​حين أشرقت الدنيا بمولد المصطفى

​حين أشرقت الدنيا بمولد المصطفى

​ آسيا الأهدل

​لم يكن مولدُ محمدٍ صلوات الله عليه وعلى آله تاريخًا مرَّ على وجه الزمان ثم مضى، ولا حادثةً أُضيفت إلى دفتر الأيام ثم أُغلقت صفحتها؛ كان المولد الشريف فجرًا أطلَّ على الإنسانية من وراء حُجب الغيب، فارتجف لضيائه ليلُ الجاهلية، وتهيأت الأرض لاستقبال الرحمة التي سيُبعث بها خيرُ من وطئت قدماه ترابها.

​في مكة، حيث كانت الحجارةُ تُرفع إلى مقام الآلهة، كان الله يُعِدُّ للكون قلبًا واحدًا سيعلّم الحجارةَ أن العظمة لله، وسيعلّم الإنسانَ أن لا يسجد إلا للذي خلقه.

وفي زمنٍ كانت العصبية فيه قِبلةً، والسيفُ لغةً، والظلمُ ميراثًا، والإنسانُ يُقاس بنسبه وقوته، جاء محمدٌ صلوات الله عليه وآله وسلم ليُعيد للإنسان إنسانيته، وللقلب قِبلته، وللروح طريقها إلى السماء.

​ولد اليتيمُ، لكن الله تكفّل به؛
ولد بلا أبٍ يظلّه، فجعل اللهُ عنايته له ظِلًّا؛
ونشأ بلا جاهٍ دنيوي، فرفع الله ذكره حتى صار اسمه يُذكر مقرونًا باسم رب العالمين في الشهادتين والأذان والصلاة.
​يا محمد، يا من إذا ذُكرتَ أشرقت في القلب نافذةٌ لا تُغلق، وإذا مرَّ اسمك على الشفاه خشعت الحروف، وإذا حضر هديك في الحياة انحسر عن الروح كثيرٌ من ظلامها.

​ما أعظمك رسولًا، وما أرحمك نبيًا، وما أصفاك قلبًا!
​كنتَ تمشي بين الناس، وقلبك معلقٌ بالسماء؛
تجوعُ لتطعم غيرك، وتتعبُ ليستريح غيرك، وتُؤذى فتصفح، ويُساء إليك فتدعو، ويُرمى عليك التراب فتقول لمن رموك: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».

​ما كان محمدٌ صلوات الله عليه وعلى آله وسلم صاحب رسالةٍ فحسب، بل كان الرسالة وهي تمشي على قدمين؛ كان القرآن حين يتحول من كلماتٍ إلى سلوك، ومن آياتٍ إلى أخلاق، ومن نورٍ في المصحف إلى نورٍ في الطريق.

​وكان مولده الشريف إيذانًا بأن الرحمة قد اختارت لها قلبًا بشريًا، وأن السماء سترسل إلى الأرض من يفتح أبوابها من جديد.

​جاء ليقول للعبد: إنك لست رقمًا في قطيع الحياة، ولا عبدًا لملكٍ أو حجرٍ أو مال؛ أنت عبدُ الله، مكرَّمٌ بإنسانيتك، مرفوعٌ بتقواك.
​وجاء ليقول للفقير: لستَ منسيًا.
ولليتيم: لستَ وحيدًا.

وللمظلوم: إن للعدل موعدًا.
وللمكسور: إن الله يرى دمعتك.
وللضائع: إن في السماء طريقًا لا يضل سالكه.
وللإنسان كله: إن الرحمة ليست ضعفًا، وإن العفو ليس هزيمة، وإن النور قد يبدأ من قلبٍ واحد ثم يملأ الدنيا.

​ثم مضى صلوات الله عليه وعلى آله، لكنّه لم يرحل.
​رحل الجسد إلى الرفيق الأعلى، وبقي الأثر.
وغاب الوجه عن عيوننا، وبقيت سنته (عترته آل بيته عليهم السلام) في أيدينا.

وسكت الصوت الذي كانت تسمعه مكة والمدينة، وبقي صداه يوقظ الفجر في آلاف المآذن.
​كلما قال المؤذن: «أشهد أن محمدًا رسول الله»، شعرت الأرض أن صاحبها لم يغب تمامًا؛
وكلما صلّى عليه محبٌّ، ارتفعت في السماء دعوةٌ من قلبٍ عرف قدره؛
وكلما تمسّك إنسانٌ بخلقه، أو رحم ضعيفًا، أو عفا عند المقدرة، أو أطعم جائعًا، أو جبر خاطرًا، بدا شيءٌ من ذلك النور الذي تركه المصطفى صلوات الله عليه وعلى آله في هذه الأمة.

​سلامٌ عليك يوم وُلدت،
وسلامٌ عليك يوم حملتَ أمانة الرسالة،
وسلامٌ عليك يوم وقفتَ في عرفاتٍ داعيًا لأمتك،
وسلامٌ عليك يوم دخلت مكة فاتحًا، فما انتقمتَ ممن آذوك، بل فتحتَ أبواب العفو.

وسلامٌ عليك يوم قلتَ: «بل الرفيق الأعلى»، واخترتَ جوار ربك، وتركت في الأرض قلوبًا لا تزال منذ أربعة عشر قرنًا تبحث عنك في السيرة، وتبكي شوقًا إليك في الصلاة.

​يا رسول الله، إننا لا نملك أن نبلغ مقامك، ولا أن نفي بعض حقك، ولا أن نرد لك جميل ما جئت به؛ ولكننا نملك أن نحبك، وأن نصلي عليك، وأن نجعل من سيرتك ميزانًا لأخلاقنا، ومن سنتك نورًا لخطانا.
​فيا رب، كما أشرقت الدنيا بمولده، فأشرق قلوبنا باتباعه.
وكما أخرجت به الناس من الظلمات إلى النور، فأخرجنا به من ظلمات أنفسنا إلى رحابك.
وكما جمعت به القلوب بعد فرقتها، فاجمع قلوبنا على محبتك ومحبة نبيك وآل نبيك أعلام الهدى وقرناء الذكر وقادة المجاهدين.

​اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، عدد ما أشرقت شمس، وما تنفس صبح، وما خفق قلبٌ بحب، وما نطق لسانٌ بالصلاة عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين أجمعين.

​سلامٌ على المولد الشريف،
وسلامٌ على صاحب المولد،
وسلامٌ على أمةٍ ما زال قلبها ينبض بالحب لمحمد صلوات الله عليه وعلى آله.

وما دام فينا قلبٌ يقول: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد»، فلن ينطفئ في هذه الأمة شيءٌ من ذلك النور الإلهي.

#اتحاد_كاتبات_اليمن