
رياض سعد
مقدمة
تُعدّ ظاهرة تهريب الدولار من العراق إلى إيران واحدة من أخطر التحديات التي تواجه الاقتصاد العراقي في العقدين الأخيرين، إذ تحوّل العراق بفعل هذه الظاهرة إلى “المسار الوحيد المتبقي أمام إيران للوصول إلى الدولار”، بعد أن ضيّقت العقوبات الأمريكية الخناق على طهران… , ولم يعد الأمر مجرد عمليات تهريب محدودة، بل تحوّل إلى شبكة مالية ظلّية تمتد عبر عدة محافظات عراقية، وتتغلغل في النظام المصرفي ومكاتب الصيرفة والمعابر الحدودية.
أولاً: السياق التاريخي لظاهرة التهريب
يعود ارتباط الاقتصاد الإيراني بالعراق إلى حقبة التسعينات، حين فتحت إيران صفحة جديدة من العلاقات الاقتصادية مع النظام البعثي السابق، إذ صدّرت شتى السلع إلى العراق حتى سُمّي أحد أسواق الشورجة آنذاك “السوق الإيراني”… ؛ وقد اعتمدت إيران منذ ذلك الحين على الاقتصاد العراقي اعتماداً متزايداً، لكن هذه العلاقة تضخّمت بشكل غير مسبوق بعد عام 2003.
ثانياً: الأسباب الدافعة لتهريب الدولار إلى إيران
ثمة جملة من العوامل المركّبة التي تقف خلف استمرار تهريب الدولار:
1. العقوبات الأمريكية والغربية على إيران: منذ عقود، تتعرض إيران لعقوبات اقتصادية أمريكية وغربية مشدّدة، مما جعلها في أمسّ الحاجة إلى العملات الصعبة، لا سيما الدولار واليورو… , وبعد تعليق الإمارات لجميع معاملاتها المالية والتجارية مع إيران في أغسطس الماضي، تضاءلت المسارات البديلة أمام طهران، وتحوّل العراق إلى المنفذ الرئيسي.
2. الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية: يبلغ السعر الرسمي للدولار في البنك المركزي العراقي 1320 دنانير لكل دولار، بينما يصل في السوق الموازية إلى ما بين 1500 و1520 ديناراً… ؛ هذه الفجوة تخلق حافزاً قوياً للمضاربة والتهريب، إذ يمكن للمهرّب شراء الدولار بالسعر الرسمي وبيعه في السوق الموازية أو تهريبه للخارج بفارق سعري مجزٍ.
3. ضعف الرقابة والفساد: أكد النائب كاظم الفياض أن “عمليات تهريب الدولار إلى إيران ما زالت مستمرة بحماية حكومية”، مشيراً إلى وجود “شركات وهمية وأخرى غير وهمية تعمل على تهريب العملة بطرق غير قانونية”… ؛ وتعمل بعض هذه الشركات تحت غطاء جهات متنفذة، مما يصعّب مهمة الأجهزة الرقابية.
4. الطلب الإيراني المتزايد: تشير تقديرات المحللين الإقليميين إلى أن العراق يسهّل و”يغسل” ما يقارب 300 مليون دولار من رأس المال الإيراني يومياً… ؛ وتُقدّر التدفقات المالية الخارجة من العراق باتجاه إيران وشبكاتها التابعة بما يتراوح بين 8 و12 مليار دولار سنوياً، وهو رقم يوازي تقريباً كامل الموازنة العسكرية الإيرانية.
ثالثاً: آليات التهريب وأساليبه
تتعدد طرق تهريب الدولار إلى إيران وتتنوع، ومن أبرزها:
· مكاتب الصيرفة في المحافظات العراقية: وقد تلجأ بعض شبكات الصيرفة والتحويل غير الرسمية في العراق إلى تحويل الدولار إلى الريال الإيراني، أو تسوية قيمته بالريال، قبل وصول الأموال إلى إيران، بدلًا من نقل الدولار نقدًا عبر القنوات المصرفية الرسمية..
· التحويلات المشروعة ظاهرياً: تُنقل الدولارات إلى الخارج — غالباً إلى الإمارات أو تركيا — بحجة أغراض تجارية، مدعومة بفواتير ومستندات، لكن التجارة في كثير من الحالات وهمية؛ فالبضائع إما مبالغ في أسعارها، أو لا تُسلّم أبداً، أو غير موجودة أصلاً… ؛ وبعد خروج الأموال من العراق، يُعاد توجيهها لدعم النظام المالي الإيراني.
· استغلال شبكات الدفع الإلكتروني: ارتفع استخدام العراق لبطاقات فيزا وماستركارد في المدفوعات العابرة للحدود من نحو 50 مليون دولار شهرياً في أوائل 2023 إلى ما يقدر بـ 1.5 مليار دولار في أبريل الماضي — بنسبة زيادة بلغت 2900٪. وقد استغلت الفصائل العراقية المرتبطة بإيران هذه الشبكات لتحويل الدولارات إلى نفسها وإلى حلفائها في إيران على نطاق صناعي.
· التبرعات الإنسانية كغطاء: برزت في الآونة الأخيرة طرق أكثر تعقيداً للالتفاف على القيود، إذ تتخفى عمليات نقل العملة الصعبة خلف واجهة الحالات المرضية والحملات الإنسانية، حيث تنشط مبادرات لجمع التبرعات بذريعة إنقاذ المرضى، لتتحول إلى قناة غير مباشرة لنقل الدولار إلى إيران... ؛ فضلا عن الاموال الدينية التي تخرج من العراق الى ايران بذريعة الخمس والحقوق وغيرهما .
· التهريب المادي عبر الحدود والمطارات: تُنقل العملة المادية عبر مطار بغداد الدولي أو تُهرّب عبر الحدود البرية التي يسهل اختراقها، وقد أعلنت الهيئة العامة للجمارك عن إحباط محاولات متكررة لتهريب مبالغ بالدولار في مطار بغداد الدولي.
· استغلال المسافرين والعلاج بالخارج: يجري استغلال ملف العلاج خارج العراق كوسيلة لتحويل العملة الصعبة، إذ يصرّ بعض أرباب الحملات الإنسانية على السفر إلى إيران مصطحبين العملة الصعبة، في حين تؤكد مصادر متخصصة وجود مستشفيات عراقية قادرة على تقديم العلاج ذاته بكلفة أقل ونتائج مماثلة.
رابعاً: التداعيات على الاقتصاد العراقي
1. تراجع قيمة الدينار العراقي: أدى تهريب الدولار والتساهل في التعامل مع العقوبات المفروضة على طهران إلى تقليل توافر الدولار في السوق العراقية، ما رفع قيمته أمام الدينار… ؛ وقد فقد الدينار العراقي نحو 5% من قيمته أواخر عام 2024، مع اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الفعلي في السوق الموازية.
2. خسائر مالية فادحة: تشير التقديرات إلى أن ثلثي مبيعات البنك المركزي العراقي في “نافذة بيع العملة” — التي تتراوح عند مستويات 250 مليون دولار يومياً — لم تستفد منها السوق العراقية على مدى العقدين الماضيين، مما أدى إلى خسارة البلاد مبالغ لا تقل عن 400 مليار دولار.
3. تضخم وارتفاع الأسعار: يؤدي ارتفاع سعر الصرف إلى زيادة أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية، باعتبار أن السوق المحلية تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، مما يثقل كاهل المواطن، خصوصاً ذوي الدخل المحدود، ويؤثر سلباً في القوة الشرائية… ؛ كما يخلق تذبذب سعر الصرف حالة من عدم اليقين في السوق، ويدفع التجار إلى رفع الأسعار بشكل استباقي، مما يساهم في موجة تضخم غير مبررة.
4. ركود تجاري وتآكل الثقة: تسبّب نقص السيولة في ركود تجاري وتضخم ملحوظ في أسعار السلع الأساسية… ؛ كما أن انعدام الثقة بين المواطنين والنظام المصرفي يتجلى في أن نحو 98 تريليون دينار عراقي متداولة خارج دائرة البنوك.
5. ضغوط أمريكية على القطاع المصرفي: فرضت واشنطن عقوبات على 34 من أصل 44 مصرفاً خاصاً في العراق، تاركةً عشرة مصارف فقط بوصول كامل إلى النظام المصرفي… ؛ وحذّر مسؤولون من أن البنك المركزي العراقي نفسه قد يكون عرضة للعقوبات الأمريكية إذا فشل في كبح تدفقات رأس المال إلى إيران.
6. استنزاف الاحتياطيات الأجنبية: انخفض صافي الاحتياطيات الأجنبية من 142.69 تريليون دينار في الربع الثاني من عام 2024 إلى 126.16 تريليون دينار في الفترة نفسها من عام 2025، وفق بيانات البنك المركزي العراقي.
7. التأثير على الاستثمار والتنمية: يحذّر الخبراء من أن استمرار تراجع الدينار قد يؤدي إلى إحجام القطاع الخاص عن الاستثمار أو التوسع، ويؤخر عجلة التنمية، في ظل اعتماد مزمن على الإيرادات النفطية وضعف الإنتاج المحلي.
خامساً: الموقف الرسمي والمقترحات
في مواجهة هذه الأزمة، يرى خبراء الاقتصاد أن المعالجة تتطلب حزمة متكاملة تشمل ضبط الإنفاق، وتعزيز الرقابة على شركات الصيرفة والمضاربين، وتوحيد الخطاب الاقتصادي الرسمي لطمأنة السوق… ؛ كما شدّد مستشار رئيس الوزراء للشؤون المالية على أن استقرار العملة يتطلب تنسيقاً بين البنك المركزي والحكومة، مع انفتاح أكبر على المؤسسات الدولية، وتفعيل أدوات السياسة الاقتصادية وفق رؤية تنموية شاملة… ؛ وتُعدّ نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي — التي تبلغ نحو 43% — ضمن الحدود الآمنة وفق المعايير الدولية، لكن استمرار التهريب يهدد هذا الاستقرار.
خاتمة
إنّ ارتباط الاقتصاد العراقي بإيران بهذه الصورة الملتوية لا يجلب للعراق والعراقيين سوى الويلات والأزمات، لا سيما في ظل الظروف الراهنة والعقوبات الأمريكية والغربية… ؛ صحيح أن إيران تستحق — كجارٍ — التعاون والتبادل التجاري مع العراق، لكن بشرط ألا يكون ذلك على حساب المصالح الوطنية العراقية العليا.
إنّ استعادة السيطرة على المنافذ الحدودية، وإصلاح النظام المصرفي، وتنويع مصادر الاقتصاد، وتعزيز الإنتاج المحلي — كلها خطوات لا بد منها لوقف نزيف الدولار وحماية الاقتصاد العراقي من الانهيار.




