IMG_5220

تعتبر بيئة جنوب العراق، التي تضم السهول الرسوبية والأهوار والبوادي الممتدة، واحدة من أقدم النظم البيئية التي احتضنت تنوعاً إحيائياً فريداً. تاريخياً، استوطنت هذه المناطق حيوانات مفترسة وعاشبة بأعداد هائلة، وشكلت جزءاً من الهوية الثقافية والتاريخية لبلاد الرافدين. لكن التدخل البشري والتغيرات البيئية أديا إلى إبادة جماعية لهذه الأنواع.

الأسد الآسيوي (أسد بابل)
كان الأسد الآسيوي
يمثل قمة الهرم الغذائي في بلاد الرافدين. وقد ارتبط رمزياً بحضارات العراق القديمة، حيث ظهر في أكثر من 120 منحوتة بابلية وآشورية، وذُكر صراحة في تشريعات قانون حمورابي.

استوطن ضفاف نهري دجلة والفرات، وغابات الأنهار الكثيفة، وحواف الأهوار في جنوب العراق.

تقدر أعداده في العصور القديمة بالآلاف، حيث كانت تتوافر الفرائس الطبيعية بكثرة، لكن الأعداد بدأت بالانهيار السريع بحلول منتصف القرن التاسع عشر لتقتصر على بضع عشرات.

تُجمع السجلات العلمية والتاريخية على أن آخر ظهور موثق للأسد الآسيوي في براري دجلة السفلى وجنوب العراق كان في عام 1918. وتذكر بعض المصادر المحلية أن آخر أسد قُتل في العراق كان في عام 1936، لينقرض بعدها تماماً من البلاد (الجمهرة المتبقية منه عالمياً توجد اليوم فقط في غابة غير بالهند).

تعرضت الأسود لحملات صيد مكثفة وممنهجة من قبل القبائل المحلية، وكذلك من قبل الضباط العثمانيين والبريطانيين إبان فترة الانتداب.

قطع الأشجار وتدمير الغابات النهرية التي كانت تشكل الغطاء الطبيعي والمخبأ الاستراتيجي للأسود.

التراجع الحاد في أعداد الفرائس الطبيعية كالغزلان والخنازير البرية.

شهدت بوادي وصحاري جنوب العراق تواجد مفترسات سريعة ورشيقة، أبرزها الفهد الآسيوي، بينما كان النمر الفارسي يفضل المناطق الجبلية شمالاً مع تواجد تاريخي محدود في بعض الأحراش الكثيفة.

تركز تواجد الفهد الآسيوي في البوادي الممتدة غرب وجنوب البصرة، وصولاً إلى بادية السماوة (المثنى).

تشير تقارير الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) إلى أن آخر حادثة موثقة لظهور الفهد الآسيوي في العراق كانت في عام 1926، حيث قُتل فهد بعد اصطدامه بسيارة في الصحراء الغربية للبصرة. وهناك تسجيلات غير مؤكدة تماماً لظهوره حتى عام 1949، ليُعتبر بعدها منقرضاً محلياً.

تم اصطياد الفهود بكثرة للحصول على فرائها ولأغراض التباهي.
انقراض الفهد ارتبط بشكل مباشر وصارم بانخفاض أعداد الغزلان (فريسته الأساسية).
التمدن وتعبيد الطرق: اختراق الصحاري بالسيارات والطرق المعبدة دمر عزلته الطبيعية.

غزال الريم (الغزال الدرقي)
غزال الريم هو من أشهر الحيوانات العاشبة التي ارتبطت بالصحراء العراقية وحواف الأهوار.

كانت قطعان غزلان الريم تجوب صحاري جنوب العراق ومحيط هور الدلمج بأعداد تصل إلى مئات الآلاف.
لم ينقرض الغزال بالكامل بعد، ولكنه يُصنف عالمياً كنوع “مهدد بالانقراض”. في براري هور الدلمج، سُجلت آخر رؤية لقطعان برية في أواخر التسعينيات.

تعيش الأعداد القليلة المتبقية اليوم في محميات مسيجة تواجه ظروفاً قاسية. ففي أبريل من عام 2022، أعلنت إدارة “محمية ساوة” في المثنى عن هلاك نصف القطيع تقريباً، حيث انخفضت أعداد الغزلان من 148 رأساً إلى 87 رأساً خلال شهر واحد فقط.

استخدام السيارات ذات الدفع الرباعي والأسلحة الأوتوماتيكية للصيد الجائر ليلاً.

ارتفاع درجات الحرارة (التي تتجاوز 50 درجة مئوية صيفاً) وانعدام الأمطار أدى إلى تصحر مساحات شاسعة واختفاء الغطاء النباتي.
توقف الإمدادات الغذائية والأعلاف للمحميات الطبيعية بسبب غياب التخصيصات المالية أدى إلى نفوق أعداد كبيرة جوعاً.

الأسباب الجذرية للانهيار البيئي في جنوب العراق
انقراض هذه الأنواع لم يحدث في فراغ، بل كان نتيجة لسلسلة من الكوارث البيئية التي عصفت بالمنطقة:

تجفيف الأهوار (كارثة التسعينيات): أدت عمليات التجفيف الممنهجة إلى تدمير 97% من مساحة الأهوار المركزية، مما حطم نظاماً بيئياً استمر لأكثر من 5000 سنة. اختفت بسببها 134 نوعاً من الطيور والحيوانات النادرة، وتغير المناخ المحلي ليصبح أكثر قسوة وحرارة.

بناء السدود في دول المنبع وانخفاض مناسيب دجلة والفرات حول مساحات زراعية وبرية واسعة إلى أراضٍ ملحية قاحلة لا تدعم الحياة الفطرية.

منذ فجر التاريخ وحتى اليوم، أدى التوسع البشري غير المدروس إلى تضييق الخناق على المراعي الطبيعية، مما جعل الحيوانات البرية في مواجهة مباشرة ومميتة مع الإنسان.

#أسعد_صباح_البديري