
غزوان محمد
كن إنسانًا أولًا… ثم كن ما تشاء
الطائفية نقيض الإنسانية، والإنسان مرآة أخلاقه
ليس الإنسان بما يحمله من اسمٍ أو انتماءٍ أو قوميةٍ أو طائفةٍ أو مذهب، وإنما بما يحمله في داخله من أخلاق. فقبل أن تكون سنّيًا أو شيعيًا، عربيًا أو كرديًا، مسلمًا أو مسيحيًا، وقبل أن تنتمي إلى أي جماعة أو هوية، كن إنسانًا؛ لأن الإنسانية هي المساحة الأولى التي يلتقي فيها البشر، والأخلاق هي اللغة التي يفهمها الجميع.
كن إنسانًا، ثم كن بعدها أي شيء؛ ولا تجعل إنسانيتك تظهر في الحلقة الأخيرة، كالتوبة على فراش الموت.
فالطائفية، حين تتحول من انتماء ديني أو مذهبي إلى عصبية وإقصاء وكراهية، تصبح نقيضًا للإنسانية؛ لأنها لا تكتفي بالاختلاف، بل تسعى إلى تحويل الاختلاف إلى جدار يفصل الإنسان عن أخيه الإنسان، وتستبدل الاحترام بالتعصب، والحوار بالخصومة، والتعارف بالتخندق، والرحمة بالكراهية.
لقد عرف الإنسان، في بدايات وجوده، العالم من حوله بمنطق القوة والبقاء. كان محاطًا بالحيوانات والطيور والظواهر الطبيعية والمجهول، وكان يبحث عن الطعام والمأوى والأمان، ويواجه الخطر بالغريزة والقوة. فسكن الكهوف، وصاد ليأكل، ودافع عن نفسه، واستعمل النار والحجر، ولم تكن مفاهيم الدولة والقانون والأخلاق بصورتها الحضارية قد اكتملت بعد.
لكن الإنسان لم يبقَ أسير الغريزة.
فمع تطور العقل، وتراكم التجربة، واشتداد الحاجة، بدأ يبتكر ويخترع ويتعاون. ومن التعاون ولدت الجماعة، ومن الجماعة نشأت القواعد، ومن القواعد تشكلت القيم، ومن القيم تطورت المجتمعات، ثم ظهرت الحضارات.
وهكذا انتقل الإنسان، تدريجيًا، من منطق البقاء بالقوة إلى منطق البقاء بالتعاون، ومن الخوف إلى الأمان، ومن الصراع إلى التنظيم، ومن الغريزة إلى العقل، ومن العيش الفردي إلى بناء المجتمع.
ولم يكن هذا التحول مجرد تقدم مادي؛ بل كان تحولًا أخلاقيًا أيضًا. فقد عرف الإنسان الرحمة، والتكافل، وإغاثة الضعيف، ورعاية الصغير، واحترام الكبير، والوفاء بالعهد، والتعاون مع الآخرين. وربما تعلم بعض مظاهر هذه القيم من مراقبته للكائنات الحية من حوله؛ فالحياة نفسها كانت مدرسة مفتوحة أمامه.
وقد كرّم الله الإنسان بالعقل والإدراك والتمييز، وجعله قادرًا على التعلم والمعرفة والإبداع. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾.
وهذا التكريم ليس تفوقًا قائمًا على لون أو قومية أو طائفة، وإنما هو تكريم للإنسان من حيث هو إنسان، ولما أودعه الله فيه من عقل وإرادة وقدرة على المعرفة والاختيار وتحمل المسؤولية.
ومن هنا فإن الحضارة الحقيقية ليست في ارتفاع الأبراج وحدها، ولا في وفرة المال والثروات، ولا في امتلاك التكنولوجيا، وإنما في مقدار ما ينجح الإنسان في تحويل هذه الإمكانات إلى حياة كريمة، وعدالة، وأمن، وتعليم، وصحة، وبيئة سليمة، واحترام للإنسان وحقوقه.
لقد قطعت دول كثيرة أشواطًا بعيدة في بناء مؤسساتها، وتطوير اقتصادها، والاستثمار في الإنسان، والبحث العلمي، والتكنولوجيا، والتعليم، والصحة، وحماية البيئة، حتى أصبح مستوى الحياة فيها ثمرةً طبيعيةً لمنظومة متكاملة من المعرفة والقانون والإدارة والعمل.
أما العراق، فعلى الرغم من امتلاكه ثروات هائلة وموارد طبيعية وموقعًا جغرافيًا مهمًا وثروة بشرية واسعة، فإنه ما زال يعاني أزمات عميقة في السياسة والاقتصاد والإدارة والخدمات والثقافة الاجتماعية.
وهنا تكمن المفارقة العراقية الكبرى: بلدٌ يكاد يكون تاريخه أعظم من حاضره بمسافات شاسعة.
فالعراق ليس بلدًا عاديًا في سجل التاريخ. فمن أرض الرافدين خرجت تجارب حضارية كبرى، وازدهرت فيها حضارات سومر وأكد وبابل وآشور، وتطورت فيها الكتابة والإدارة والقانون والمدن والزراعة والتنظيم الاجتماعي. ولذلك فإن السؤال العراقي لا ينبغي أن يكون: كيف نبدأ؟ وإنما: كيف استطعنا أن نصل إلى هذا الحاضر ونحن أبناء واحدة من أقدم البيئات الحضارية في التاريخ؟
إن جزءًا من الإجابة يكمن في التاريخ السياسي المضطرب الذي عاشه العراق؛ من الغزوات والصراعات والحروب والتدخلات الخارجية إلى الاستبداد والانقلابات والحروب الحديثة، وما رافق ذلك من توظيف للهويات الفرعية في الصراع على السلطة والنفوذ.
لقد تعرض المجتمع العراقي، على امتداد مراحل مختلفة، إلى محاولات متعددة لتفكيك وحدته، سواء عبر استثمار الانقسامات القومية أو الدينية أو المذهبية أو العشائرية أو السياسية. ولا يجوز اختزال كل مشكلات العراق في عامل خارجي وحده؛ فالمسؤولية الداخلية قائمة أيضًا، لأن التدخل الخارجي لا يجد طريقه إلى المجتمع إلا عندما يجد بيئة داخلية قابلة للاختراق.
[26/08/2026 10:52 ص] رعد الدراجي: وهنا تظهر خطورة الطائفية السياسية.
فالطائفية ليست مجرد اختلاف في المعتقد أو الاجتهاد، والاختلاف الديني والمذهبي أمر عرفته المجتمعات البشرية منذ قرون. إنما الخطر يبدأ عندما تتحول الطائفة إلى أداة سياسية، وعندما يصبح الانتماء المذهبي وسيلة للحصول على السلطة أو المال أو الامتياز أو الحماية، وعندما يُختزل المواطن في طائفته بدل أن يُنظر إليه بوصفه مواطنًا كامل الحقوق والواجبات.
وقد تتحول الطائفية، في هذه الحالة، إلى حبل يُلقى حول عنق المجتمع، ثم يُمسك بأطرافه سياسيون وإعلاميون وأصحاب مصالح، فيُشد متى اقتضت الحاجة، ويُرخى متى انتهت الحاجة.
والأخطر من ذلك أن بعض الأصوات النشاز لا تعيش إلا على الانقسام؛ فهي لا تجد جمهورها إلا في الخوف، ولا تجد نفوذها إلا في الكراهية، ولا تجد تجارتها السياسية إلا في استدعاء الماضي المليء بالجراح.
ولا ينبغي أن نستثني أحدًا من النقد لمجرد انتمائه. فكل من يستخدم الدين أو المذهب أو القومية أو العرق لإهانة الآخر، أو التحريض عليه، أو نزع إنسانيته، أو إشعال العداوة بين العراقيين، يتحمل مسؤولية أخلاقية ووطنية عن ذلك، أيًا كان موقعه أو عنوانه.
إن العراق لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات التي تعيد إنتاج الكراهية، بل يحتاج إلى أصوات تعيد إنتاج الإنسان.
ومن هنا تبرز مسؤولية الدولة ومؤسساتها الدستورية والقانونية، وفي مقدمتها القضاء والجهات المختصة بالإعلام والاتصالات والأمن، في مواجهة خطاب التحريض والكراهية والعنف، وفق القانون والدستور، وبمعايير عادلة لا تستهدف مذهبًا أو قومية أو جماعة بعينها، وإنما تستهدف الفعل المحرّض على الكراهية والعنف والفتنة أيًا كان مصدره.
كما ينبغي حماية الرموز الدينية والتاريخية من التوظيف العدائي الذي يستهدف إثارة الفتن، وفي الوقت نفسه الحفاظ على حق النقد والبحث العلمي وحرية التعبير، لأن حماية المجتمع لا تكون بإسكات الاختلاف، وإنما بتنظيمه بالقانون، ومنع تحوله إلى تحريض أو عنف أو اعتداء على الآخرين.
إن العراق أكبر من طوائفه، وأقدم من أحزابه، وأبقى من حكوماته، وأعمق من خلافاته السياسية.
والعراقي الذي عاش بجوار المختلف عنه في الدين والمذهب والقومية واللغة، وتقاسم معه السوق والشارع والمدرسة والعمل والخبز والماء والأفراح والأحزان، يعرف في أعماقه أن الإنسان كان دائمًا أقرب إليه من الخطاب الطائفي الذي يحاول أن يفرق بينهما.
فقد يعيش العراقي مع جاره المختلف عنه عشرات السنين، ويتبادلان الخبز والملح، ويحضر أحدهما أفراح الآخر، ويقف إلى جانبه في مرضه ومحنته، ثم يأتي خطاب سياسي أو إعلامي عابر ليقول له: هذا ليس أخاك، لأنه مختلف عنك.
أي عبث أكبر من هذا؟
إن الإنسانية هي أمُّ كل الهويات؛ لأنك لا تستطيع أن تكون مسلمًا صالحًا، أو مسيحيًا صالحًا، أو يهوديًا صالحًا، أو عربيًا صالحًا، أو كرديًا صالحًا، أو شيعيًا صالحًا، أو سنيًا صالحًا، إذا كنت في الوقت نفسه إنسانًا يظلم الآخرين ويحتقرهم ويكرههم لمجرد اختلافهم.
الدين الذي لا يصنع في الإنسان رحمةً وعدلًا وأمانةً وصدقًا، يحتاج إلى أن يتأمل الإنسان علاقته بالدين قبل أن يطالب الآخرين باتباعه.
وقد جاء الإسلام مؤكدًا لقيمة الإنسان وكرامته، وجعل التقوى والعمل الصالح معيارًا للتفاضل، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
فالتنوع ليس دعوة إلى الصراع، وإنما هو مجال للتعارف.
والرسالات السماوية، في جوهرها الأخلاقي، لم تأتِ لتمنح الإنسان رخصةً لكراهية الإنسان، بل جاءت لتخرجه من الظلم إلى العدل، ومن القسوة إلى الرحمة، ومن الفوضى إلى المسؤولية، ومن عبادة الأهواء إلى عبادة الله.
ومن أجمل ما اشتهر في هذا الباب قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وهو حديث مشهور، وقد ورد بألفاظ وروايات متعددة في كتب الحديث.
فالأخلاق ليست زينةً إضافية للدين، وإنما هي من صميم رسالته؛ فالصدق، والأمانة، والرحمة، والعدل، والعفو، وإغاثة المحتاج، واحترام الإنسان، والوفاء بالعهد، كلها قيم لا تستقيم الحياة الإنسانية من دونها.
والعبادة، في معناها العميق، ليست حاجةً لله سبحانه وتعالى، فهو الغني عن العالمين، وإنما هي طريق لتزكية الإنسان وإصلاحه وتقويم سلوكه. ولهذا فإن العبادة التي لا تنعكس على أخلاق الإنسان وعدله ورحمته ينبغي أن تدفعه إلى مراجعة نفسه وفهمه لغاية العبادة.
فما قيمة أن يرفع الإنسان يديه بالدعاء، ثم يخفضهما ليؤذي بهما إنسانًا آخر؟
[26/08/2026 10:52 ص] رعد الدراجي: وما قيمة أن يكثر من الحديث عن الدين، ثم يتحول لسانه إلى أداة للكراهية؟
وما قيمة أن ينتصر الإنسان لطائفته إذا خسر إنسانيته؟
إن جوهر الحياة أن تحمل الخير لمن حولك، لا أن تكون مصدرًا للخوف والأذى. والإنسان يشبه في أثره الماء: هناك ماء عذب يسقي الحياة، وهناك ماء آسن لا يصلح للشرب.
فكن عذبًا في كلامك، عذبًا في حضورك، عذبًا في اختلافك، عذبًا حتى حين تغضب.
اسقِ من حولك بالمودة والاحترام والتعاون، ولا تجعل قلبك مستنقعًا للحقد والحسد والبغضاء؛ فالرحلة قصيرة، والعمر أسرع مما نتصور، وما يبقى من الإنسان بعد رحيله ليس عدد أتباعه، ولا مقدار ماله، ولا ضجيج خصوماته، وإنما الأثر الذي تركه في قلوب الآخرين.
عش كريمًا، طيبًا، متسامحًا، حكيمًا، وارتفع عن الصغائر، واقتدِ بالصالحين الذين تركوا وراءهم سيرةً طيبة وذكرًا حسنًا. فالإنسان قد يغيب جسده، لكن أخلاقه تبقى حاضرة في ذاكرة من عرفوه.
وفي النهاية، لا تسأل نفسك فقط: إلى أي طائفة أنتمي؟ أو إلى أي قومية أنتمي؟ أو أي حزب أؤيد؟
اسأل السؤال الأصعب:
أي إنسان أنا؟
هل يشعر الآخر بالأمان عندما يقترب مني؟
هل يجد في كلامي رحمة؟
هل يجد في اختلافي معه احترامًا؟
هل يجد في ديني أخلاقًا؟
هل يجد في وطنيتي عدلًا؟
هل يجد في قوتي حمايةً لا ظلمًا؟
إذا كانت الإجابة نعم، فأنت قد فهمت جوهر الإنسانية.
أما إذا جعلت انتماءك سببًا لإهانة الآخرين، وجعلت اختلافك ذريعةً للكراهية، وجعلت الدين جسرًا إلى الخصومة، والوطن ساحةً للانتقام، فأنت لم تنتصر لهويتك، بل أسأت إليها.
كن إنسانًا أولًا، ثم كن بعدها ما تشاء.
فالمذهب لا يرفع الإنسان إذا أساء، والقومية لا تبرر الظلم، والحزب لا يمنح صاحبه الأخلاق، والسلطة لا تصنع الفضيلة.
الإنسان نظيره الخُلُق؛ فإذا سقط خُلُقه، سقطت قيمة كل ما يتباهى به من عناوين.
ولعل أجمل وصية يمكن أن نتركها لأبنائنا، وللعراق كله، هي:
لا تجعلوا إنسانيتكم آخر ما تتذكرونه، ولا تجعلوا أخلاقكم ضيفًا يأتي بعد انتهاء الخصومة.
كونوا بشرًا قبل أن تكونوا طوائف، وكونوا مواطنين قبل أن تكونوا أحزابًا، وكونوا إخوةً في الوطن قبل أن تكونوا خصومًا في السياسة.
فالعراق لا يحتاج إلى مزيد من الطائفيين؛
العراق يحتاج إلى مزيد من الإنسان.
غزوان بن محمد الغازي

