توم برّاك.. الثعلب الأمريكي وإعادة رسم خريطة النفوذ الإيراني من دمشق إلى بغداد وبيروت

Oplus_16908288

خالد الغريباوي

ثمة رجل أمريكي يتحرك في الشرق قصص الأوسط بهدوء لافت، لكنه يلامس أكثر الملفات حساسية في المنطقة. رجل لا يظهر دائماً في واجهة المشهد، ولا يتحدث كثيراً عن تفاصيل مهمته، لكن خطواته تمتد من أنقرة إلى دمشق، ومن دمشق إلى بغداد، وتلامس في نهاياتها بيروت وطهران والخليج.

إنه توم برّاك، الرجل الذي يبدو أن مهمته تجاوزت حدود الدبلوماسية التقليدية إلى محاولة إعادة ترتيب موازين القوى في المشرق.

برّاك لا يتحرك في فراغ، ولا يتعامل مع هذه الساحات كملفات منفصلة. فهو يتحرك وسط تقاطع المصالح الأمريكية والتركية والإسرائيلية والسعودية، في مواجهة نفوذ إيراني ما زال يمتلك أوراقاً قوية وحلفاء قادرين على التأثير في مسار الأحداث.

فالمشهد ليس ببساطة أمريكا في مواجهة قوى ضعيفة.
إيران ما زالت تمتلك حلفاء أقوياء في العراق ولبنان، والفصائل العراقية تمتلك نفوذاً سياسياً وأمنياً وقدرات صاروخية وطائرات مسيّرة، بما يجعل أي محاولة لإسقاطها بالقوة مغامرة قد تفتح أبواب مواجهة إقليمية واسعة.

ولهذا تبدو مهمة برّاك أقرب إلى إعادة تشكيل البيئة المحيطة بالنفوذ الإيراني وتضييق مساحته، بأقل قدر ممكن من التدخل الأمريكي المباشر.

ومن هنا تبدأ الحكاية.

أولاً: سوريا.. التحول الأكبر

سوريا الجديدة أصبحت أقرب إلى المعسكر الأمريكي ـ التركي، وهذا التحول يمثل خسارة استراتيجية لإيران، لأن سوريا كانت لسنوات جسراً مهماً بين العراق ولبنان.
لكن التحول السوري لا يعني سقوط النفوذ الإيراني، بل يعني انتقال المعركة إلى ساحات أخرى، وفي مقدمتها لبنان والعراق.
وهنا تأتي أهمية الدور التركي؛ فأنقرة تمتلك نفوذاً واسعاً داخل سوريا، وتدعم بناء مؤسسات الدولة والجيش والأجهزة الأمنية، بما يمنح دمشق قدرة أكبر على ضبط حدودها.
وبذلك يمكن أن تتحول سوريا تدريجياً من ممر للنفوذ الإيراني إلى عنصر في حصاره.

ثانياً: تركيا.. القوة التي تبني من الخلف

الدور التركي ليس تفصيلاً ثانوياً في هذه المعادلة.
فأنقرة تريد سوريا قوية ومتماسكة وقادرة على ضبط حدودها، وفي الوقت نفسه تريد تثبيت نفوذها ومنع عودة الفوضى والتهديدات إلى أراضيها.
وهنا تتقاطع المصالح التركية والأمريكية في نقطة أساسية: سوريا الجديدة يجب ألا تعود إلى البيئة التي سمحت لإيران ببناء نفوذها السابق.
ومن خلال دعم بناء قوة سورية أكثر تنظيماً، يمكن لتركيا أن تصبح شريكاً أساسياً في إعادة صياغة ميزان القوى من دون أن تكون واشنطن مضطرة إلى التدخل عسكرياً بصورة مباشرة.

ثالثاً: سوريا ولبنان والعراق.. الضغط من الخارج والداخل

هنا تظهر إحدى أهم حلقات المشهد.
فالقوة السورية الجديدة، المدعومة تركياً والمقبولة أمريكياً، يمكن أن تتحول إلى عامل ضغط على حزب الله من خلال الحدود والمعابر وتشديد الرقابة على طرق الإمداد، مع إمكانية تحشيد قوات سورية قرب الحدود اللبنانية إذا تطورت المواجهة.
وفي الوقت نفسه، يمكن أن تصبح الحدود السورية ـ العراقية أكثر صرامة، بما يضيّق حركة الإمداد والاتصال أمام الفصائل العراقية المرتبطة بمحور إيران.
وبالمقابل يأتي الضغط من داخل العراق عبر مشروع حصر السلاح بيد الدولة، لتجد الفصائل نفسها أمام ضغط مزدوج: ضغط إقليمي من الخارج، وضغط سياسي وأمني من الداخل.
وهنا لا تبدو المسألة مجرد معركة على السلاح، بل محاولة لإعادة تعريف من يملك قرار الحرب والسلم داخل الدولة العراقية.
لكن هذا المسار يحمل مخاطرة كبيرة؛ فإذا شعرت الفصائل أن الهدف لم يعد تنظيم السلاح وإنما إنهاء وجودها السياسي والعسكري، فقد تتحول المواجهة من الاحتواء إلى الصدام.

رابعاً: إيران والفصائل.. قوة لا يمكن تجاهلها

من الخطأ قراءة المشهد وكأن إيران وحلفاءها أصبحوا بلا أوراق.
إيران ما زالت تمتلك قدرة كبيرة على المناورة من خلال حلفائها، وحزب الله يمتلك خبرة عسكرية وتنظيمية، بينما تمتلك الفصائل العراقية الصواريخ والمسيّرات والنفوذ السياسي والأمني.
وهذه القدرات تمنحها إمكانية تهديد المصالح الأمريكية والإسرائيلية، بل وجعل المصالح الخليجية جزءاً من معادلة الرد إذا توسعت المواجهة.
ولهذا فإن الضغط على هذه القوى لا يعني بالضرورة سقوطها؛ فكلما ارتفع مستوى الضغط، ارتفع معه احتمال استخدام أدوات الرد التي تمتلكها.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة الإيرانية: القدرة على توزيع الصراع على أكثر من ساحة، بدلاً من خوض مواجهة مباشرة واحدة.

خامساً: العراق.. الحلقة الأصعب

العراق يبقى الحلقة الأكثر تعقيداً، لأن الفصائل ليست مجرد مجموعات مسلحة خارج الدولة، بل تمتلك امتدادات سياسية وأمنية واجتماعية وحضوراً داخل مؤسسات الدولة.
ولهذا فإن معركة السلاح هي في جوهرها معركة على قرار الحرب والسلم ومن يملك القوة داخل العراق.
إذا تزامن الضغط السوري على الحدود مع الضغط العراقي لحصر السلاح، فقد تجد الفصائل نفسها أمام بيئة إقليمية وداخلية أكثر ضيقاً من السابق.
لكن في المقابل، فإن أي محاولة لدفعها إلى الزاوية قد تحمل نتائج عكسية، خصوصاً إذا اعتبرت أن المعركة تستهدف وجودها وليس فقط تنظيم السلاح.
وعندها قد يصبح العراق نفسه ساحة الصراع الرئيسية.

سادساً: الخليج وكردستان

السعودية تريد عراقاً مستقراً لا يتحول إلى منصة لتهديد الخليج، ولذلك يتقاطع الضغط الخليجي مع المسار الأمريكي في ملف ضبط السلاح ومنع استخدام الأراضي العراقية ضد دول الجوار.
أما إقليم كردستان، فيحاول الابتعاد عن هذه المواجهة والحفاظ على مكتسباته، لأنه يدرك أن الدخول في صراع مباشر مع إيران أو الفصائل العراقية قد يفتح جبهة جديدة ويجعل الإقليم ساحة للصراع.
ولهذا يبدو أن أربيل ستفضل الحفاظ على علاقاتها مع واشنطن وتركيا، من دون أن تتحول إلى رأس حربة في مواجهة إقليمية أكبر منها.

سابعاً: لعبة توم برّاك

عند جمع هذه الخيوط، تصبح الصورة أكثر وضوحاً.
تركيا تدعم بناء القوة السورية.
دمشق يمكن أن تتحول إلى عنصر ضغط على حزب الله وعلى طرق الإمداد المرتبطة بالعراق.
بغداد تواجه ضغطاً متزايداً لحصر السلاح بيد الدولة.
إسرائيل تمارس ضغطها العسكري.
والسعودية تضغط باتجاه منع تحول العراق إلى مصدر تهديد لأمن الخليج.
وفي المقابل، تقف إيران وحلفاؤها أمام هذه المعادلة بقدرات حقيقية، تجعل المواجهة المباشرة عالية الكلفة على جميع الأطراف.
ولهذا لا تبدو الاستراتيجية الأمريكية قائمة على الذهاب إلى حرب شاملة، وإنما على الضغط المتدرج والمتزامن، مع إبقاء التدخل الأمريكي المباشر في حدوده الدنيا.

الخلاصة

جوهر استراتيجية توم برّاك يقوم على تقليل التدخل الأمريكي المباشر، مقابل زيادة الضغط الذي يمارسه الشركاء الإقليميون على النفوذ الإيراني.

تركيا تضغط عبر سوريا، وإسرائيل عبر القوة العسكرية، والسعودية عبر الضغط السياسي والأمني، بينما تضغط بغداد من الداخل عبر مشروع حصر السلاح بيد الدولة.
وبذلك تحاول واشنطن أن تدير المعركة من الخلف: أقل حضور أمريكي مباشر، وأكثر ضغط إقليمي متزامن على النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان والعراق.
وهذه هي معادلة برّاك: أمريكا لا تخوض كل المعارك بنفسها، بل تجعل حلفاءها وشركاءها الإقليميين يتحملون الجزء الأكبر من الضغط، بينما تبقى واشنطن في موقع الإدارة والتنسيق ورسم الاتجاه العام.