LOGO

د. فاضل حسن شريف

يتناول الدكتور فاضل حسن شريف في دراساته للقرآن الكريم (ومنها ما ينشره في مقالاته ومؤلفاته حول البناء الهندسي والتخطيط العمراني في الآيات) سد ذي القرنين بوصفه نموذجاً هندسياً قرآنياً متكاملاً يجمع بين العلم، والتخطيط، وإدارة الموارد، والهندسة المدنية والمعدنية. أبرز المحاور الهندسية لبناء السد عند الدكتور فاضل حسن شريف: الموقع والدراسة الجيوتقنية (اختيار المكان): يشير الشريف إلى أن كلمة “حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّينِ” تعكس استغلال ذي القرنين للطبيعة الجغرافية. لم يبنِ السد في منطقة مفتوحة من الفراغ، بل اختار مضيقاً أو فجوة بين جبلين متقابلين، وهو ما يُعرف في الهندسة السدية الحديثة باختيار الموقع الأمثل لتوفير المواد والجهد وتقليل التكلفة.

إدارة المشاريع والمشاركة المجتمعية: في قوله تعالى “فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ” (الكهف 95)، يتجلى جانب الإدارة الهندسية؛ حيث طلب ذو القرنين العمالة والموارد البشرية من القوم (“قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا” (الكهف 93)) ودمجهم في العمل، ممكناً إياهم مهارات التشييد بدلاً من الاتكال التام عليه. الهندسة الإنشائية والمواد المركبة (Substructure & Materials): يوضح الشريف دقة اختيار المواد والتتابع التكنولوجي في قوله تعالى: “آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا” (الكهف 96): زُبَر الحديد: استخدام قطع الحديد الضخمة كقواعد وهيكل خرساني/ معدني يصل بين قمتي الجبلين (“الصدفين”). النفخ والتسخين: صهر وتجميع تلك القطع حرارياً لتتداخل وتلتحم. إفراغ القِطْر (النحاس المذاب): صب النحاس المنصهر ليملا الفراغات بين قطع الحديد. وهذا يشكل ما يُعرف حديثاً بالسبائك المزدوجة (Composite Materials)؛ فالحديد يعطي المصلد والصلابة الإنشائية، والنحاس يمنع التآكل والصدأ ويملأ المسام لتأمين عدم النفاذية.

الهندسة الوقائية وتصميم الصمود (Durability): النتيجة الهندسية في قوله تعالى “فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا” (الكهف 97): عدم إمكانية الظهور (التسلق): تم تصميم السد بزاوية ميل أو بنعومة سطح تمنع الارتقاء عليه. عدم إمكانية النقب (الاختراق): صلابة سبيكة الحديد والنحاس جعلت اختراقه بالأدوات التقليدية مستحيلاً، وهو ما يمثل أقصى معايير الأمان الميكانيكي. التصميم البيئي والاستدامة: يؤكد الدكتور فاضل حسن شريف أن هذا السد يُعد مثالاً للهندسة المستدامة التي قاومت عوامل التعرية والزمن لفترات طويلة جداً دون الحاجة لصيانة دورية مستمرة، اعتماداً على الخواص الفيزيائية للحديد والنحاس.

تُعتبر التقنية المستخدمة في تشييد سد ذي القرنين، كما وردت في سورة الكهف، سباقةً بمعايير الهندسة الحديثة؛ حيث جمعت بين مفهوم المواد المركبة (Composite Materials) والحماية المتكاملة ضد عوامل التآكل والتلف الميكانيكي. وجه المقارنة: الهندسة القرآنية (سد ذي القرنين) الهندسة المعدنية الحديثة: هيكل التدعيم الإنشائي: زبَرُ الْحَدِيدِ: كتل وقطع حديدية ضخمة رُصّت بين الجبلين لتشكيل القواطع والقلب الإنشائي. حديد التسليح والهياكل الفولاذية (Steel Rebar/Structural Steel): استخدام شبكات الحديد كمكون أساسي لتحمل قوى الشد والضغط.: مادة الملء والرابط: القِطْر (النحاس المنصهر): صُبّ النحاس المذاب ليمين الفراغات والمسام بين كتل الحديد. الخرسانة المسلحة أو مواد التلحيم (Grouting/Welding): استخدام الخرسانة أو السبائك الحديثة لربط الأجزاء المعدنية ببعضها. الخاصية الكيميائية (مقاومة الصدأ).

سبيكة الحديد والنحاس: غلاف النحاس يحمي الحديد من الأكسدة والرطوبة والصدأ (التعرية البيئية). الجلفنة (Galvanization) والفولاذ المقاوم للصدأ (Stainless Steel): طلاء الحديد بالزنك أو إضافة الكروم والنيكل لردع التآكل.مقاومة الاختراق الميكانيكي”وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا” (الكهف 97): دمج صلابة الحديد مع مرونة النحاس أوجد سبيكة ذات جشاء عالية تمنع الكسر بالثقب.السبائك فائقة الصلابة (High-Strength Alloys): معالجة المعادن حرارياً وزيادة جشاء المادة المقاومة للصدمات والثقب.مقاومة التسلق والاستمارة “فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ” (الكهف 97): انصهار النحاس وتدفقه خلّفا سطحاً أملس شديد الانحدار والنعومة. التصميم المعماري المنحدر والأسطح الملساء (Smooth Geo-surfaces): تقليل معمل الاحتكاك لمنع التسلق أو الجرف.أبرز المفاهيم الهندسية المشتركة: المواد المركبة (Composite Construction): تمنح الخرسانة المسلحة اليوم قوة ضغط عبر الخرسانة وقوة شد عبر الحديد. وبالمثل، وفر حديد سد ذي القرنين الصلابة الهيكلية، بينما وفر النحاس التماسك ومقاومة العوامل البيئية.اللحام الحراري والتسخين (Thermal Joining): عملية “انفُخُوا حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا” (الكهف 96) تشبه تماماً عمليات اللحام والتسخين المسبق (Pre-heating) المستعملة حالياً لدمج المعادن الثقيلة وضمان عدم وجود فجوات هواء داخلية تؤدي إلى إجهاد المادة.