رياض سعد
كانا يعيشان في مدينتين لا تعرف إحداهما الأخرى إلا من خلال الخرائط، وفي عالمين تفصل بينهما أشياء كثيرة لا تُرى بالعين: المسافات، والطبقات الاجتماعية، والعادات، والتقاليد، واللهجات، وحتى اللغة..
ومع ذلك، كان بينهما شيء واحد لا يحتاج إلى ترجمة..
الحب..
لم يكن حبًّا بدأ بلقاء، ولا حكايةً ولدت من مصادفة عابرة.., كان أشبه بنبتةٍ نمت في الظلام، من دون أن يعرف أحدهما كيف وصلت جذورها إلى قلب الآخر..
كان هو يراها من بعيد؛ في صورة، في جملة، في صوت يصل إليه متقطعًا عبر شاشة صغيرة.. , وكانت هي تعرفه بالطريقة نفسها.. , لم تكن تعرف شكل يده حين يرتجف، ولا كيف يشيح بوجهه حين يخجل، ولا كيف يصمت عندما يعجز عن قول ما يشعر به.. , لكنه كان، رغم ذلك، أكثر الناس حضورًا في وعيها واحلام يقظتها .
وكانت تعرف عنه ما لا يعرفه القريبون منه..
تعرف متى يكون صمته حزنًا، ومتى يكون خوفًا، ومتى يكون محاولةً لحماية نفسه من الكلام..
أما هو، فكان يعرف من بين آلاف الكلمات تلك الكلمة التي تخفي بها تعبها، والابتسامة التي ترسمها بالكلمات والاشارات والرموز الالكترونية عندما تكون على وشك البكاء..
كانا عاشقين من بعيد..
وكان البعد، في البداية، شيئًا يمكن احتماله..
ثم صار وطنًا..
ثم مرّت السنوات..
تغيّرت المدن، تبدلت الوجوه، كبر الناس من حولهما، وتبدلت أشياء كثيرة في العالم.. , وحدهما بقيا معلّقين في اللحظة نفسها، كأن الزمن عبر بجوارهما ولم يجرؤ على لمس قلبيهما..
كان كل واحد منهما ينتظر الآخر، لكن أحدًا لم يقل: تعال…!
لم تكن المشكلة في الحب، بل في كل ما يقف خلف الحب..
قال لها ذات ليلة:
— أحيانًا أشعر أنني أحبك في الزمن الخطأ.
أجابته:
— وأنا أشعر أننا وُلدنا قريبين جدًا من بعضنا، لكن في مكانين متباعدين جدًا.
— وهل يكفي الحب؟
صمتت طويلًا قبل أن تقول:
— لا أعرف.. لكنني أعرف أنه الشيء الوحيد الذي لم أستطع التخلص منه..
كان يعرف أن بينهما أبوابًا كثيرة: أبواب العائلة، والطبقة، والخوف، والسمعة، والاختلاف، والمسافة، والأسئلة التي لا تنتهي..
وكان يعرف أيضًا أن بعض الأبواب لا تُغلق لأنها مقفلة، بل لأن الإنسان يخاف أن يفتحها..
ثم جاء السفر.
لم يكن أيٌّ منهما يعرف أن القدر، الذي ظل سنوات يختبر صبرهما، قرر أخيرًا أن يمنحهما لقاءً لا يشبه الأحلام..
كان ذلك في مطار دبي المزدحم..
صالات واسعة، حقائب تتدحرج على الأرض، شاشات إلكترونية تومض بأسماء المدن، أصوات بلغات متعددة، ووجوه تعبر المكان بسرعة كأن الجميع يهرب من شيء لا يعرفه الآخرون.
كان هو ينتظر رحلته.
وكانت هي تنتظر رحلتها.
ولم يكن أي منهما يعرف أن الآخر يقف على بعد عشرات الأمتار فقط.
كان هو جالسًا قرب النافذة، يتابع الطائرات وهي تقلع.
ثم رفع رأسه.
رآها.
في اللحظة الأولى لم يصدق.
قال في نفسه: لا يمكن.
كانت تمشي ببطء، تحمل حقيبة صغيرة، وتبحث بعينيها عن بوابة المغادرة..
توقفت..
رفعت رأسها..
والتقت عيناهما..
لم يحدث شيء..
لا موسيقى..
لا عاصفة..
لا ركض..
فقط صمت..
صمت طويل، كأن المطار كله اختفى فجأة، ولم يبقَ في العالم سوى رجل وامرأة أمضيا سنوات وهما يلتقيان في الخيال، ثم التقيا أخيرًا في الواقع..!!
اقترب منها.
قال بصوت خافت:
— أنتِ؟
ابتسمت، وكانت عيناها تلمعان.
— وأنت؟
ضحك، ثم قال:
— كنت أظن أنني أعرفك.
قالت:
— وأنا كنت أظن أنني أعرفك.
سكتا.
ثم قالت:
— لكنك مختلف.
— كيف؟
— أكثر حقيقة مما تخيلت.
ابتسم.
— وأنتِ أكثر تعبًا.
خفضت عينيها.
— لأنني انتظرتك طويلًا.
قال:
— وأنا أيضًا.
ثم نظر إلى ساعته.
كانت الساعة تشير إلى موعد الرحلة.
قالت:
— كم لدينا من الوقت؟
نظر إليها.
— قليل.
ضحكت بحزن.
— كما توقعت.
جلسا معًا في مقهى صغير داخل المطار.
للمرة الأولى لم يكن بينهما هاتف، ولا شاشة، ولا سماعة، ولا مدينة بعيدة..
كان بينهما طاولة.. ؛ وكوبان من القهوة.. , وأيدٍ تكاد تلامس بعضها..
تحدثا كثيرًا.
عن السنوات التي ضاعت..
عن الأشياء التي أرادا قولها ولم يقولاها..
عن الخوف الذي جعلهما يختبئان خلف المسافة..
قالت:
— أتدري ما أكثر ما يؤلمني؟
— ماذا؟
— أنني عشت معك سنوات كاملة من دون أن ألمس يدك مرة واحدة..
نظر إلى يدها الموضوعة على الطاولة..
مد يده ببطء..
تردّد..
ثم وضع أطراف أصابعه على أطراف أصابعها..
ارتجفت يدها..
قال:
— الآن لم يعد الأمر حلمًا.
قالت:
— بل صار أخطر.
— لماذا؟
— لأنني الآن أعرف ماذا فقدت..!!
سحب يده قليلًا.
— وماذا لو لم نفترق؟
نظرت إليه طويلاً.
— ماذا عن كل شيء ينتظرنا خارج هذا المطار؟
لم يجب.
كانت هناك عائلات، وبيوت، ومدن، وحدود، وتقاليد، وأناس لا يعرفون أن قلبين التقيا هنا بعد سنوات من الغياب.
كان المطار، في تلك اللحظة، أشبه بالعالم كله.
مكانًا يعبره الناس ولا يستقرون فيه.
جاء الإعلان.
الرحلة الأخيرة.
نظر كل واحد منهما إلى الآخر.
قال:
— يبدو أن الزمن لا يزال أقوى منا.
أجابته:
— لا.. الزمن ليس أقوى منا.
— إذن ماذا؟
قالت:
— نحن الذين خفنا منه.
نهضت.
حمل كل منهما حقيبته.
سارا معًا حتى نقطة التفرع.
ثم توقفا.
كانت بوابتا السفر في اتجاهين مختلفين.
قال:
— هل سنلتقي مرة أخرى؟
ابتسمت.
— لا تسألني عن المستقبل.
— لماذا؟
— لأنني أريد أن أتذكر هذه اللحظة كما هي.
— وكيف هي؟
قالت وهي تنظر إليه:
— كاملة.
اقترب منها.
لم يعرف أيقبّل جبينها أم يكتفي بالنظر إليها.. لم يكن بينهما في تلك اللحظة شيء سوى ارتباك عاشقين تأخرا كثيرًا عن موعدهما..
فقال:
— لو التقينا قبل عشر سنوات؟
قالت:
— ربما لم نكن لنفهم بعضنا.
— ولو التقينا بعد عشر سنوات؟
أطرقت قليلًا.
— ربما لن نكون نحن.
ابتسم بحزن.
— إذن التقينا في الوقت الوحيد الذي كان يمكن أن نكون فيه نحن.
قالت:
— ربما.
ثم افترقا.
لم يلتفت أحدهما في البداية.
لكن بعد خطوات قليلة، التفتا في اللحظة نفسها...!!
كانا يبتسمان بحرقة وألم ..
ثم ابتعد كل واحد منهما في اتجاه..
بعد سنوات، لم يتذكرا تفاصيل كثيرة عن ذلك اليوم..
نسي هو لون الجدران.
ونسيت هي اسم المقهى.
ولم يتذكرا رقم البوابة.
لكن كليهما ظل يتذكر النافذة.
تلك النافذة الزجاجية الكبيرة التي كانا يقفان عندها، كل واحد في طرف من المطار، قبل أن يلتقيا.
كانت الطائرات تقلع وتهبط أمامهما، والناس يجيئون ويرحلون، والساعات تتحرك، والمدن تتغير.
أما هما، فبقيا في تلك اللحظة.
كان كل واحد منهما يعتقد أنه فقد الآخر.
ثم اكتشفا، بعد زمن طويل، أن بعض الناس لا يدخلون حياتنا لكي يبقوا فيها، بل لكي يتركوا فيها أثرًا لا يستطيع الزمن محوه.
وأن بعض اللقاءات لا تكون بدايات.
بل تكون وداعًا مؤجلًا منذ اللحظة الأولى.
وفي آخر رسالة كتبها إليها، قال: كنتِ نافذتي الوحيدة على حياة لم أعشها…
فأجابته: وكنتَ نافذتي الوحيدة على زمن لم يأتِ…
ثم أغلقت هاتفها.
وأطفأ هو هاتفه.
ومضى كل واحد منهما في حياته..
لكن في مكان ما، داخل ذاكرة كل واحد منهما، ظل مطارٌ لا تنتهي رحلاته، وظلت نافذةٌ زجاجية، ورجل وامرأة يقفان متقابلين، يفصل بينهما شبر واحد فقط…
شبر يشبه الكون كله.
وكانا يعرفان، أخيرًا، أن الحب ليس دائمًا أن تصل إلى من تحب.
أحيانًا يكون الحب أن تعرف أن روحًا أخرى، في مدينة بعيدة، وفي زمن آخر، كانت تنظر إلى النافذة نفسها، وتنتظرك..
وأنكما، رغم كل ما فرّق بينكما، كنتما معًا…
في ذلك الفراغ الذي يشبه الحب تمامًا.