
Screenshot
سورية في قلب العقيدة الأمنية الإسرائيلية
بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي
في السابع والعشرين من اكتوبر يتوجه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب الكنيست السادس والعشرين، في أول انتخابات منذ هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحروب التي أعقبته في غزة ولبنان وإيران.
فالمتغير الأهم ليس فقط من سيجلس في مكتب رئيس الوزراء، بل كيف أعادت السنوات الثلاث الماضية تعريف الأمن الإسرائيلي نفسه.
لقد أنتجت صدمة 7 أكتوبر تحولات عميقة في التفكير الأمني الإسرائيلي، وجعلت منع تشكل التهديد بالقرب من الحدود أولوية تتجاوز، إلى حد كبير، حدود المنافسة الحزبية. ومن هنا تبرز عقيدة يمكن اختصارها سياسياً بمبدأ: لا انتظار للخطر حتى يصبح أمراً واقعاً.
.سورية لم تعد هامشاًلسنوات، تعاملت إسرائيل مع الساحة السورية أساساً ضمن استراتيجية «المعركة بين الحروب»، عبر ضربات تستهدف نقل الأسلحة والبنية التحتية المرتبطة بإيران وحلفائها. لكن البيئة الإقليمية تغيرت بصورة كبيرة.
سورية اليوم تقع عند تقاطع حسابات إسرائيلية متعددة: إيران، تركيا، الجماعات المسلحة، الجنوب السوري، والجغرافيا التي تربط أكثر من ساحة إقليمية ببعضها.
وهذا يجعل السؤال الإسرائيلي أقل ارتباطاً بنوايا الأطراف وأكثر ارتباطاً بقدرتها الفعلية على بناء بنى عسكرية أو أمنية يمكن أن تتحول مستقبلاً إلى تهديد ومن هذه الزاوية، فإن أي تحول في القيادة السياسية الإسرائيلية لا يعني بالضرورة عودة السياسة السورية إلى ما قبل 7 أكتوبر.
إيران وتركيا… معادلتان مختلفتان
يبقى الوجود الإيراني وشبكات حلفائه أحد أبرز مصادر القلق الإسرائيلي في سورية، لكن المشهد لم يعد محصوراً في طهران.
فتركيا أصبحت لاعباً أكثر حضوراً في سورية، وهو ما بات يحظى باهتمام متزايد داخل دوائر التفكير الاستراتيجي الإسرائيلية. وقد وثّق معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي خلال أغسطس/آب 2026 توتراً حول الوجود العسكري التركي في سورية، بالتزامن مع اتصالات هدفت إلى احتواء التصعيد.
وهنا تتشكل معادلة أكثر تعقيداً: إسرائيل تريد منع تحوّل سورية إلى منصة تهديد، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بتجنب فتح مواجهة واسعة مع قوة إقليمية كبرى مثل تركيا.
ثلاثة مسارات بعد الانتخابات
الأول: استمرار النهج اليميني.
قد يعني ذلك الحفاظ على سياسة أمنية أكثر صرامة تجاه الساحة السورية، مع استعداد أكبر للتحرك العسكري عندما ترى إسرائيل أن بنية تهديد جديدة تتشكل.
الثاني: انتقال سياسي نحو الوسط.
التغيير في القيادة قد يبدل لغة الخطاب وآليات التنسيق مع واشنطن والعواصم العربية، لكنه لا يعني بالضرورة التخلي عن الأولويات الأمنية التي تبلورت بعد 7 أكتوبر. وتشير المعطيات الانتخابية الحالية إلى منافسة مفتوحة وعدم وجود نتيجة محسومة مسبقاً.
الثالث: انسداد سياسي أو حكومة هشة.
في هذه الحالة قد يصبح هامش المبادرة السياسية أضيق، بينما يستمر المستوى الأمني والعسكري في إدارة الملفات التي تعتبرها المؤسسة الأمنية ذات أولوية.
سورية أمام اختبار مختلف
المعادلة الأهم بالنسبة إلى دمشق ليست فقط من سيفوز في الانتخابات الإسرائيلية، بل ما إذا كانت سورية ستنجح في بناء دولة قادرة على ضبط جغرافيتها وقرارها الأمني.
فكلما بقيت الأراضي السورية ساحة مفتوحة لتنافس القوى الإقليمية، ستبقى سورية عرضة لأن تُقرأ من الخارج بوصفها مساحة أمنية قبل أن تُقرأ بوصفها دولة ذات قرار سيادي كامل.
ولهذا فإن التحدي السوري لا يكمن في مراقبة صناديق الاقتراع في تل أبيب فحسب، بل في بناء منظومة دولة تجعل حدودها ومؤسساتها وقرارها العسكري والسياسي عوامل استقرار، لا فراغاً قابلاً للاستثمار.
فالانتخابات الإسرائيلية قد تغيّر الحكومة، لكنها لن تغيّر الجغرافيا. وما سيحدد موقع سورية في المعادلة المقبلة هو قدرتها على تحويل الجغرافيا من ساحة نفوذ متنازع عليها إلى مساحة سيادة وقرار.




