شيخ جليل الحاج مطنش الساعدي
مقولة «الله هو الطبيعة، والطبيعة هي الله» تُلخّص واحدة من أكثر أفكار باروخ سبينوزا جرأةً في تاريخ الفلسفة. والأدق أنها ترجمة شائعة لفكرته في وحدة الجوهر، وليست بالضرورة صيغة حرفية كتبها سبينوزا بهذه الكلمات.
1. ماذا يقصد سبينوزا بـ«الله»؟
سبينوزا لا يقصد بالله إلهاً شخصياً بالمعنى الديني المألوف؛ أي إلهاً يجلس خارج العالم، يخلق الطبيعة من العدم، ثم يتدخل فيها بإرادته ويغيّر مجرى الأحداث.
بل يرى أن هناك جوهرًا واحدًا لا نهائيًا، هو الله أو الطبيعة:
Deus sive Natura — الله أو الطبيعة.
فالوجود كله ليس مجموعة أشياء مستقلة عن الله، وإنما هو تعيّنات وطرائق ظهور لذلك الجوهر الواحد.
2. هل يعني هذا أن «الشجرة هي الله» و«الإنسان هو الله»؟
هنا يجب الانتباه إلى دقة سبينوزا.
هو لا يقول إن كل شيء منفرد يساوي الله بكليته. فالإنسان، والحجر، والشجرة، والحيوان ليست آلهة مستقلة.
بل هي أحوال أو أنماط (Modes) للجوهر الإلهي الواحد.
يمكن تقريب الفكرة هكذا:
المحيط واحد، والأمواج متعددة؛ الموجة ليست المحيط كله، لكنها لا توجد خارجه.
وبالمثل، الموجودات المختلفة ليست هي الله من حيث كليته، لكنها لا توجد خارج الطبيعة/الجوهر الواحد.
3. الله لا يخلق الطبيعة من خارجها
وهذه هي النقطة الأكثر ثورية.
في التصور التقليدي:
الله ← خلق ← الطبيعة
أي أن الله خالق، والطبيعة مخلوقة، وهناك تمييز بين الخالق والعالم.
أما عند سبينوزا:
الله = الطبيعة من حيث هي نظام الوجود الضروري
فالله ليس موجوداً خارج الطبيعة حتى يخلقها، وإنما الطبيعة نفسها هي التعبير اللانهائي عن الجوهر.
ولهذا يقول سبينوزا إن الأشياء تصدر عن طبيعة الله بالضرورة، لا نتيجة قرار إرادي اعتباطي.
4. «الطبيعة» عند سبينوزا ليست مجرد الأشجار والجبال
وهذه نقطة مهمة جداً.
عندما يقول Natura، فهو لا يقصد الطبيعة بالمعنى الحديث الضيق: الغابات، الحيوانات، الأنهار والجبال.
إنه يقصد كل الوجود وقوانينه ونظامه.
لذلك يميز بين:
Natura naturans: الطبيعة الطابعة أو الفاعلة؛ أي الطبيعة من حيث هي الجوهر والقوة الإلهية التي يصدر عنها الوجود.
Natura naturata: الطبيعة المطبوعة أو المنفعلة؛ أي مجموع الموجودات والأحوال التي تتعين عن ذلك الجوهر.
ومن هنا يصبح الكون عنده ليس شيئاً صنعه الله ثم تركه، بل تجلّياً دائماً لنظام الوجود الضروري.
5. أين الحرية إذن؟
هنا تظهر نتيجة فلسفية عميقة.
إذا كان كل شيء يحدث وفق ضرورة قوانين الطبيعة، فسبينوزا يرفض فكرة الإرادة الحرة المطلقة.
الإنسان يعتقد أنه حر لأنه يعرف رغباته، لكنه غالباً لا يعرف الأسباب التي جعلته يرغب فيها.
مثلاً: قد يظن الإنسان أنه اختار الغضب بإرادته، بينما توجد وراء غضبه سلسلة طويلة من الأسباب النفسية والجسدية والاجتماعية التي لا يعيها.
لذلك تصبح الحرية عند سبينوزا شيئاً مختلفاً:
أن تكون حراً ليس أن تفعل ما تشاء، بل أن تفهم ضرورة الأشياء والأسباب التي تحكمك.
كلما فهم الإنسان أسباب أفعاله وانفعالاته، انتقل من الخضوع الأعمى للضرورة إلى الفعل الواعي.
6. وهل سبينوزا يؤمن بإله شخصي؟
هنا وقع الخلاف الكبير بين سبينوزا واللاهوتيين في عصره.
الله عند سبينوزا ليس شخصاً له مشاعر بشرية، ولا يغضب ويرضى بالمعنى الإنساني، ولا يتخذ قرارات اعتباطية.
كما أنه لا يتصرف وفق غاية مسبقة؛ فالطبيعة لا تعمل لكي تحقق «هدفاً» معيناً.
وهذا ما دفع خصومه إلى اتهامه بالإلحاد، مع أن موقفه أكثر تعقيداً من مجرد إنكار الله. فهو يتحدث باستمرار عن الله، لكن عن إله فلسفي غير شخصي، هو الجوهر اللانهائي الذي يقوم عليه كل وجود.
7. البعد الصوفي في الفكرة
وهنا يمكن أن نجد تقاطعاً مثيراً مع بعض التصورات الصوفية، وإن كان سبينوزا ليس صوفياً إسلامياً ولا ينبغي مساواة فلسفته بالتصوف.
ففي بعض التصورات الصوفية، خصوصاً عند ابن عربي، نجد تأكيداً على أن الكثرة لا تستقل عن الحقيقة الواحدة.
لكن الفرق جوهري:
ابن عربي: الوحدة والكثرة تُفهمان ضمن علاقة الحق والخلق والتجلي.
سبينوزا: الموجودات أحوال للجوهر الواحد، والطبيعة كلها تخضع للضرورة.
لذلك يمكن إجراء مقارنة بينهما، لكن لا يصح القول إن سبينوزا مجرد «ابن عربي أوروبي».
الخلاصة
مقولة «الله هو الطبيعة والطبيعة هي الله» تعني عند سبينوزا أن:
ليس هناك واقعان منفصلان: إله في جهة والعالم في جهة أخرى؛ بل هناك جوهر واحد لا متناهٍ، وما نسميه العالم والطبيعة والإنسان والأشياء هو أنماط وتعيّنات لهذا الوجود الواحد.
ومن هنا تتحول فلسفة سبينوزا إلى مشروع كامل:
وحدة الوجود → ضرورة الطبيعة → نقد الإرادة الحرة → فهم أسباب الأشياء → تحرير الإنسان بالعقل → الوصول إلى «الحب العقلي لله».
وهذه الأخيرة هي ربما أجمل نتيجة عند سبينوزا: كلما ازداد الإنسان فهماً للوجود، ازداد تحرراً، وكلما ازداد تحرراً ازداد حباً للوجود الذي هو جزء منه.