بناء الوعي.. وعلاقته بالذاكرة والهوية
د.حسام شعيب
مفكر سوري وباحث استراتيجي
إن الحديث عن الذاكرة وبنائها وتكوينها موضوع اهتمام واسع بين عديد من التخصصات ، بدءاً من علوم النفس المعنية بالذاكرة كمكون بيولوجي حيوي ، يؤسس حياة الفرد ، ومروراً بعلم التاريخ الذي يرصد الذاكرة كجملة من الأحداث المتراكمة عبر الزمن وتُشكل فضاءً يحيط بوعي الإنسان ويؤثر فيه ، وانتهاء بعلوم الاجتماع ، والانثروبولوجيا ، وعلوم اللسان التي تتجلى فيه الذاكرة كتجل لمعاني الهوية وعلاقتها بالمكان والزمان في جدلية علاقتها بالنسيان.
يؤكد جويل كاندو أهمية الذاكرة انطلاقاً من ارتباطها بالزمن، هذا الأخير الذي يُعتبر جارفاً للإنسان، وبالتالي فهو يهدد كيان الأفراد والمجتمعات ويسير بهم نحو الزوال. ومن هنا تأتي أهمية الذاكرة في استرجاع الذكريات والأحداث الماضية لوضعها في خدمة عملية التكيف مع البيئة المحيطة.
كما يؤكد كاندو الترابط العضوي بين الذاكرة والهوية ، هذه الأخيرة ُ التي يُعرّفها إيزاك تشيفا بأنها القدرة التي يمتلكها كل واحد منّا للبقاء واعياً باستمراريته في الحياة.
فهذا الترابط العضوي بين الذاكرة والهوية ، يُشكل موضوع أعمال متعددة في العلوم الإنسانية والاجتماعية والسياسية التي أكدت الروابط التشاركية والتعايشية بين الذاكرة والهوية على أساس أن الذاكرة هي القاعدة الأولية التي تغذي الهوية ، سواء على المستوى الفردي أو على المستوى الجماعي.
فتشغيل الذاكرة هو إنعاش وبناء لهوية الذات بغية منع النسيان.. وإذا كانت الذاكرة هي القاعدة الأولية للهوية فإن هذه الأخيرة بدورها تحدد نشاط الذاكره والاختبارات التذكرية وهذه هي حالة بناء الهوية اليهودية التي تعمل على كل ما يشكل هذه الذاكرة من خلال عدة طرائق كإحياء اللغة ، خلق تخصصات في التعليم مرتبطة باللغة العبرية ، نشر الكتب والمجلات ، استحضار ما يسمى با 《المظلومية》التاريخية 《الهولوكوست》وما فعلته النازية باليهود ، كذلك الأمر في استحضار بيئات تاريخية يهودية لرسم الملامح السياسية للهوية اليهودية..
في حين أن العرب يمتلكون القاعدة الأولية للهوية، فلديهم وجود عميق في المكان وحضور غزير في الزمان ، وتأثير جلي في وجهة التاريخ ، ولطالما كانوا حريصون على الوفاء للتراث والتقاليد…
إلا أن كل ذلك لم يُسهم في القدرة على الديمومة والقدرة على التذكر واعتباره كائن متعدد الأبعاد .
ولكن إذا كانت الأشياء تعاصر نفسها في كل لحظة والأيام تمضي دون رجعة والحاضر هو قطعة من الديمومة تتضمن ما قام به في الماضي القريب وما أراد فعله في المستقبل المباشر فإن العرب _ رغم كل ما أصاب الذاكرة من تلاعب والهوية من تعدد وتنوع _ مثابرين مستمرين إلى يوم البعث ومهتمين بإسقاط المستقبل على الحاضر ومواجهة الحاضر بالماضي..
إن أمن المجتمع ثقافياً مرهون بقدرة النسيان نفسه على التأسيس للذاكرة ، واستدامتها ، وتخليد بقائها واستمرارها . ولعل أبلغ الأمثلة في هذا الصدد هو الذي يذكره ابن خلدون ، وفيه يبين أن الحائك في أثناء حياكته لا يحتاج إلى أن يتابع حركات يده ، انه يقوم بهذا الفعل، ويقوم بمهارة يحسد عليها بأمور أخرى ، فهو يحدثك ، وينظر إليك ، ويناديك ويحكي لك…
الواقع أننا نشاهد هذا المشهد يومياً لحرفيين يؤدون أعمالهم وهم يمارسون بمهارة أشياء أخرى في الوقت نفسه ، بينما الشيء الأصلي الذي يقومون به يعوم في بحر النسيان وكأنه غير قائم في الوعي المباشر للقائمين به .
هذا يُذكرنا بالمشهد الذي رآه جاك ديريدا عند سفره إلى إحدى بلدان المغرب العربي ، عندما كان يحملق مندهشاً في صانع الخزف الذي يتحرك بسرعة هائلة ويشغل عدة ملكات في آن واحد معاً ، في صورة أشبه بألة قادرة على فعل عدة أشياء في آن واحد .
في ضوء ما سبق نُدرك جيداً أهمية هذا العمل الانثروبولوجي الخالص الذي يتناول أحد المواضيع الملغزة وهي الذاكرة والهوية كعنصرين ضرورين لإثبات الوجود الفعلي للإنسان والتميز عن الآخر ، وترسيخهما واجب ومشروع قصد مواجهة الضياع وبخاصة أننا في زمن العولمة وصراع الثقافات والحضارات..
مما لا شك فيه أن التراث هو تعبير طبيعي لعمل الذاكرة ، وهذه الأخيرة تعددها يضمن اتساع حقل التراث ، كما أن تشكيلها هو في حدّ ذاته تشكيل للهوية وإرساء لها.
إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ننكر أهمية التراث في بناء الهوية ، إذ يعمل الموروث هنا كألة أيديولوجية بالنسبة للذاكرة. والتراث هنا مبدئياً هو نتاج فترة زمنية معينة ، وفي سياق الحديث عن الموروث ، يميز جويل كاندو بين نوعين من التراث: الأول قديم وهو مرتبط بالإرث ، والذي يشكل مرجعية هدفها هو الحفاظ على مشروعية العائلة ، أما النوع الثاني فيتأسس على منظور حديث للتراث سماته الأساسية هو التنوع والشمولية والانتقائية والارتباط بكل ما هو وطني وقومي .
إن الحرص على جمع التراث يبقى مطلباً ضرورياً لثبيت الهوية.
إن هاجس تراجع الذاكرات والهويات والهويات جاء كنتيجة لما يصطلح عليه بالحداثة ، ذلك أن بُنى الذاكرة لدى المجتمعات المعاصرة أصبحت متعددة وأكثر ضبابية وتعقيداً ، والحالة هذه تؤدي بشكل أو بآخر إلى فقدان كثافة الذاكرة ، أو نهاية الذاكرات الاحتكارية الكبرى المنظمة لصالح الذاكرات المشوشة .
مهما يكن من أمر ، فإن عملية الخوض في تفاصيل وملابسات وموضوع كمثل هذه المواضيع الملغزة يستدعي في واقع الأمر مهاداً من الاحتراسات المنهجية التي من شأنها أن تصلح كمؤشرات قرائية قد تساعد على ضبط مختلف التشعبات التي تحيط بالمفهومين معاً ، أي الذاكرة والهوية .
ولعل أول احتراس منهجي يمكن أن نبادر إلى تسجيله هو أن مفهوم الذاكرة مفهومٌ غير بريء ، فهو مشكل يجب استعماله بحذر ، وبخاصة عندما يتعلق الأمر هنا في المبالغة في ربطه بالهوية .
أما الاحتراس الثاني فينبني أساساً على أن المفهومين معاً قد يصلحا كأداة للتحليل السياسي والتاريخي والثقافي عموماً .