LOGO

د. فاضل حسن شريف

في مقالاته وأبحاثه المتعلقة بالعصمة النبوية والدفاع عن مقام النبوة، يولي الباحث والكاتب الدكتور فاضل حسن شريف اهتماماً خاصاً لمناقشة ودحض الأحاديث التي تنسب السهو أو النسيان إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ولا سيما الأحاديث المروية في بعض الصحاح كحديث “ذو اليدين” وحديث “نسيت آية كذا وكذا”. تتلخص ركائز وطروحات الدكتور فاضل حسن شريف في كتاباته حول نفي السهو عن النبي الأكرم في المحاور الأساسية التالية: 1. الارتكاز على قاعدة العصمة المطلقة: يوضح أن مدرسة أهل البيت عليهم السلام تقوم على مبدأ العصمة المطلقة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في جميع أحواله: قبل النبوة وبعدها، وفي مقام التبليغ وفي أفعاله اليومية والعبادية. يرى أن فتح باب السهو أو النسيان في العبادات أو التصرفات الشخصية يفتح ثغرة في الشك بمسألة التبليغ والتشريع، وهو ما يتنافى مع الغاية الإلهية من إرسال الرسل. 2. العرض على القرآن الكريم (نفي السهو والنسيان قرآنياً) يستند د. فاضل حسن شريف إلى الآيات المحكمة لتأكيد أن الله تعالى تكفل بحفظ نبيه من النسيان: قوله تعالى: “سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى” (الأعلى 6)، حيث يعتبر أن الاستثناء في الآية لا يعني وقوع النسيان فعلاً، بل بيان القدرة الإلهية المطلقة. قوله تعالى: “وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى” (النجم 3-4)، ليدلل على أن كل أفعال النبي وأقواله وحركاته مسددة بالوحي، والسهو ينافي هذا التسديد الإلهي المستمر.

3. نقد مناهج ومسانيد أحاديث السهو (حديث “ذو اليدين” نموذجاً) يتعرض د. فاضل حسن شريف للأحاديث المروية في صحيح البخاري ومسلم والتي تزعم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلمسلم من ركعتين في صلاة رباعية (صلاة العصر أو الظهر) وسأله الصحابي “ذو اليدين”: أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ؟ منهج النقاش عنده: يبيّن أن الرواية اضطربت متوناً وأسانيد، حيث توجد تعارضات في تحديد اسم الصلاة والراوي والمكان. يستشهد بآراء علمائه ومحققي أهل البيت (كالمفيد، والحر العاملي، والمجلسي) الذين ضعفوا هذه الأحاديث واعتبروها منسوجة أو متأثرة بالمحيط السياسي والفهم الذي يريد إثبات السهو للحد من التنزيه المطلق. 4. مناقشة حديث “أسقطت آية كذا”: يناقش الروايات التي تنسب للنبي قوله عند سماع رجل يقرأ القرآن: “رحمه الله لقد أذكرني آية كذا وكذا كنت أسقطتها” (أو نسيتها). يؤكد د. فاضل أن التسلّح بهذه الروايات يضرب مصداقية حفظ القرآن الكريم نفسه، وهو ما يخالف صريح قوله تعالى: “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” (الحجر 9).

5. الجمع والترجيح عند وجود التعارض: يرى الباحث أن الروايات التي قد يُشم منها ثبوت السهو في بعض الكتب والمصادر تُحمل حسب منهج النقد الرواسي على إحدى حالات ثلاث: الصدور لداعي التقية أو موافقة العامة في أزمنة الظلم. إسقاط الشبهة: التأكيد على أن السهو المنسوب للرسول هو مجرد ادعاء من الراوي بسبب سوء فهمه لتصرف نبوي له غاية تشريعية أخرى. الطرح وضرب الحائط: تطبيق قاعدة أهل البيت: “ما خالف كتاب الله فهو زخرف” أو “فاضربوا به عرض الحائط”. خلاصة منهج د. فاضل حسن شريف: إن تنزيه النبي (ص) عن السهو والنسيان عند الدكتور فاضل حسن شريف ليس مجرد ترف فكري، بل هو حجر زاوية عقائدي لحفظ الهيكل التشريعي للإسلام ولضمان الثقة المطلقة بكل ما صدر عن صاحب الرسالة العظمى.

استحضار مباني وآراء علماء الإمامية: يستند الباحث إلى أقوال كبار علماء ومحققي أهل البيت الذين ردوها وتأولوها: الشيخ المفيد (ت 413 هـ): أفرد رسالة خاصة بعنوان “عدم سهو النبي (ص)” وفند فيها حديث ذو اليدين، واعتبر أن القول بساهيه صلى الله عليه وآله وسلم يفتح باب الشك في الشرائع، وأن الروايات الواردة في هذا الباب من أخبار الآحاد التي لا تورث علماً ولا عملاً. الشيخ الطوسي (ت 460 هـ): بيّن في كتبه الفقهية أن الروايات التي ظاهرها السهو إنما وردت على سبيل التقية لموافقة العامة الذين جوزوا السهو على الأنبياء. العلامة الحلي والشيخ الحر العاملي: أكدا أن ما ورد في بعض كُتب الحديث الشيعية (كبعض روايات من لا يحضره الفقيه للصدوق) مردود ومطروح، لأن الأئمة عليهم السلام أرسوا قاعدة: “ما خالف كتاب الله فتعذروه وسقط”. الأثر العقائدي للتسليم بالسهو: يحذر د. فاضل شريف من التبعات الخطيرة لإثبات السهو: تطرق الشك للتبليغ: إذا سها النبي في أفعال الصلاة وعدد ركعاتها وهو بين يدي الله، فما الذي يضمن للمكلف أنه لم يسهُ في أبواب التشريع والوظائف الإلهية الأخرى؟ سقوط القدوة: النبي هو الأسوة المطلقة “لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ” (الأحزاب 21)، والسهو ينافي الاقتداء المطلق بأفعاله.

النتيجة والأطروحة النهائية: يخلص الدكتور فاضل حسن شريف إلى أن أحاديث السهو والنسيان النبوي لا تملك حجية إسنادية ولا متنية، وهي مباينة لجوهر العصمة المطلقة المعتقدة لدى أهل البيت، والواجب الفكري والعقائدي يقتضي طرحها وتنزيّه المقام النبوي السامي عن أدنى تشكيك.