رياض سعد
في ذروة اضطرابه النفسي، وفي أقصى درجات القلق والضياع، اندفع إلى هاتفه كغريق يتشبث بأي خشبة وسط بحر هائج…
فتح صفحته الشخصية في موقع الفيسبوك، وأخذ يقلب الصفحات بلا غاية، وينتقل من صورة إلى أخرى، ومن وجه إلى وجه، كأنه يبحث بين الغرباء عن شيء لا يعرف اسمه؛ شيء يسكّن اضطرابه، أو يمنحه لحظة واحدة من الطمأنينة..
وفجأة توقفت أصابعه عند حساب لم يقصده..
كانت صورة صاحب الحساب مختلفة عن سائر الصور؛ لم يعرف لماذا جذبته، لكنه شعر، لسبب غامض، كأن وراء ذلك الوجه حكاية تشبه حكايته..
ضغط على «طلب صداقة»..
ولم تمضِ إلا لحظات حتى جاء القبول، سريعًا كأن الرجل الآخر كان ينتظر الطلب منذ زمن..!
بدأت الرسائل بتحية عابرة، ثم مجاملات صغيرة، ثم حديث عن الحياة والعمل والكتب والتنمية البشرية… ؛ ومع مرور الأيام صار الحوار أكثر ألفة، حتى بدا لسعيد أن الصدفة لم تعد صدفة، وأن بعض الأشخاص يعبرون حياتنا لأنهم يعرفون، بطريقة ما، الطريق إلى الأماكن الخفية في أرواحنا…
وفي إحدى الليالي، دخل سعيد إلى المحادثة كعادته.
قال:
— كيف حالك يا زيد؟
أجابه زيد:
— بخير.
قال سعيد:
— هل صورتك في الملف الشخصي قديمة؟
— لا.
— لم أرك اليوم متواجدًا كثيرًا في فيسبوك.
— نعم، كنت مشغولًا.
تردد سعيد قليلًا، ثم كتب:
— بماذا؟
جاء الرد باردًا:
— وما شأنك أنت؟
ظل سعيد ينظر إلى الجملة طويلًا.
لم تكن قاسية في ظاهرها، لكنها كانت كافية لتفتح في داخله بابًا ظل موصدًا منذ سنوات…
كتب بعدها :
— لا شيء… ظننت فقط أن موقع الفيسبوك يشبه الحياة… ؛ تبدأ العلاقات فيه كما تبدأ خارج الشاشة؛ صدفة، أو تحية، أو مجاملة عابرة، ثم تكبر الألفة شيئًا فشيئًا… لكن يبدو أنني كنت مخطئًا..
قرأ زيد الرسالة..
ولم يجب..
انتظر سعيد..
مرت دقيقة..
ثم خمس دقائق..
ثم ساعة..
وظل الصمت هو الإجابة الوحيدة..
عندها فهم شيئًا لم يكن يريد أن يفهمه: ليس كل من يدخل حياتنا يريد أن يسكن فيها…
بعضهم يمر بنا مثل عابر سبيل، يستظل بنا قليلًا ثم يمضي، وبعضهم لا يرى في وجودنا أكثر من نافذة مفتوحة يستطيع إغلاقها متى شاء…!!
ابتسم سعيد ابتسامة باهتة، ثم ضغط أولًا على «إلغاء الصداقة»، وبعدها على «حظر»…
اختفت الصفحة..
واختفت المحادثات الطويلة ..
واختفى صديقه الوهمي زيد من الشاشة، كأن شيئًا لم يكن..
لكنه لم يختفِ من داخل سعيد..
ظل وجهه عالقًا في ذاكرته أيامًا طويلة..
وفي إحدى الليالي، أدرك سعيد الحقيقة الأكثر قسوة:
لم يكن يبحث عن صديق حين ضغط زر «طلب الصداقة»…
كان يبحث عن نفسه..
وكان يظن أن الآخر يستطيع أن ينقذه من وحدته، بينما كانت وحدته أعمق من أن يعالجها شخص يظهر فجأة على شاشة هاتف..
أغلق سعيد هاتفه ووضعه إلى جواره..
ثم نظر إلى الغرفة الخالية..
لأول مرة لم يشعر بالحاجة إلى أن يفتح موقع الفيسبوك.
فقد اكتشف أن بعض الفراغات لا يملؤها الناس، وأن بعض العلاقات لا تنتهي حين نضغط زر الحظر، بل تنتهي في اللحظة التي نفهم فيها أننا كنا نطلب من الآخرين أن يمنحونا شيئًا كان ينبغي لنا أن نجده في أعماقنا…
ومنذ تلك الليلة، كلما صادف سعيد شخصًا جديدًا، لم يعد يسأل: هل سيبقى؟
بل صار يسأل نفسه: هل أنا مستعد لأن أكون بخير حتى لو رحل؟
وكان ذلك السؤال، وحده، بداية نجاته…