إيهاب مقبل
شهدت مدينتا كربلاء والنجف خلال القرن التاسع عشر تحوّلاً عميقاً جعلهما من أهم مراكز المرجعية والعلم الشيعي في العالم. ولم يكن هذا التحول دينياً أو فقهياً فقط، بل ارتبط أيضاً بالهجرة والاستقرار السكاني، وازدهار المدارس الدينية، وتدفق الأموال والأوقاف، واتساع شبكة العلاقات بين العراق وإيران والهند.
وتكشف الوثائق البريطانية، ولا سيما تقارير ومراسلات الدبلوماسي والموظف السياسي البريطاني جون غوردون لوريمر، عن جانب مهم من هذه التحولات، يتمثل في الحضور الإيراني الواسع داخل الحياة السكانية والدينية والعلمية في كربلاء والنجف، وفي الدور الذي أدته وصية أود في توفير مورد مالي لعدد من المجتهدين والعلماء والطلاب والفقراء وخدمة العتبات. كما تكشف هذه الوثائق أن إدارة أموال الوصية لم تكن مسألة مالية محضة، بل ارتبطت بتوازنات النفوذ بين العلماء ذوي الأصول الفارسية والهندية والعربية، وبالاهتمام البريطاني المتزايد بتأثير المرجعية الشيعية في العراق وإيران.
ولا تعني هذه الوثائق أن الأموال الهندية أنشأت المرجعية الفارسية من الصفر؛ فالوجود الإيراني في المدينتين كان سابقاً لوصول الوصية بعقود طويلة. إلا أن الوصية وفرت مورداً مالياً مهماً ساعد على تثبيت شبكات علمية واجتماعية قائمة، وأصبحت لاحقاً موضع تنافس بين العلماء، كما تحولت إلى مجال للتدخل البريطاني ومحاولة التأثير في المرجعية الشيعية.
جون غوردون لوريمر: الدبلوماسي البريطاني الذي وثّق العراق وإيران والخليج
ولد جون غوردون لوريمر في مدينة غلاسكو الاسكتلندية في 14 يونيو حزيران 1870، وانضم إلى الخدمة المدنية الهندية، ثم عمل في الجهاز السياسي البريطاني في الخليج والعراق وإيران. وكان من أبرز الموظفين البريطانيين الذين جمعوا معلومات تفصيلية عن المنطقة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
ارتبط اسمه بعمله الضخم «دليل الخليج الفارسي وعُمان ووسط الجزيرة العربية Gazetteer of the Persian Gulf, Oman and Central Arabia»، الذي جمع فيه معلومات تاريخية وجغرافية وإدارية واقتصادية واسعة عن منطقة الخليج، والعراق، وإيران، والمناطق المحيطة بها.
صدر القسم الجغرافي من العمل سنة 1908، بينما نُشر القسم التاريخي بعد وفاة لوريمر سنة 1915. وتوجد أجزاء كبيرة من هذا العمل ضمن مجموعات الأرشيف البريطاني ومكتبة قطر الرقمية.
توفي لوريمر في 8 فبراير شباط 1914 في مدينة بوشهر، في إيران الحالية. وتكتسب كتاباته أهمية خاصة لأنه لم يكن مؤرخاً أكاديمياً يدرس المنطقة من بعيد، بل كان موظفاً سياسياً ودبلوماسياً بريطانياً عمل داخل المنطقة، وجمع معلومات واسعة عنها في سياق عمله الرسمي، بما يخدم احتياجات الإدارة والسياسة البريطانية في الخليج والعراق وإيران. ولذلك تُعد تقاريره ووثائقه مصدراً مهماً لدراسة الأوضاع السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية في المنطقة خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، مع ضرورة قراءتها في ضوء السياق الاستعماري الذي أُنتجت فيه.
وتزداد أهمية هذه الملاحظة عند دراسة العراق تحديداً، إذ إن لوريمر توفي في عام 1914، أي قبل الاحتلال البريطاني لبغداد بثلاث سنوات. فقد بدأت الحملة العسكرية البريطانية في العراق عام 1914، عقب دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى، وتمكنت القوات البريطانية والهندية من غزو بغداد في 11 مارس آذار 1917. ومن ثم فإن وثائق لوريمر عن التركيبة الاجتماعية والدينية والعلمية للنجف وكربلاء تمثل، في جانب منها، رؤية بريطانية سبقت الاحتلال المباشر لبغداد، لكنها صدرت في إطار جهاز إمبراطوري كان يسعى إلى جمع المعلومات وفهم موازين القوى والنفوذ في المنطقة.
كربلاء في وصف لوريمر: مدينة ذات أغلبية فارسية
تقدم تقارير جون غوردون لوريمر وصفاً مهماً للتركيبة السكانية في كربلاء في مطلع القرن العشرين. فقد قدّر عدد سكان المدينة الدائمين بنحو 50 ألف نسمة، وذكر أن نحو 75% منهم كانوا من الفرس أو من ذوي الأصول الفارسية، بينما كان معظم الباقين من العرب، إلى جانب أقليات هندية وتركية ويهودية وغيرها.
وتكتسب هذه المعلومة أهمية خاصة؛ لأنها تشير إلى أن الحضور الفارسي في كربلاء لم يكن مقتصراً على العلماء والطلاب والمؤسسة الدينية، بل كان حضوراً سكانياً واجتماعياً واسعاً، ترك أثره في الحياة الاقتصادية والثقافية والدينية للمدينة.
ومن ثم، لا يصح تفسير الحضور الإيراني في كربلاء بأنه نتاج وصية أود؛ فالوجود والاستقرار الإيرانيان في المدينة يعودان إلى فترات أسبق بكثير من بدء تدفق أموال الوصية في منتصف القرن التاسع عشر. غير أن أموال الوصية أسهمت لاحقاً في تعزيز المكانة المالية والاجتماعية لشبكة من العلماء ذوي الأصول الإيرانية، ودعم المدارس والمؤسسات الدينية والطلاب، بما ساعد على ترسيخ نفوذ هذه الشبكة داخل الحياة العلمية والمرجعية في كربلاء والنجف.
وبذلك، فإن العلاقة بين الوجود الإيراني ووصية أود لا ينبغي فهمها على أساس أن الوصية أنشأت ذلك الوجود، وإنما باعتبارها عاملاً مالياً هامًا ساهم في تعزيز نفوذ شبكة علمية واجتماعية إيرانية كانت موجودة أصلاً.
النجف وكربلاء: مركزا العلم الشيعي
لم تكن أهمية كربلاء والنجف نابعة من وجود مرقدي الإمام الحسين والإمام علي فقط، وإنما من نشوء مؤسسات تعليمية وعلمية حولهما.
وخلال القرن التاسع عشر أصبحت المدينتان من أهم مراكز التعليم الشيعي الإمامي، واستقطبتا علماء وطلاباً من العراق وإيران والهند ومناطق أخرى. وتؤكد الدراسات المتخصصة أن النجف وكربلاء كانتا مركزين رئيسيين للتعلم الشيعي في القرن التاسع عشر.
وكانت هذه المؤسسات هي التي أنتجت طبقة المجتهدين والفقهاء، وأقامت شبكات واسعة من التلاميذ والمقلدين، وربطت بين العتبات العراقية والمجتمعات الشيعية في إيران والهند.
المدارس الدينية في كربلاء والنجف
كانت المدارس الدينية تمثل الأساس الذي قامت عليه الحياة العلمية في كربلاء والنجف، وحوّلت المدينتين إلى مركزين رئيسيين لدراسة الفقه والأصول والعلوم الشيعية، واستقطبتا طلاباً وعلماء من العراق وإيران والهند ومناطق أخرى.
وفي النجف، يذكر جون غوردون لوريمر في وصفه للمدينة أن فيها 15 مدرسة دينية عليا، إلى جانب نحو 90 مسجداً، وأن عدد طلاب العلوم الدينية، بين الطلاب الفعليين ومن ينتسبون إليها بصورة اسمية، كان يبلغ عدة آلاف. كما يصف النجف بأنها تضم عدداً كبيراً من المجتهدين الذين كان لبعضهم نفوذ واسع في العالم الشيعي.
أما كربلاء، فيذكر لوريمر وجود 29 مدرسة شيعية، من بينها 8 مدارس دينية عليا، إضافة إلى مدرسة سنية واحدة، فضلاً عن عدد كبير من المساجد. وهذا يؤكد أن كربلاء لم تكن مجرد مدينة للزيارة والمزارات، بل كانت مركزاً تعليمياً مهماً له مؤسساته وطلابه وعلماؤه.
وتكشف مقارنة هذه الأرقام عن طبيعة مختلفة للمركزين: فقد كانت النجف تتمتع بمكانة بارزة في الدراسة الفقهية والأصولية العليا، بينما كانت كربلاء تجمع بين مكانتها الكبرى كمدينة للزيارة ومرقد الإمام الحسين وبين دورها العلمي والتعليمي.
عدد المجتهدين في كربلاء والنجف
تقدم وثائق لوريمر رقماً أكثر دلالة عند الحديث عن طبقة المجتهدين؛ ففي عام 1903 أجرى الميجور أوليفر ريتشاردسون نيومارش «Oliver Richard Newmarch» تحقيقاً دقيقاً لتحديد عدد المجتهدين في النجف وكربلاء، وذلك في سياق إعادة تنظيم توزيع أموال وصية أود وتحديد المستفيدين منها. وانتهى التحقيق إلى أن عدد من يمكن اعتبارهم مجتهدين معترفاً بهم فعلياً في المدينتين لم يتجاوز 41 مجتهداً، بواقع 20 مجتهداً في النجف و21 مجتهداً في كربلاء.
وجاء توزيعهم على النحو الآتي:
النجف: 20 مجتهداً، منهم 12 من المرتبة الأولى، و2 من المرتبة الثانية، و6 من المرتبة الثالثة.
كربلاء: 21 مجتهداً، منهم مجتهد واحد من المرتبة الأولى، و8 من المرتبة الثانية، و12 من المرتبة الثالثة.
وهذا الرقم مهم جداً؛ لأن الوثيقة تميز بين المجتهد الذي يحظى باعتراف فعلي ومكانة دينية وبين الأشخاص الذين يحملون شهادات أو إجازات في الاجتهاد. فقد أشارت بعض الالتماسات إلى وجود أكثر من 200 شخص في النجف يحملون شهادات اجتهاد، لكن التحقيق البريطاني رأى أن عدد من يتمتعون فعلياً بصفة المجتهد المعترف به أقل بكثير.
ومن هنا يمكن القول إن البيئة العلمية في النجف وكربلاء كانت أوسع بكثير من مجرد عدد كبار المراجع؛ فقد ضمت آلاف الطلاب، وعشرات المجتهدين، وعدداً كبيراً من العلماء والمدرسين والملاّلي، وكانت المدارس الدينية هي المؤسسة التي حافظت على استمرار هذه المنظومة العلمية.
وهذه النقطة بالغة الأهمية لفهم أثر وصية أود؛ فالوصية لم تدخل إلى فراغ علمي، وإنما إلى مؤسستين دينيتين وعلميتين راسختين في النجف وكربلاء، كانتا تستقطبان العلماء والطلاب من العراق وإيران والهند. ومع تدفق أموال الوصية، أصبحت هذه الموارد عاملاً مهماً في دعم عدد من كبار المجتهدين والعلماء والطلاب، وتعزيز شبكاتهم العلمية والاجتماعية.
وتكشف وثائق لوريمر أن مسألة تحديد المستفيدين من الوصية وتوزيع أموالها لم تكن مسألة مالية محضة، بل ارتبطت بتوازنات النفوذ داخل المؤسسة الدينية؛ فقد حذّر نيومارش من احتمال تشكل ما وصفه بـ«تكتل فارسي Persian clique»، بما قد يؤدي إلى إضعاف أو استبعاد المجتهدين من أصول عربية وهندية من الاستفادة من هذه الموارد.
الحضور الإيراني في البيئة العلمية
كان الحضور الإيراني داخل الحوزتين نتيجة عملية تاريخية طويلة. فقد انتقل علماء وطلاب إيرانيون إلى العتبات العراقية منذ عصور سابقة، وتزايدت هذه الحركة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
وساعدت عدة عوامل على ذلك، منها القرب الجغرافي، والمكانة الدينية للعتبات، ووجود شبكة من المدارس والعلماء، والاضطرابات السياسية في إيران في بعض الفترات، إضافة إلى رغبة الطلاب الإيرانيين في الدراسة على أيدي كبار علماء النجف وكربلاء.
وبذلك نشأ مجتمع علمي عابر للحدود، لم تكن فيه الجنسية العراقية شرطاً للمشاركة في الحياة الدينية للمدينتين.
وصية أود: الثروة الهندية التي وصلت إلى العتبات العراقية
ترتبط وصية أود «Oudh Bequest» بمملكة أود الشيعية في شمال الهند. وكان حاكمها غازي الدين حيدر شاه قد دخل في ترتيبات مالية مع شركة الهند الشرقية البريطانية «British East India Company» في عشرينيات القرن التاسع عشر.
ومن المهم التمييز بين بداية الترتيب المالي المرتبط بأود عام 1825 وبين بدء وصول أموال وصية أود فعلياً إلى النجف وكربلاء؛ إذ تشير الدراسات إلى أن الأموال بدأت تتدفق بصورة منتظمة إلى العتبات الشيعية في العراق نحو عام 1850، أي بعد نحو ربع قرن من بداية الترتيب المالي. وهذا التفريق مهم عند دراسة أثر الوصية، لأنه يوضح أن النفوذ العلمي والاجتماعي الإيراني في كربلاء والنجف كان قائماً قبل وصول هذه الأموال، وأن الوصية جاءت لاحقاً لتوفر مورداً مالياً هامًا ساعد على دعم بعض العلماء والمؤسسات الدينية القائمة.
وبذلك، لا يمكن اعتبار وصية أود سبباً في نشوء الحضور الإيراني في كربلاء والنجف، وإنما يمكن النظر إليها بوصفها عاملاً مالياً مهماً أسهم لاحقاً في تعزيز شبكات علمية ودينية كانت قد ترسخت في المدينتين قبل وصول أموال الوصية إلى العراق.
المستفيدون من وصية أود في كربلاء
تظهر الوثائق البريطانية أسماء عدد من المجتهدين والعلماء الذين حصلوا على مخصصات من أموال وصية أود في كربلاء. ومن أبرز الأسماء التي ترد في القوائم السيد محمد هاشم القزويني، والشيخ علي اليزدي، والسيد محمد الكاشاني، والسيد علي التنكابني، والسيد محمد باقر البهبهاني، والسيد حسين القمي، إلى جانب عدد من العلماء الآخرين.
وتكشف النِّسب الجغرافية الواردة في الأسماء عن حضور إيراني واضح بين عدد من هؤلاء العلماء؛ فـالقزويني يرتبط بقزوين، واليزدي بيزد، والكاشاني بكاشان، والتنكابني بمنطقة تنكابن، والقمي بمدينة قم، والبهبهاني ببهبهان. ويضاف إلى هؤلاء علماء من أصول إيرانية أخرى تظهر في قوائم المستفيدين.
وفي المقابل، لم تقتصر قائمة المستفيدين على الإيرانيين، بل تضمنت أيضاً مستفيدين من أصول هندية. ومن بينهم كلبِ باقر «Kalb-i-Baqir, Indian»، الذي يصفه لوريمر صراحة بأنه هندي، وكذلك السيد مرتضى الحسيني «Saiyid Murtaza Husaini, Indian». ويكشف ذلك أن وصية أود احتفظت بصلتها الأصلية بالمجتمع الشيعي الهندي، إلى جانب دورها في تمويل علماء مقيمين في العتبات العراقية.
كما تذكر المذكرات البريطانية السيد محمد الحكيم في كربلاء، وتربطه باللجنة الخيرية الخاصة بوصية أود، وتصفه بأنه من الرعايا البريطانيين. وتكتسب الإشارة إليه أهمية سياسية، إذ يظهر في المراسلات البريطانية ضمن الشخصيات الدينية ذات النفوذ التي كانت السلطات البريطانية ترى إمكانية الاستفادة منها في إدارة الأوضاع في العتبات الشيعية.
وفي هذا السياق، برز السيد محمد الحكيم في كربلاء والسيد محمد بحر العلوم في النجف بوصفهما من الشخصيات التي رأت الإدارة البريطانية أن لها وزناً دينياً واجتماعياً يمكن توظيفه للمساعدة في الحد من الاضطرابات في إيران ومواجهة النفوذ والسياسة الروسية فيها. وتكشف هذه المراسلات أن اهتمام البريطانيين بهؤلاء العلماء لم يكن دينياً أو مالياً فحسب، بل ارتبط أيضاً بحسابات سياسية واستراتيجية تتعلق بإيران والتنافس البريطاني الروسي في المنطقة.
ومن المهم هنا التنبيه إلى الألقاب كما ترد في المصادر؛ فلقب «السيد» يُستخدم غالباً لمن يُنسب إلى آل البيت، سواء ثبتت هذه النسبة أم لم تثبت، بينما يُستخدم لقب «الشيخ» بوصفه لقباً علمياً أو اجتماعياً، ولا يدل أيٌّ منهما بمفرده على الأصل العرقي للعالم. أما النِّسب، مثل الخراساني أو القزويني أو الكاشاني أو المازندراني، فتقدم مؤشراً جغرافياً أو إقليمياً على موطن العالم أو أصله.
وبذلك تظهر قائمة المستفيدين من وصية أود باعتبارها مزيجاً من علماء ذوي أصول إيرانية وهندية، وهو أمر مهم لفهم طبيعة الوصية نفسها؛ فهي لم تكن مورداً إيرانياً خالصاً، وإنما مورداً نشأ في بيئة شيعية هندية ووصل إلى المؤسسات الدينية في النجف وكربلاء، حيث دخل في شبكة أوسع من العلاقات العلمية والمالية والاجتماعية.
المستفيدون من وصية أود في النجف
تُظهر قائمة جون غوردون لوريمر للمستفيدين من وصية أود في النجف مجموعة من كبار المجتهدين والعلماء. ومن أبرز الأسماء الواردة فيها: السيد محمد بحر العلوم، والشيخ عبد الله المازندراني، والسيد محمد حسن الجواهري، والملا محمد كاظم الخراساني المعروف بآخوند الخراساني، والشيخ عبد الحسن، والشيخ فتح الله الشريعة، والسيد أبو القاسم الإشكوري، وآخوند ملا علي الخونساري، والسيد أبو تراب الخونساري، وآقا الشيخ مهدي.
وتكشف هذه القائمة عن حضور إيراني واضح بين عدد من كبار المستفيدين في النجف، وهو ما تشير إليه النِّسب الجغرافية الواردة في أسماء بعضهم، مثل الخراساني والمازندراني والإشكوري والخونساري، وهي نسب ترتبط بمناطق ومدن في إيران.
وبذلك، فإن وصية أود لم تكن مورداً خاصاً بالعلماء الإيرانيين، وإنما استفاد منها علماء من خلفيات مختلفة، إلا أن حضور العلماء ذوي الأصول الإيرانية كان بارزاً بين كبار المستفيدين في النجف، وهو ما يجعل قوائم الوصية مصدراً مهماً لدراسة التركيبة العلمية وشبكات التمويل والنفوذ داخل المؤسسة الدينية في المدينة في مطلع القرن العشرين.
الوصية وترسيخ مكانة المجتهدين
لا يمكن القول إن أموال وصية أود هي التي صنعت المكانة العلمية لهؤلاء العلماء أو جعلتهم مجتهدين؛ فالمكانة العلمية في المؤسسة الدينية الشيعية كانت تقوم أساساً على الدراسة والتدريس والقدرة على الاجتهاد وشهادات العلماء وثقة المقلدين. غير أن الموارد المالية كانت عاملاً مهماً في ترسيخ النفوذ العلمي والاجتماعي وتوسيع شبكات التأثير.
فالعالم الذي يمتلك مورداً مالياً مستقراً يكون أكثر قدرة على إعالة الطلاب، ومساعدة الفقراء، ودعم النشاط الديني، واستقبال الوافدين إلى الحوزة، والمحافظة على شبكة واسعة من التلاميذ والمريدين. ومن هنا لم يكن أثر المال مقتصراً على المستفيد المباشر، بل امتد إلى البيئة العلمية والاجتماعية المحيطة به.
وبذلك يتحول التمويل إلى عنصر في إعادة إنتاج المؤسسة العلمية؛ فدعم الطلاب يساعد على استمرار الدراسة والمدارس الدينية، واستمرار المدارس يساهم في تخريج علماء جدد، وهؤلاء العلماء ينضمون بدورهم إلى شبكات التدريس والإجازة والمرجعية، فتتواصل دورة إنتاج النفوذ العلمي والاجتماعي.
ومن هذه الزاوية، كانت وصية أود الهندية أكثر من مجرد مخصصات مالية لبعض الفقهاء؛ فقد أصبحت جزءاً من الاقتصاد الاجتماعي للمؤسسة الدينية في النجف وكربلاء. وبالنظر إلى الحضور الكبير للعلماء ذوي الأصول الإيرانية بين المستفيدين، يمكن القول إن هذه الموارد أسهمت في دعم وترسيخ شبكات علمية واجتماعية إيرانية كانت قائمة أصلاً، ومن ثم ساعدت على تعزيز حضورها داخل الحياة العلمية والمرجعية في المدينتين، وربما أسهمت في ترجيح كفة هذه الشبكات وتعزيز نفوذها في مواجهة بعض شبكات المرجعية العربية المنافسة، ولا سيما في ظل ما أشار إليه لوريمر من مخاوف بشأن تشكل «تكتل فارسي» داخل المؤسسة الدينية.
ظهور «التكتل الفارسي» في الوثائق البريطانية
من أكثر المصطلحات دلالة في الوثائق البريطانية الحديث عن تكتل فارسي «Persian clique».
ولا ينبغي فهم هذا التعبير على أنه اسم تنظيم سياسي رسمي، بل هو توصيف بريطاني للخوف من أن تؤدي طريقة توزيع الوصية إلى تركّز النفوذ المالي بين مجموعة من العلماء ذوي الأصول أو الروابط الإيرانية.
وكانت هذه المسألة مهمة بالنسبة إلى البريطانيين لأن العلماء الإيرانيين لم يكن نفوذهم محصوراً في العراق؛ فقد كانت لهم صلات قوية بأتباعهم في إيران، وكان بإمكان المرجع الديني أن يؤثر في الرأي العام الإيراني من خلال الفتوى والشبكات الدينية.
وهكذا أصبح التنافس على أموال الوصية جزءاً من صراع أوسع على النفوذ داخل المجتمع الشيعي.
المرجعيات العربية في مواجهة الغلبة الإيرانية
لا تعني الغلبة الإيرانية في أوساط المرجعية أن العلماء العرب اختفوا من النجف وكربلاء؛ فقد استمر حضور العلماء العرب والعراقيين، وظلت لهم مكانتهم العلمية والاجتماعية داخل المؤسستين الدينيتين. غير أن الوثائق البريطانية تكشف عن اختلال واضح في التوازن بين الشبكات العلمية ذات الأصول الإيرانية والعربية، ولا سيما في ما يتعلق بكبار المجتهدين المستفيدين من الموارد المالية.
وتشير المراسلات البريطانية إلى مخاوف من أن يؤدي أسلوب توزيع أموال وصية أود إلى تعزيز نفوذ العلماء الإيرانيين على حساب العلماء العرب والهنود. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة لأنها لم تكن مجرد ملاحظة سكانية، بل ارتبطت بموازين القوة داخل المؤسسة الدينية نفسها؛ فامتلاك الموارد المالية كان يساعد بعض العلماء على دعم الطلاب والفقراء وتوسيع شبكاتهم العلمية والاجتماعية، الأمر الذي كان ينعكس على قدرتهم على المنافسة داخل مجال المرجعية.
وفي هذا السياق، بدت المرجعيات العربية أضعف حضوراً في شبكة المستفيدين من وصية أود مقارنة بعدد من كبار العلماء ذوي الأصول الإيرانية، وهو ما أثار مخاوف لدى بعض المسؤولين البريطانيين من تشكل ما وصفته الوثائق بـ «التكتل الفارسي» داخل المؤسسة الدينية.
ومن هنا تكتسب وثائق لوريمر أهمية خاصة؛ فهي لا تقدم مجرد قوائم بأسماء العلماء والمستفيدين، بل تكشف أيضاً كيف كانت الإدارة البريطانية تقرأ موازين النفوذ بين الفرس والعرب والهنود، وكيف ربطت القوة المالية لبعض العلماء بمكانتهم الدينية والسياسية. كما تكشف أن البريطانيين لم ينظروا إلى المرجعية في النجف وكربلاء بوصفها مؤسسة دينية منعزلة، وإنما باعتبارها قوة اجتماعية وسياسية يمكن أن يكون لها تأثير مباشر في العراق وإيران والهند، وفي الصراع البريطاني الروسي على النفوذ في المنطقة.
تدخل بريطانيا في إدارة الوصية سنة 1903
بلغ الخلاف حول إدارة الوصية مرحلة جديدة سنة 1903، عندما قررت السلطات البريطانية إعادة تنظيم عملية توزيع الأموال.
وكانت هناك اتهامات بسوء الإدارة، ومخاوف من تركيز الأموال في أيدي عدد محدود من الأشخاص، إضافة إلى خلافات حول المستفيدين.
وأصبحت الحكومة البريطانية أكثر تدخلاً في تحديد آلية التوزيع، وأنشئت ترتيبات جديدة بدلاً من ترك إدارة الأموال لشخص واحد في كل مدينة.
وتكشف الوثائق البريطانية أن هذا التدخل أثار اعتراضات من جانب علماء ومستفيدين، لأن المسألة لم تكن مالية فقط؛ فقد كان التحكم في المال يعني التأثير في توازن القوة بين العلماء.
نهاية احتكار الموزعين واستمرار الوصية
لم تنته وصية أود سنة 1903، وإنما تغير نظام إدارتها. فقد استمرت الأموال في التدفق إلى المؤسسات والمستفيدين، واستمرت الحكومة البريطانية في متابعة الملف خلال السنوات التالية.
وهذا يعني أن سنة 1903 تمثل نقطة تحول في إدارة الوصية، وليس تاريخ نهايتها.
وقد استمرت القضية في سجلات الحكومة البريطانية إلى السنوات التالية، بما فيها الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى.
أهمية الوثائق في فهم تاريخ المرجعية
تكتسب وثائق لوريمر أهميتها من أنها تكشف الجانب الذي لا يظهر دائماً في كتب الفقه والتراجم.
فالمرجعية كانت مؤسسة علمية، لكنها في الوقت نفسه كانت مؤسسة اجتماعية ومالية. وكان لها طلاب وفقراء ومدارس وأوقاف ومصادر دخل، وكانت مرتبطة بشبكات تمتد من العراق إلى إيران والهند.
وتكشف وصية أود بصورة خاصة أن المال كان قادراً على التأثير في مكانة العالم، وعدد أتباعه، وقدرته على دعم الطلاب والفقراء، وحضوره الاجتماعي.
كما تكشف الوثائق أن القوى الاستعمارية كانت تدرك أهمية المرجعية، ولذلك حاولت التعامل معها باعتبارها قوة سياسية واجتماعية يمكن التأثير فيها.
من الهند إلى العراق وإيران: شبكة دينية عابرة للحدود
تكشف قصة وصية أود «Oudh Bequest» عن شبكة فريدة في تاريخ القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. فقد جاءت أموال الوصية من مملكة أود الشيعية في الهند، ثم أصبحت خاضعة لإشراف السلطات البريطانية، وانتقلت مخصصاتها إلى النجف وكربلاء في العراق العثماني، حيث استفاد منها علماء وطلاب كانت نسبة مهمة منهم من ذوي الأصول أو الروابط الإيرانية.
وبذلك أصبحت المرجعية الشيعية في العتبات العراقية مرتبطة بثلاثة فضاءات في الوقت نفسه: الهند من ناحية مصدر المال، والعراق من ناحية المكان والمؤسسات الدينية، وإيران من ناحية الحضور الكبير للعلماء والطلاب وشبكاتهم العلمية والاجتماعية. ولم تكن هذه الروابط منفصلة، بل شكلت شبكة دينية ومالية واجتماعية عابرة للحدود.
أما بريطانيا، فلم تنظر إلى هذه الشبكة باعتبارها مسألة دينية ومالية فقط، بل أدركت أن أموال الوصية وشبكات العلماء المرتبطة بها يمكن أن تكون ذات أهمية سياسية. ولذلك اهتمت السلطات البريطانية بتحديد المستفيدين ومراقبة توزيع الأموال، خصوصاً عندما ظهرت مخاوف من تركيزها في أيدي مجموعة محددة من العلماء. كما أن بعض المراسلات البريطانية تكشف اهتماماً واضحاً بالتوازن بين العلماء الفرس والهنود والعرب، والخشية من أن يؤدي نظام التوزيع إلى نشوء ما وصفته بعض الوثائق بـ «التكتل الفارسي».
وتزداد أهمية ذلك في ضوء التنافس البريطاني الروسي على النفوذ في إيران والخليج؛ إذ كانت بريطانيا تنظر إلى علماء النجف وكربلاء باعتبارهم شخصيات دينية واجتماعية مؤثرة، يمتد نفوذها إلى خارج العراق العثماني، ولا سيما إلى إيران. ومن ثم، لم يكن اهتمام بريطانيا بوصية أود مرتبطاً بحماية وإدارة أموال هندية خاضعة للإشراف البريطاني فحسب، بل ارتبط أيضاً بمحاولة فهم شبكات النفوذ الديني الشيعي وموازين القوى داخلها، والاستفادة من الشخصيات المؤثرة فيها أو احتواء نفوذها بما يتوافق مع المصالح البريطانية في العراق والمنطقة. ويكشف ذلك أن الوصية تحولت، في نظر الإدارة البريطانية، من قضية مالية ودينية إلى ملف له أبعاد سياسية واستراتيجية، خصوصاً مع تصاعد التنافس البريطاني الروسي على النفوذ في إيران.
وهكذا تكشف وصية أود عن مفارقة تاريخية لافتة: مال هندي، يُدار في ظل إشراف بريطاني، ويُوزع في العراق العثماني، ويسهم في دعم شبكة واسعة كان للعلماء الشيعة ذوي الأصول الإيرانية حضور بارز فيها. وهذه الطبيعة العابرة للحدود هي التي تجعل الوصية وثيقة مهمة لفهم تشكل موازين النفوذ داخل النجف وكربلاء في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
الخلاصة: الهيمنة الإيرانية في كربلاء والنجف نتاج مسار تاريخي طويل
تكشف وثائق جون غوردون لوريمر أن الغلبة الإيرانية داخل البيئة المرجعية في كربلاء والنجف كانت نتيجة مسار تاريخي طويل، ولم تكن نتاج وصية أود وحدها.
فقد كان الإيرانيون حاضرين في كربلاء والنجف قبل وصول أموال الوصية، وكان لهم حضور سكاني وعلمي وتجاري واسع، كما ساهمت الهجرة العلمية الإيرانية في تعزيز مكانة الحوزتين.
ثم جاءت وصية أود، وبدأ تدفق أموالها فعلياً حوالي منتصف القرن التاسع عشر، فأصبحت مورداً مالياً مهماً للعلماء والطلاب والفقراء وخدمة العتبات.
وفي قوائم المستفيدين من وصية أود تظهر أسماء عدد من كبار العلماء ذوي الأصول أو النِّسب الإيرانية، من بينهم الشيخ محمد كاظم الخراساني، والشيخ عبد الله المازندراني، والسيد محمد هاشم القزويني، والشيخ علي اليزدي، والسيد محمد الكاشاني، والسيد علي التنكابني، والسيد حسين القمي، والسيد أبو تراب الخونساري، إلى جانب مستفيدين من أصول هندية. ويعكس هذا التنوع طبيعة شبكة الوصية العابرة للحدود، مع بروز واضح للعلماء ذوي الارتباطات الإيرانية بين عدد من كبار المستفيدين.
وقد ساعدت الأموال على تثبيت مواقع عدد من هؤلاء العلماء، ليس لأنها صنعت اجتهادهم، وإنما لأنها وفرت لهم ولشبكاتهم العلمية والاجتماعية موارد تساعد على استمرار النفوذ.
ثم أدركت بريطانيا أن هذه الأموال يمكن أن تكون أداة للتأثير في العلماء، خصوصاً العلماء ذوي النفوذ في إيران. ولذلك تدخلت في إدارة الوصية سنة 1903، وحاولت إعادة تنظيم المستفيدين وتوزيع الأموال.
وهكذا تكشف وثائق لوريمر عن علاقة مركبة بين الهجرة الإيرانية، والمرجعية، والمدارس الدينية، والمال الهندي، والسياسة البريطانية. وهي لا تثبت أن بريطانيا «صنعت» المرجعية الفارسية، لكنها تثبت أن الإدارة البريطانية كانت تدرك وجود ثقل فارسي كبير داخل المؤسسة الدينية، وأنها حاولت استثمار الموارد المالية المتاحة للتأثير في هذا التوازن.
ومن هذه الزاوية، فإن عنوان «كيف ترسخت الهيمنة الفارسية في مرجعية كربلاء والنجف؟» يصبح قابلاً للدفاع عنه تاريخياً، بشرط ألا يُفهم على أنه اتهام بأن وصية أود وحدها صنعت تلك الهيمنة؛ بل باعتبارها واحداً من العوامل المالية التي ساعدت على ترسيخ نفوذ شبكة علمية إيرانية كانت موجودة أصلاً.
المراجع
جون غوردون لوريمر، دليل الخليج وعُمان ووسط الجزيرة العربية (Gazetteer of the Persian Gulf, Oman and Central Arabia).
https://dn710606.ca.archive.org/0/items/in.ernet.dli.2015.206963/2015.206963.Gazetteer-Of.pdf
https://dn790009.ca.archive.org/0/items/in.ernet.dli.2015.206964/2015.206964.Gazetteer-Of.pdf
مئير ليتفاك، «محاولة بريطانية فاشلة: البريطانيون ووصية أود وعلماء الشيعة في النجف وكربلاء»، المجلة البريطانية لدراسات الشرق الأوسط، المجلد 27، العدد 1.
https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/13530190050010994
سجلات مكتب الهند البريطاني، ملف «العراق: وصية أود»، رقم IOR/L/PS/10/77، ملف 1290/1905. وتضم هذه المجموعة مراسلات وتقارير عن توزيع أموال الوصية في النجف وكربلاء، ومراسلات مع مجتهدين من المدينتين، إضافة إلى مطالبات المستفيدين واعتراضاتهم على طريقة التوزيع. وتغطي الوثائق الفترة 1904–1914.
https://searcharchives.bl.uk/catalog/040-000544813
انتهى