تكرار عبارة قرآنية (خير الرازقين)

د. فاضل حسن شريف

قال الله تعالى “قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ” ﴿المائدة 114﴾، “وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ” ﴿الحج 58﴾، “أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ” ﴿المؤمنون 72﴾، “قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴿سبإ 39﴾، “وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴿الجمعة 11﴾.

عن مركز الامام الصادق عليه السلام حول التكرار في القرآن: تكرار الفاصلة: سبق أن ذكرنا فى مبحث الفواصل بسوء المصير من تكرار الفاصلة مرتين بدءاً وثلاث مرات نهاية. وقد وجهنا أسلوب التكرار فى تلك الصور. ولكنَّا هنا أمام فاصلة لم تقف فى تكرارها عند حد المرات الثلاث. بل تعدت ذلك بكثير. لذلك آثرنا أن نبحثها هنا إذ هى بهذا الموضع أنسب. ونعتمد فى دراستنا لتكرار الفاصلة على ثلاث سور هى: الرحمن، القمر، المرسلات. وهى السور التى برزت فيها هذه الظاهرة الأسلوبية. بشكل لم يرد فى غيرها، كما ورد فيها. فقد تكررت: “فبِأى آلاء ربكما تكذبان” فى “الرحمن”. وتكررت “فكيف كان عذابى ونذر” فى “القمر”. وتكررت: “ويل يومئذ للمكذبين” فى “المرسلات”. تكرار الفاصلة فى “القمر”: ولهذا التكرار فى المواضع الثلاثة أسباب ومقتضيات. ففى سورة القمر”نجد العبارة المكررة وهى: “فكيف كان عذابى ونذر”قد صاحبت فى كل موضع من مواضع تكرارها قصة عجيبة الشأن، وكان أول موضع ذُكِرت فيه عقب قصة قوم نوح. وبعد أن صوَّر القرآن مظاهر الصراع بينهم وبين نوح عليه السلام ثم انتصار الله لنوح عليهم. حيث سلَّط عليهم الطوفان. فأغرقهم إلا مَن آمن وعصمه الله. ونجد أن الله نجَّى نوحاً وتابعيه. ولكن تبقى هذه القصة موضع عظة وادكار، ولتلفت إليها الأنظار وللتهويل من شأنها جاء قوله تعالى عقبها: (فكيف كان عذابى ونذر (مُصدَّراً باسم الاستفهام “كيف” للتعجيب مما كان، ولقد مهَّد لهذا التعجيب بالآية السابقة عليه. وهى قوله تعالى: “ولقد تركناها آية فهل من مدكِر” (القمر 15). والموضع الثانى لذكرها حين قص علينا القرآن قصة عاد وعتوها عن أمر الله وفى”عاد”هذه نجد العبارة اكتنفت القصة بدءاً ونهاية. قال تعالى: “كذبت عادُ فكيف كان عذابىِ ونذر * ِإنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً فى يومِ نحْسٍ مستمر * تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر * فكيف كان عذابى ونذر” (القمر 18-21). وتكرار العبارة هكذا فى البداية والنهاية إخراج لها مخرج الاهتمام. مع ملاحظة أن أحداث القصة هنا صُورت فى عبارات قصيرة ولكنها محكمة وافية.. ولم يسلك هذا المسلك فى قصة نوح أعنى قصر العبارات والسبب فيما يبدو لى أن إهلاك قوم نوح كان بالإغراق فى الماء. وهى وسيلة كثيراً ما تكون سبب هلاك. فقد كانت سبب هلاك فرعون وملئه.. أما أن يكون الإهلاك بالريح فذلك أمر يدعو إلى التأمل والتفكر. ولعل مما يقوى رأينا هذا. أن هذه القصة قصة عاد وردت فى موضع آخر من القرآن يتفق مع هذا الموضوع من حيث الفكرة، ويختلف معه قليلاً من حيث طريقة العرض وزيادة التفصيل. جاء فى سورة الحاقة: “وأما عاد فأهلكوا بريح صرصرٍ عاتية * سخرها عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيام حُسوماً فترى القوم فيها صرعَى كأنهم أعجاز نخل خاوية * فهل ترى لهم من باقية ” (الحاقة 6-8). فإرسال الريح هكذا سبع ليال وثمانية أيام حسوماً مدعاة للعظة والاعتبار.

عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله جل وعلى “وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ” ﴿الجمعة 11﴾ ثم أخبر سبحانه عن جماعة قابلوا أكرم الكرم بالأم اللؤم فقال “وإذا رأوا تجارة أولهوا” ﴿الجمعة 11﴾ أي عاينوا ذلك وقيل معناه إذا علموا بيعا وشراء أولهوا وهو الطبل عن مجاهد وقيل المزامير عن جابر “انفضوا إليها” ﴿الجمعة 11﴾ أي تفرقوا عنك خارجين إليها وقيل مالوا إليها والضمير للتجارة وإنما خصت برد الضمير إليها لأنها كانت أهم إليهم وهم بها أسر من الطبل لأن الطبل إنما دل على التجارة عن الفراء وقيل عاد الضمير إلى أحدهما اكتفاء به وكأنه على حذف والمعنى وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها وإذا رأوا لهوا انفضوا إليه فحذف إليه لأن إليها يدل عليه وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال انصرفوا إليها “وتركوك قائما” ﴿الجمعة 11﴾ تخطب على المنبر قال جابر بن سمرة ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطب إلا وهو قائم فمن حدثك أنه خطب وهو جالس فكذبه وسئل عبد الله بن مسعود أ كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب قائما فقال أ ما تقرأ “وتركوك قائما” ﴿الجمعة 11﴾ وقيل أراد قائما في الصلاة ثم قال تعالى “قل” يا محمد لهم “ما عند الله” من الثواب على سماع الخطبة وحضور الموعظة والصلاة والثبات مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم “خير” وأحمد عاقبة وأنفع “من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين” ﴿الجمعة 11﴾ يرزقكم وإن لم تتركوا الخطبة والجمعة.

جاء في موقع وزارة الأوقاف المصرية عن شبهة الكلام المكرر في القرآن الكريم: تكرار الفاصلة في “القمر”: ولهذا التكرار في المواضع الثلاثة أسباب، ومقتضيات ففي سورة “القمر” نجد العبارة المكررة وهي: “كَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ” قد صاحبت في كل موضع من مواضع تكرارها قصة عجيبة الشأن، وكان أول موضع ذكرت فيه عقب قصة قوم نوح، وبعد أن صور القرآن مظاهر الصراع بينهم، وبين نوح -عليه السلام- ثم انتصار الله لنوح عليهم، حيث سلط عليهم الطوفان، فأغرقهم إلا من آمن، وعصمه الله. ونجد أن الله نجى نوحًا، وتابعيه، ولكن تبقى هذه القصة موضع عظة، وادكار، ولتلفت إليها الأنظار، وللتهويل من شأنها جاء قوله تعالى عقبها: “كَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ” مصدرًا باسم الاستفهام ﴿كَيۡفَ﴾ للتعجيب مما كان، ولقد مهّد لهذا التعجيب بالآية السابقة عليه، وهي قوله تعالى: “وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ” (القمر 22) والموضع الثاني لذكرها حين قص علينا القرآن قصة عاد، وعتوها عن أمر الله وفي “عاد” هذه نجد العبارة اكتنفت القصة بدءًا، ونهاية قال تعالى: “كَذَّبَتۡ عَادٞ فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِي يَوۡمِ نَحۡسٖ مُّسۡتَمِرّٖ * تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٖ مُّنقَعِرٖ * فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ” (القمر 18-21) وتكرار العبارة، هكذا في البداية، والنهاية إخراج لها مخرج الاهتمام، مع ملاحظة أن أحداث القصة هنا صُورت في عبارات قصيرة، ولكنها محكمة وافية، ولم يسلك هذا المسلك في قصة نوح أعني قصر العبارات والسبب فيما يبدو لي أن إهلاك قوم نوح كان بالإغراق في الماء، وهي وسيلة كثيرًا ما تكون سبب هلاك، فقد كانت سبب هلاك فرعون وملئه، أما أن يكون الإهلاك بالريح فذلك أمر يدعو إلى التأمل والتفكر. ولعل مما يقوي رأينا هذا أن هذه القصة – قصة عاد – وردت في موضع آخر من القرآن يتفق مع هذا الموضوع من حيث الفكرة، ويختلف معه – قليلًا – من حيث طريقة العرض، وزيادة التفصيل.

وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله جل وعلى “وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ” ﴿الجمعة 11﴾ الانفضاض على ما ذكره الراغب استعارة عن الانفضاض بمعنى انكسار الشيء وتفرق بعضه من بعض. وقد اتفقت روايات الشيعة وأهل السنة على أنه ورد المدينة عير معها تجارة وذلك يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قائم يخطب فضربوا بالطبل والدف لإعلام الناس فانفض أهل المسجد إليهم وتركوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائما يخطب فنزلت الآية. فالمراد باللهو استعمال المعازف وآلات الطرب ليجتمع الناس للتجارة، وضمير “إليها” راجع إلى التجارة لأنها كانت المقصودة في نفسها واللهو مقصود لأجلها، وقيل: الضمير لأحدهما كأنه قيل: انفضوا إليه وانفضوا إليها وذلك أن كلا منهما سبب لانفضاض الناس إليه وتجمعهم عليه، ولذا ردد بينهما وقال: “تجارة أولهوا” ولم يقل: تجارة ولهوا والضمير يصلح للرجوع إلى كل منهما لأن اللهو في الأصل مصدر يجوز فيه الوجهان التذكير والتأنيث. ولذا أيضا عد “ما عند الله” ﴿الجمعة 11﴾ خيرا من كل منهما بحياله فقال: “من اللهو ومن التجارة” ﴿الجمعة 11﴾ ولم يقل: من اللهو والتجارة. وقوله: “قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين” ﴿الجمعة 11﴾ أمر للنبي أن ينبههم على خطئهم فيما فعلوا وما أفظعه والمراد بما عند الله الثواب الذي يستعقبه سماع الخطبة والموعظة. والمعنى قل لهم: ما عند الله من الثواب خير من اللهو ومن التجارة لأن ثوابه تعالى خير حقيقي دائم غير منقطع، وما في اللهو والتجارة من الخير أمر خيالي زائل باطل وربما استتبع سخطه تعالى كما في اللهو. وقيل: خير مستعمل في الآية مجردا عن معنى التفضيل كما في قوله تعالى: “أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ” (يوسف 39)، وهو شائع في الاستعمال. وفي الآية أعني قوله: “وإذا رأوا” ﴿الجمعة 11﴾ التفات من الخطاب إلى الغيبة، والنكتة فيه تأكيد ما يفيده السياق من العتاب واستهجان الفعل بالإعراض عن تشريفهم بالخطاب وتركهم في مقام الغيبة لا يواجههم ربهم بوجهه الكريم. ويلوح إلى هذا الإعراض قوله: “قل ما عند الله خير” ﴿الجمعة 11﴾ حيث لم يشر إلى من يقول له، ولم يقل: قل لهم كما ذكرهم بضميرهم أولا من غير سبق مرجعه فقال: “وإذا رأوا” ﴿الجمعة 11﴾ واكتفى بدلالة السياق. وخير الرازقين من أسمائه تعالى الحسنى كالرزاق وقد تقدم الكلام في معنى الرزق فيما تقدم.