
أبو عبيدة لثمةأخفت الملامح وكشفت هيبة أمة
بقلم الكاتبة عفاف فيصل صالح
لم يكن أبو عبيدة مجرد رجلٍ مَرَّ في تاريخ الأمة، بل كان حقبةً بكاملها؛ حقبةً استعادت فيها الأمة صوتها وعزتها المغتصبة، ووقارها المعفّر بظلم السنين. لم تكن لثمته الحمراء قطعة قماش تُخفي وجهاً بل كانت راية تختزل أمّة، وشعلةً تفقأ عين العتمة في ظلام الليل، وعنواناً لرجالٍ صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
عينا اليقين والإصبع التي تهزّ العروش
أي حكاية هذه التي كتبها ذاك البطل في ذاكرة الزمان؟ عالم بأكمله كان يقف على أطراف أصابعه، يرقب الشاشة، ينتظر طلعة تلك اللثمة التي سكنت القلوب والأفئدة. لم يَروا منه سوى عينين برّاقتين تنطقان بالطمأنينة والإصرار وبكل صمود وصبر وإصبعٍ واحدة إذا ارتفعت، هَوت معها هيبة عروش وظلمات كفر، واهتزت لها فرائص (ترامب) و(نتنياهو) ومن والاهم.
كان يطلّ كالفجر الصادق، يصدع بالحق لا يخشى في الله لومة لائم، يُلجم أعتى عتاة الأرض، ويبخس كل متخاذلٍ آثر السلامة الرخيصة على العزة كانت كلماته تنزل كالصواعق على الأعداء، وكالبلسم الشافي على قلوب المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها.
النداء الأخير(أنتم خصومنا أمام الله)
وفي كلماته الأخيرة الوصية الخالدة والنور الهادي، صرخ في وجه العالم أجمع بالكلمة المفصلية التي هزت الوجدان وتوقفت عندها الأنفاس حين قال(أنتم خصومنا أمام الله!)
يا لها من كلمة تختصر مرارة الخيانة وعظمة الحجة! كلمة لم تكن مجرد عتاب بل كانت إعلان محكمة إلهية تُقام في السماء قبل الأرض. أقام الحجة على كل ساهٍ، وكل ساكت، وكل متآمر، وترك الدنيا بأسرها تتردد في جنباتها هذه المحاكمة الخالدة ليقف التاريخ شاهد على من قاتل وضحّى ومن باع وتخلّى.
الفوز العظيم ورفعة المقامات
واليوم، في ذكرى استشهاده، لا نبكيك يا أبا عبيدة بكاء الضعف، بل نرفع الرؤوس كبرياء وإجلال. لقد أرتقت روحك الطاهرة إلى بارئها، فزت بها واللهِ دنيا وأخرى! فزت يوم أن جاهدت في سبيل الله، ودافعت عن مسرى رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وسلم،وعن أكرم مقدسات هذه الأمة.
فزت يوم أن اصطفاك ربك لتكون في منازل الشهداء والصديقين والنبيين، في مقامٍ رفيع لا يضاهيه مقام، لترتقي وتبقى فكرة لا تموت، وشعلة لا تُمحى، وعهداً حياً في أعناق الأحرار.
عهداً على درب الكرامة
يوم رحيلك ليس يوماً عابراً نمرّ عليه بالأسى، بل هو يوم البعث والنهوض! يومٌ نستحضر فيه خطاباتك العظيمة، وأخلاقك النبيلة، وإنسانيتك الرفيعة التي كانت تجسيداً لقيم الإسلام العظيم في أوقات الملاحم.
عهدٌ من كل حرّ شريف، من كل من أشرقت في قلبه شمس كرامتك أن نمضي على دربك، ألا نلقي السلاح، وألا ننسى القضية التي سُكبت من أجلها دماؤك الزكية، حتى يتحرر الأقصى كاملاً، وتنكشف الغمة، وتُرفع راية الحق فوق مآذن القدس الشريف.
سلام الله عليك يا صاحب الكلمة الصارمة.
سلام الله عليك يا مُلثم الأمة ونورها.
سلام عليك يوم وُلدت، ويوم جاهدت ويوم استشهدت، ويوم تُبعث بين الأولياء والأنبياء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
#كاتبات_وإعلاميات_المسيرة

