ترامب بين فوبيا إيران وخطر السلطة: عندما يصبح الرئيس نفسه مصدرًا لتهديد الأمن والسلام العالميين
عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
لم تعد قصة محاولة إغتيال ترامب في تركيا مجرد تفصيل أمني عابر، ولا مجرد مشهد طريف لرئيس دولة عظمى يغادر طائرته عبر شاحنة تموين؛ فخلف هذه الصورة تختبئ قضية أخطر بكثير: رئيس الولايات المتحدة يعيش تحت هاجس تهديد إيراني محتمل، بينما تخوض بلاده عدوانًا مفتوحًا على إيران منذ نحو ستة أشهر، دون أن تتمكن الإدارة الأميركية من إقناع العالم بأنها حققت أهدافها الاستراتيجية.
والأكثر إثارة أن الرواية التي ملأت وسائل الإعلام خلال الأيام الماضية تستند أساسًا إلى معلومات استخبارية إسرائيلية؛
فقد كشفت رويترز في 13 آب/أغسطس أن الولايات المتحدة تلقت خلال الأسابيع الماضية تحذيرات إسرائيلية متعددة بشأن مخططات إيرانية محتملة لاستهداف ترامب. لكن المفاجأة أن أجهزة الاستخبارات الأميركية لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من هذه المعلومات، وصنفتها بدرجة ثقة منخفضة، فيما لم تجد الاستخبارات التركية دليلًا يؤكد المعلومات الإسرائيلية المتعلقة بحادثة أنقرة.
ومع ذلك، اتخذت أجهزة الأمن الأميركية إجراءات استثنائية.
في تركيا؛ فظهر ترامب علنًا وكأنه سيغادر على الطائرة الرئاسية، ثم نُقل سرًا بواسطة شاحنة تموين إلى طائرة عسكرية أصغر، بينما بقي مسؤولون وصحافيون على الطائرة الأصلية باعتبارها هدفًا مضللًا محتملًا.
هنا يجب أن نطرح السؤال الحقيقي:
إذا كانت المعلومات الإسرائيلية غير مؤكدة أميركيًا، فلماذا تحولت إلى عناوين عالمية ضخمة؟
والسؤال الأهم:
لماذا لا يحظى العدوان نفسه وحصار إيران الجائر والإعلان عن نية ترامب بتنصيب نفسه حارسًا على مضيق هرمز، وأسباب استمرار العدوان، وخسائر الولايات المتحدة، وأزمة مضيق هرمز، بالاهتمام الإعلامي نفسه؟
فترامب يقول: أنا الهدف الأول
ترامب لم يخفِ هاجسه.
ففي مقابلة بثتها CNN قال إن إيران تعتبره “الهدف الأول”، بينما أظهرت الأحداث الأمنية في تركيا أن الأجهزة الأميركية تتعامل مع التهديدات على محمل الجد.
وهنا تظهر المفارقة:
الرئيس الذي قرر العدوان على إيران أصبح هو نفسه يعيش تحت تأثير العدوان الذي قرره.
فالعدوان لا يقاس فقط بعدد الصواريخ التي أطلقتها أمريكا أو بعدد الأهداف التي قصفتها.
العدوان يقاس أيضًا بالنتيجة السياسية والاستراتيجية.
فبعد قرابة ستة أشهر، ما زالت إيران قادرة على التأثير في أمن الخليج وحركة الملاحة والطاقة، وما زال مضيق هرمز يمثل عقدة إستراتيجية هائلة أمام واشنطن.
بل إن ترامب نفسه أعلن في تموز/يوليو أنه يريد أن تصبح الولايات المتحدة “حارس مضيق هرمز”، وأن تحصل على نسبة 20% من قيمة الشحنات مقابل توفير الأمن.
وهذا الإعلان يكشف شيئًا بالغ الأهمية:
إن واشنطن لم تحسم معركة هرمز؛ بل تحاول تحويل وجودها العسكري إلى أمر واقع جيوسياسي وإقتصادي.
#فاتورة الحرب الجوية
وأما الخسائر الأميركية، فهي ليست دعاية إيرانية.
فالتقرير الصادر عن خدمة أبحاث الكونغرس وثّق فقدان 24 طائرة MQ-9 Reaper في مرحلة مبكرة من الحرب.
ثم ظهرت تقديرات أحدث من مسؤولين أميركيين تتحدث عن خسارة ما لا يقل عن 45 طائرة من هذا الطراز، أي نحو ربع الأسطول الأميركي، مع كلفة تتجاوز مليار دولار لهذه الطائرات وحدها.
وحتى لو تركنا جانبًا الرقم الأعلى إلى حين صدور كشف رسمي نهائي من وزارة الدفاع، فإن مجرد وصول الخسائر إلى هذه المستويات يكفي لطرح سؤال جوهري:
هل ما يجري إنتصار عسكري أميركي حاسم كما يدعي ترامب؟
أم عدوان استنزاف؟
بدأت تكشف كلفة التفوق العسكري عندما يواجه خصمًا يمتلك عمقًا جغرافيًا وقدرات صاروخية وطائرات مسيَّرة وقدرة على تهديد أهم ممرات الطاقة في العالم؟
فمن إيران إلى غرينلاند وكندا وفنزويلا وكوبا
المشكلة لا تتوقف عند إيران.
فخلال السنوات الأخيرة، تحدث ترامب علنًا عن ضرورة حصول الولايات المتحدة على غرينلاند، ولم يستبعد في مراحل سابقة استخدام القوة لتحقيق ذلك. كما وصف الحدود الأميركية-الكندية بأنها خط مصطنع، وكرر فكرة أن تصبح كندا الولاية الأميركية الحادية والخمسين.
وفي فنزويلا، انتقلت السياسة الأميركية من الضغوط إلى العمل العسكري؛ فطف رئيس البلاد وزوجته واستولى على الثروة النفطية وسط تآمر مجلس الأمن والأمم المتحدة ولدول الكبرى بالصمت المطبق.
بينما تحدث ترامب صراحة عن أن الولايات المتحدة ستتعامل مع كوبا بعد الانتهاء من إيران.
وفي آذار/مارس 2026 قال ترامب عن كوبا إنه يعتقد أنه سيكون له “شرف” التعامل معها، بينما أعلن في حزيران/يونيو أن الولايات المتحدة “ستعتني بكوبا” بعد الانتهاء من الملف الإيراني.
هذه ليست تفاصيل منفصلة.
إنها صورة لنمط سياسي يقوم على توسيع تعريف المصلحة والأمن القومي الأميركي بحيث يصبح التدخل في شؤون دول أخرى مشروعًا متى قرر الرئيس أن تلك الدولة تمثل خطرًا أو عقبة أمام المصالح الأميركية.
والأخطر: خلط القوة بالقانون
فالخطر الحقيقي على الأمن العالمي لا يكمن في شخصية ترامب وحدها، بل في نموذج سياسي يجعل القوة العسكرية بديلًا عن القانون الدولي.
عندما تصبح دولة ذات سيادة هدفًا للقصف دون تسوية سياسية واضحة، وعندما يصبح مضيق دولي موضوعًا لإعلان أميركي أحادي عن “الحراسة” مقابل رسوم، وعندما تُطرح أفكار السيطرة على أراضٍ تابعة لحليف مثل غرينلاند، فإن المجتمع الدولي أمام سؤال أكبر من ترامب نفسه:
هل نحن أمام عودة منطق القوة الإمبراطورية بعد عقود من بناء منظومة قانون دولي يفترض أن تمنع الحروب التوسعية؟
وقد إعترف ترامب أنً بعض دول “الناتو” شاركت في العدوان.
فالمطلوب إيرانيًا اغتيال ترامب لأنه قتل قائدهم ومرشدهم بدمٍ بارد؛ كما أن المطلوب أمريكيًا محاسبة ترامب بالقانون.
فترامب قد ارتكب انتهاكات للدستور الأمريكي بشن العدوان على إيران دون موافقة الكونغرس، ونسف القانون الدولي واستخدم القوة المفرطة بصورة غير مشروعة، فإن الطريق الصحيح هو عزل ترامب والتحقيق معه ومحاسبته ومحاكمته.
هل تستطيع المؤسسات الأميركية والدولية محاسبة رئيس يستخدم القوة العسكرية على نحو يهدد الأمن والسلم الدوليين؟
إن عزل الرئيس، و التحقيق معه، أو محاسبته قضائيًا، يجب أن تكون أدوات دستورية وقانونية، لا أمنيات سياسية.
فترامب خطر حقيقي على الأمن والسلم الدوليين؛ فقد حوَّل رئيس القوة الأعظم في العالم “الأنا المتفجرة” في إضطراب نرجسيته إلى قوة تمنحه الحق في إعادة رسم الخرائط، وفرض الإرادة على الدول، والسيطرة على الممرات الاستراتيجية، وتجاوز المؤسسات الدولية،
وهنا تكمن المعضلة الكبرى.
فإذا كانت الولايات المتحدة تريد أن تكون “حارسة” للعالم، فمن يحرس العالم من هذا “الحارس” وأداة القتل المتنقلة؟
وإن الإجابة لا تكون بالصواريخ ولا بالاغتيالات، وإنما بإعادة الاعتبار للقانون الدولي، ومجلس الأمن، والمؤسسات الدستورية الأميركية، ومبدأ سيادة الدول.
فالعالم لا يحتاج إلى رئيس أميركي أقوى من القانون.
بل يحتاج إلى قانون أقوى من أي رئيس.
وإنَّ غدًا لناظره قريب
15 آب/أغسطس 2026