
د. فاضل حسن شريف
تتجمع المفاهيم الثلاثة العفو والمعروف والاحسان بوضوح في آية أحكام القصاص في سورة البقرة (الآية 178)، وهي قوله تعالى: “فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ” (البقرة 178). العلاقة والتنظيم الأخلاقي في الآية: ترسم الآية منظومة متكاملة لضبط الحقوق والمعاملة الإنسانية عند حدوث الجناية والعفو عنها، وتظهر العلاقة بين الألفاظ كالتالي: العفو (التنازل والصفح): هو نقطة البداية، ويقصد به تنازل ولي المقتول عن حق القصاص والاكتفاء بأخذ الدية. اتباع بالمعروف (حق الطالب): هو توجيه لولي الدم العافي بأن يطلب حقه (الدية) بطريقة كريمة ومعتادة دون تعسف، أو منّ، أو إرهاق للقاتل. أداء بإحسان (حق المطلوب): هو توجيه للقاتل أو من عليه الدية بأن يسدد الحق المالي بتمام ويسر من غير مماطلة، أو نقص، أو إيذاء.
عن تفسير الميسر: قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ” ﴿البقرة 178﴾ يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه فرض الله عليكم أن تقتصوا من القاتل عمدا بقتله، بشرط المساواة والمماثلة: يُقتل الحر بمثله، والعبد بمثله، والأنثى بمثلها. فمن سامحه ولي المقتول بالعفو عن الاقتصاص منه والاكتفاء بأخذ الدية -وهي قدر مالي محدد يدفعه الجاني مقابل العفو عنه- فليلتزم الطرفان بحسن الخلق، فيطالب الولي بالدية من غير عنف، ويدفع القاتل إليه حقه بإحسان، مِن غير تأخير ولا نقص. ذلك العفو مع أخذ الدية تخفيف من ربكم ورحمة بكم؛ لما فيه من التسهيل والانتفاع. فمَن قتل القاتل بعد العفو عنه وأَخْذِ الدية فله عذاب أليم بقتله قصاصًا في الدنيا، أو بالنار في الآخرة. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ” (البقرة 178) “يا أيها الذين منوا كُتب” فرض “عليكم القصاص” المماثلة “في القتلى” وصفا وفعلا “الحر” ولا يقتل بالعبد “والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى” وبيَّنت السنة أن الذكر يقتل بها وأنه تعتبر المماثلة في الدين فلا يقتل مسلم ولو عبدا بكافر ولو حرا “فمن عفي له” من القاتلين “من” دم “أخيه” المقتول “شيء” بأن ترك القصاص منه، وتنكيرُ شيء يفيد سقوط القصاص بالعفو عن بعضه ومن بعض الورثة وفي ذكر أخيه تعطُّف داع إلى العفو وإيذان بأن القتل لا يقطع أخوة الإيمان ومن مبتدأ شرطية أو موصولة والخبر “فاتِّباع” أي فعل العافي إتباع للقاتل “بالمعروف” بأن يطالبه بالدية بلا عنف، وترتيب الإتباع على العفو يفيد أن الواجب أحدهما وهو أحد قولي الشافعي والثاني الواجب القصاص والدية بدل عنه فلو عفا ولم يسمها فلا شيء ورجح “و” على القاتل “أداء” الدية “إليه” أي العافي وهو الوارث “بإحسان” بلا مطل ولا بخس “ذلك” الحكم المذكور من جواز القصاص والعفو عنه على الدية “تخفيف” تسهيل “من ربكم” عليكم “ورحمة” بكم حيث وسَّع في ذلك ولم يحتم واحدا منهما كما حتم على اليهود القصاص وعلى النصارى الدية “فمن اعتدى” ظلم القاتل بأن قتله “بعد ذلك” أي العفو “فله عذاب أليم” مؤلم في الآخرة بالنار أو في الدنيا بالقتل.
عن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ” ﴿البقرة 178﴾ قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر” ﴿البقرة 178﴾، في توجيه الخطاب إلى المؤمنين خاصة إشارة إلى كون الحكم خاصا بالمسلمين، وأما غيرهم من أهل الذمة وغيرهم فالآية ساكتة عن ذلك. ونسبة هذه الآية إلى قوله تعالى: “أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ” (المائدة 45)، نسبة التفسير، فلا وجه لما ربما يقال، إن هذه الآية ناسخة لتلك الآية فلا يقتل حر بعبد ولا رجل بمرأة. وبالجملة القصاص مصدر قاص يقاص من قص أثره إذا تبعه ومنه القصاص لمن يحدث بالآثار والحكايات كأنه يتبع آثار الماضين فتسمية القصاص بالقصاص لما فيه من متابعة الجاني في جنايته فيوقع عليه مثل ما أوقعه على غيره. قوله تعالى: “فمن عفي له من أخيه شيء” ﴿البقرة 178﴾، المراد بالموصول القاتل، والعفو للقاتل إنما يكون في حق القصاص فالمراد بالشيء هو الحق، وفي تنكيره تعميم للحكم أي أي حق كان سواء كان تمام الحق أو بعضه كما إذا تعدد أولياء الدم فعفى بعضهم حقه للقاتل فلا قصاص حينئذ بل الدية، وفي التعبير عن ولي الدم بالأخ إثارة لحس المحبة والرأفة وتلويح إلى أن العفو أحب. قوله تعالى: “فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان” ﴿البقرة 178﴾، مبتدأ خبره محذوف أي فعليه أن يتبع القاتل في مطالبة الدية بمصاحبة المعروف، من الاتباع وعلى القاتل أن يؤدي الدية إلى أخيه ولي الدم بالإحسان من غير مماطلة فيها إيذاؤه. قوله تعالى: “ذلك تخفيف من ربكم ورحمة” ﴿البقرة 178﴾، أي الحكم بانتقال القصاص إلى الدية تخفيف من ربكم فلا يتغير فليس لولي الدم أن يقتص بعد العفو فيكون اعتداء فمن اعتدى فاقتص بعد العفو فله عذاب أليم. قوله تعالى: “ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون” ﴿البقرة 179﴾، إشارة إلى حكمة التشريع، ودفع ما ربما يتوهم من تشريع العفو والدية وبيان المزية والمصلحة التي في العفو وهو نشر الرحمة وإيثار الرأفة أن العفو أقرب إلى مصلحة الناس، وحاصله أن العفو ولوكان فيه ما فيه من التخفيف والرحمة، لكن المصلحة العامة قائمة بالقصاص فإن الحياة لا يضمنها إلا القصاص دون العفو والدية ولا كل شيء مما عداهما، يحكم بذلك الإنسان إذا كان ذا لب وقوله لعلكم تتقون، أي القتل وهو بمنزلة التعليل لتشريع القصاص.
وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ” ﴿البقرة 178﴾ “فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ” ﴿البقرة 178﴾، الضميران في له وأخيه يعودان إلى القاتل، أما لفظة شيء فإنها تدل على ان ولي الدم إذا عفا عن شيء يتعلق بالقاتل، كالعفو عن قتله، والرضا بأخذ الدية فينبغي ان يقابل القاتل هذا العفو بالمعروف، وقيل: ان لفظة شيء تشعر بأن الورثة إذا تعددوا، وعفا واحد منهم عن القاتل سقط القصاص، حتى ولو أصر بقية ورثة المقتول على القتل، ومهما يكن، فان اللَّه سبحانه جعل لولي الدم حق القصاص من قاتل العمد، وليس له أن يلزم القاتل بالدية إذا قدم نفسه للقتل، ولا للقاتل أن يلزم ولي المقتول بأخذ الدية إذا أصر على القتل قصاصا،، ولهما معا أن يتفقا ويصطلحا على مبلغ من المال بمقدار الدية، أو أقل، أو أكثر عوضا عن القصاص، فإذا تم مثل هذا الاتفاق أصبح لازما، ولا يجوز العدول عنه، وعلى ولي المقتول أن يطالب القاتل ببدل الصلح بالمعروف، فلا يشدد ويضيق في الطلب، أو يطلب أكثر من حقه، وعلى القاتل أن يؤدي المال بإحسان، وبلا مطل وبخس وأذى، “ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ ورَحْمَةٌ” ﴿البقرة 178﴾، أي ان الحكمة من تشريع الدية بدلا عن القصاص هي التخفيف عنكم، والرحمة بكم، “فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ” ﴿البقرة 178﴾، كان بعض أهل الجاهلية إذا عفوا وأخذوا الدية، ثم ظفروا بعد ذلك بالقاتل قتلوه، وجمعوا بين القتل وأخذ الدية، فنهى اللَّه عن هذا الاعتداء، وتوعد فاعله بالعذاب الأليم، وقال جماعة من المفسرين: يتحتم على الحاكم أن يقتل من قتل القاتل بعد العفو عنه، حتى ولو بذل الدية، ورضي بها ولي المقتول،، وهذا القول مجرد استحسان لا تدل الآية عليه من قريب ولا بعيد،