الملك والحكمة والخطاب في آية (وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب)

د. فاضل حسن شريف

عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله عز وجل “وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ” (ص 20) “وشددنا ملكه” (ص 20) أي قوينا ملكه بالحرس والجنود والهيبة وكثرة العدد والعدة “وآتيناه الحكمة” (ص 20) وهي النبوة وقيل الإصابة في الأمور وقيل العلم بالله وشرائعه عن أبي العالية والجبائي “وفصل الخطاب” (ص 20) يعني الشهود والأيمان وإن البينة على المدعي واليمين على من أنكر لأن خطاب الخصوم لا ينفصل ولا ينقطع إلا بهذا وهو قول الأكثرين وقيل فصل الخطاب هو العلم بالقضاء والفهم عن ابن مسعود والحسن ومقاتل وقتادة وقال البلخي يجوز أن يكون المراد بتسبيح الجبال معه ما أعطاه الله تعالى من حسن الصوت بقراءة الزبور فكان إذا قرأ الزبور أو رفع صوته بالتسبيح بين الجبال ردت الجبال عليه مثله من الصدى فسمى الله ذلك تسبيحا.

وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله عز وجل “وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ” (ص 20) قال الراغب: الشد العقد القوي يقال شددت الشيء قويت عقده. انتهى فشد الملك من الاستعارة بالكناية والمراد به تقوية الملك وتحكيم أساسه بالهيبة والجنود والخزائن وحسن التدبير وسائر ما يتقوى به الملك. والحكمة في الأصل بناء نوع من الحكم والمراد بها المعارف الحقة المتقنة التي تنفع الإنسان وتكمله، وقيل: المراد النبوة، وقيل الزبور وعلم الشرائع، وقيل غير ذلك وهي وجوه ردية. وفصل الخطاب تفكيك الكلام الحاصل من مخاطبة واحد لغيره وتمييز حقه من باطله وينطبق على القضاء بين المتخاصمين في خصامهم. وقيل: المراد به الكلام القصد ليس بإيجازه مخلا ولا بإطنابه مملا، وقيل: فصل الخطاب قول أما بعد فهوعليه السلام أول من قال: أما بعد، والآية التالية “وهل أتاك نبؤا الخصم” (ص 21) إلخ تؤيد ما قدمناه.

وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله عز وجل “وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ” (ص 20) “وشددنا ملكه” (ص 20) أي قويناه. “وآتيناه الحكمة” وهي وضع الأشياء في محلها، وبتعبير الرازي (هي العلم والعمل به، وانما سمي هذا بالحكمة لأن اشتقاق الحكمة من إحكام الأمور وتقويتها). “وفصل الخطاب” (ص 20) قال الرازي: فصل الخطاب هو القدرة على ضبط المعنى والتعبير عنه إلى أقصى الغايات. وهذا أشمل مما نفهمه نحن من أن فصل الخطاب هو العلم بالقضاء والفصل في الخصومات على أساس العدل. بهذه الأوصاف الكاملة الفاضلة نعت القرآن الكريم داود، أما التوراة فقد وصفته بأقبح النعوت كالظلم والفسق والغدر واغتصاب النساء من الأزواج حتى قال المسهمون في وضع قاموس الكتاب المقدس صفحة 365 طبعة 15 آذار سنة 1967 ما نصه بالحرف الواحد: (ارتكب داود في بعض الأحيان خطايا يندى لها الجبين خجلا).

وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز وجل “وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ” (ص 20) وتواصل الآية التالية إستعراض نعم الله على داود عليه السلام، قال تعالى: “وشددنا ملكه” (ص 20) أي ثبّتنا وأحكمنا مملكته، بحيث كان العصاة والطغاة من أعدائه يحسبون لمملكته ألف حساب لقوّتها. وإضافة إلى هذا فقد آتيناه الحكمة والعلم والمعرفة “وآتيناه الحكمة” (ص 20) الحكمة التي يقول بشأنها القرآن المجيد (ومن يؤت الحكمة فقد اُوتي خيراً كثيراً). (الحكمة) هنا تعني العلم والمعرفة وحسن تدبير اُمور البلاد، أو مقام النبوّة، أو جميعها. وقد تكون (الحكمة) أحياناً ذات جانب علمي ويعبّر عنها بـ (المعارف العالية)، واُخرى لها جانب عملي ويعبّر عنها (بالأخلاق والعمل الصالح) وقد كان لداود في جميعها باع طويل. وآخر نعمة إلهيّة أُنعمت على داود هي تمكّنه من القضاء والحكم بصورة صحيحة وعادلة “وفصل الخطاب” (ص 20). وقد إستخدمت عبارة (فصل الخطاب) لأنّ كلمة (الخطاب) تعني أقوال طرفي النزاع، أمّا (فصل) فإنّها تعني القطع والفصل. وكما هو معروف فإنّ أقوال طرفي النزاع لا تقطع إلاّ إذا حكم بينهم بالعدل، ولهذا فإنّ العبارة هذه تعني قضائه بالعدل. وهناك إحتمال آخر لتفسير هذه العبارة، وهو أنّ الله سبحانه وتعالى أعطى داود منطقاً قويّاً يدلّل على سمو وعمق تفكيره، ولم يكن هذا خاصّاً بالقضاء وحسب، بل في كلّ أحاديثه. حقّاً، ليس من المفروض أن ييأس أحد من لطف الله، الله الذي يستطيع أن يعطي الإنسان اللائق والمناسب كلّ تلك القوّة والقدرة. وهذه ليست مواساة للنبي الأكرم والمؤمنين في مكّة الذين كانوا يعيشون في تلك الأيّام تحت أصعب الظروف وأشدّها، بل مواساة لكلّ المؤمنين المضطهدين في كلّ مكان وزمان.

جاء في اعراب القرآن الكريم: قوله عز وجل “وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ” (ص 20) وَشَدَدْنَا “الْوَاوُ” حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(شَدَدْنَا): فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ، وَ(نَا): ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ. مُلْكَهُ مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ”هَاءُ الْغَائِبِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ. وَآتَيْنَاهُ “الْوَاوُ” حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(آتَيْنَا): فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ، وَ(نَا): ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ”هَاءُ الْغَائِبِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ أَوَّلُ. الْحِكْمَةَ مَفْعُولٌ بِهِ ثَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ. وَفَصْلَ “الْوَاوُ” حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(فَصْلَ): مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ. الْخِطَابِ مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.