للغاية. فقد جفت بعض المواقع المعروفة، وانخفض مستوى المياه في مواقع أخرى، كما أن Caecocypris basimi لم تُشاهد في المسوحات الحديثة، مما أدى إلى اعتبارها مهددة بالانقراض بدرجة حرجة وربما منقرضة. أما Garra widdowsoni فلا تزال موجودة وفق آخر المسوحات المنشورة، لكنها مهددة بالانقراض بدرجة حرجة أيضًا.
ولا تكمن المشكلة الأساسية في هذه الأسماك نفسها، وإنما في المياه الجوفية التي تعتمد عليها. ولذلك فإن حماية هذه الكائنات تتطلب حماية موائلها، ومراقبة مستويات المياه، والحد من استنزاف الخزانات الجوفية، ودراسة تأثير التغيرات الهيدرولوجية، إلى جانب تنفيذ مسوحات مستمرة للبحث عن تجمعات غير مكتشفة.
وفي النهاية، فإن المحافظة على هذه الأسماك تعني المحافظة على جزء نادر من التاريخ الطبيعي للعراق. فهي كائنات تكيفت في الظلام، وعاشت معزولة عن العالم الخارجي، وأصبحت شاهدة حية على قدرة الحياة على التكيف مع أكثر البيئات قسوة. ومن ثم فإن إنقاذ الأسماك العمياء في كهوف العراق لا يمثل حماية لنوعين من الأسماك فحسب، بل حماية لنظام بيئي فريد وتراث طبيعي لا يمكن تعويضه إذا فُقد.
المراجع
Subterranean Fishes of the World. Garra widdowsoni — السجل العلمي للبارب العراقي الأعمى. يتضمن معلومات عن العينات الأصلية، والتوزيع الجغرافي، والموطن، والتصنيف، والحالة المحافظة، والمراجع العلمية المتعلقة بالنوع.
https://cavefishes.org.uk/species-record.php?id=68
Subterranean Fishes of the World. Caecocypris basimi — السجل العلمي لسمكة حديثة العمياء. يتضمن معلومات عن العينات الأصلية، والموطن، والتوزيع، والتصنيف، والحالة المحافظة، والتهديدات التي تواجه النوع.
https://cavefishes.org.uk/species-record.php?id=71
FishBase. Caecocypris basimi — قاعدة بيانات علمية متخصصة في الأسماك، وتتضمن معلومات عن تصنيف النوع وبيئته وانتشاره، وتوضح أنه من أسماك المياه العذبة المرتبطة بالمياه الجوفية في منطقة حديثة بالعراق.
https://www.fishbase.se/Fieldguide/FieldGuideSummary.php?c_code=368&genusname=Caecocypris&speciesname=basimi
Al-Sheikhly, O. F. & Freyhof, J. (2013). دراسة ميدانية حول أسماك الكهوف في منطقة حديثة بمحافظة الأنبار، ولا سيما Garra widdowsoni وCaecocypris basimi، وتتناول حالة المواقع الجوفية والتغيرات التي طرأت عليها. وتُعد من المصادر المهمة لتقييم الوضع الحالي لهذه الأنواع في العراق.
https://cavefishes.org.uk/bibliography-record.php?id=5488
انتهى