سبتمبر 3, 2026
LOGO

صباح البغدادي

في عالمٍ تتسابق فيه الحكومات على صناعة الرواية الرسمية وتقديمها للجمهور بوصفها الحقيقة الوحيدة الممكنة، يصبح التفكير خارج السرديات الجاهزة ضرورة معرفية لا مجرد خيار. فالدولة الحديثة، مهما ادّعت الشفافية والنزاهة والحيادية، تميل بطبيعتها إلى إنتاج قوالب خطابية مُحكمة وموجهة ، تُصاغ بعناية داخل غرف مغلقة ، ثم تُضخّ عبر وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية لتوجيه عقلية الرأي العام نحو ما يجب أن يصدّقه، وما ينبغي أن يتجاهله، وما يُسمح له بمناقشته ؟ هذه السرديات ليست بريئة دائماً، بل قد تكون في كثير من الأحيان أدوات لإخفاء ما هو أعمق، أو لتبسيط ما هو أعقد، أو لطمس ما هو أخطر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمؤسسة العسكرية، أو الأمن القومي، أو السلوك البشري داخل البيئات المغلقة التي لا يصل إليها الضوء الإعلامي بسهولة.
إن قراءة “عكس التيار” لهذه السرديات المعلبة , ليست تمرّداً لغوياً، بل هي محاولة لاستعادة حق الجمهور في المساءلة، وفي طرح الأسئلة التي لا ترغب الحكومات في سماعها، وفي تفكيك الخطاب الرسمي الذي يُقدَّم عادةً بوصفه حقيقة نهائية لا تقبل النقاش. فحين تتحدث المؤسسات العسكرية ووزارة الحرب عن “إصلاحات تقنية وفنية ” أو “استراحة لوجستية للتزود بالإمدادات” أو “توقف روتيني”، فإنها نادراً ما تكشف ما يجري خلف الأبواب المعدنية المغلقة لحاملات الطائرات، أو ما يعانيه الجنود من ضغط نفسي، أو ما يواجهون من كبت عاطفي وجنسي، أو ما يمكن أن يتحول إلى سلوك عدواني أو انفلات انفعالي خلال الإجازات الخارجية ؟ والأخطر من ذلك أن السرديات الرسمية قد تتجاهل عمداً ما يمكن أن يشكّل تهديداً أمنياً أو دبلوماسياً، مثل حالات العنف الجسدي أثناء العلاقات الحميمية التي يرتكبها بعض الجنود المنهكين نفسياً خلال الإجازات، أو الشكاوى التي تُرفع ضدهم في الدول المضيفة، أو الاستغلال الاستخباراتي الذي قد يتعرضون له في بيئات مفتوحة مثل مدينة “باتايا” أو غيرها ، حيث يتداخل التاريخ العسكري مع النشاط الاستخباراتي، وحيث تتحول المدينة إلى مسرح غير معلن لصراع النفوذ بين القوى الكبرى , ولذا فإن هذه القراءة النقدية ليست استهدافاً للمؤسسة العسكرية، بل محاولة لفهم ما لا تقوله البيانات الرسمية، وما لا تلتقطه عدسات الكاميرات، وما لا يعترف به الخطاب الحكومي الرسمي إلا حين يتحول إلى أزمة . فالحقيقة، كما تُظهرها الوقائع التاريخية والنفسية، أكثر تعقيداً من السرديات الجاهزة، وأكثر خطورة من العناوين المطمئنة، وأكثر حاجة إلى تفكيك علمي يضع الإنسان—الجندي، الضابط، الموظف—في مركز التحليل، لا في هامش الرواية الرسمية.
تُعدّ البيئات العسكرية المغلقة، مثل حاملات الطائرات والغواصات والقواعد العسكرية المعزولة في الصحراء وخارج المدن والتجمعات السكانية، فضاءات عالية الضغط النفسي والاجتماعي، حيث يعيش الجنود والضباط والموظفون في إطار روتيني صارم، لساعات عمل طويلة، ضمن مجتمع مغلق، بعيد عن الأسرة والحياة المدنية العامة بكافة تفصيلاتها ومباهجها اليومية . في هذه البيئات، يتداخل الضغط ألعملياتي مع الحرمان العاطفي والجنسي، ليشكّل أرضية خصبة لاضطرابات نفسية وسلوكية قد تتطور إلى عنف داخلي، أو انهيار نفسي، أو حتى خيانة الأمانة والشرف العسكري وتأتي حاملة الطائرات الأمريكية ” USS Abraham Lincoln ” نموذجاً معاصراً لهذه الظاهرة التي سوف نحاول قدر الإمكان التطرق لهذا الموضوع بصورة شبه مفصلة قدر الإمكان والذي قد يعتبره البعض من المحرمات ؟ فبعد بقائها لمدة “286” يوما من الإبحار المتواصل في مناطق التوتر في منطقة الخليج العربي وبحر العرب ، حيث وصلت حاملة الطائرات الأمريكية “أبراهام لينكولن” إلى ميناء باتايا التايلندي. ورغم أن الرواية الرسمية المعلنة من قبل وزارة الحرب والتي تحدثت عن “استراحة تقنية” و“تزود بالإمدادات” و “تصليحات السباكة ” إلا أن جميع المصادر الإعلامية وحتى داخل البحرية الأمريكية ووزارة الحرب لم تشر لا من قريب او بعيد وتتطرق بصورة موسعة وتقارير وتأخذ الأمر على محمل الجد حول تدهور في الصحة النفسية والعقلية وما تزال لغاية هذه اللحظة لم تكشف عن حقيقية التطرق للجانب الخفي الآخر من القصة إلا وهو : وباء الكبت الجنسي الذي ضرب طاقم السفينة، وأثار قلقاً حقيقياً داخل أروقة البنتاغون لان ضغط العمل في بيئة قاسية عسكرية سوف يولد في آخر المطاف انفجار داخلي صامت حيث يعمل أفراد الطاقم، البالغ عددهم نحو خمسة آلاف، في بيئة مغلقة تماماً، وعلى مدار 12 ساعة يومياً وقد تصل إلى 16 ساعة في مهام قتالية وحصار بحري. هذا النمط القاسي من العمل، سوف يخلق حتما حالة مركّبة من : ” توتر عصبي مزمن واختلال الساعة البيولوجية ونوم متقطع و رديء النوعية وقلق مستمر وجودي في بيئة محاطة بالمخاطر الدائمة واكتئاب ناتج عن العزلة وفقدان الحرية ” لكن العامل الأكثر حساسية، والذي نادراً ما يُناقش علناً، هو “الكبت الجنسي” الناتج عن الانقطاع التام عن الحياة الطبيعية، خصوصاً بين الجنود المتزوجين، الذين يعانون من انقطاع طويل عن شركائهم، إضافة إلى الشباب غير المتزوجين الذين يعيشون في بيئة مغلقة بلا أي متنفس اجتماعي وهذه المعادلة يعرفها دون شك الخبراء العسكريون جيداً وان الحرمان الجنسي الطويل داخل بيئات مغلقة، مثل الغواصات وحاملات الطائرات، يؤدي إلى: ” نوبات غضب غير متزنة وخارجة عن السيطرة وسلوك عدواني بين أفراد الطاقم ومشكلات انضباطية وارتفاع احتمالات الشجار أو الاشتباك بالأيدي بالإضافة إلى محاولات الانتحار”هذه المؤشرات الفعلية قد تكون أحد أهم الأسباب التي دفعت قيادات عسكرية عليا إلى دق ناقوس الخطر واخبار وزارة الحرب لسرعة احتواء الأزمة الصحة النفسية والعقلية وقبل الانفجار والذي قد يؤدي بدوره ويتطور الى التمرد بين افراد الطاقم على الاوامر العسكرية او حتى السيطرة على حاملة الطائرات , لان اختيار “تايلاند” بالتحديد دون غيرها من الدوال التي تتواجد فيها قواعد عسكرية امريكية لم يكن صدفة ولا قرار ارتجالي او عشوائي بل انه كان امرا مفروغ منه اتخذ من قبل القيادة العسكرية لحاملة الطائرات وبموافقة ضمنية وتأييد من قبل وزارة الحرب ولطالما لعب الوجود العسكري الأجنبي دورا حاسما في إعادة تشكيل بعض المدن ديموغرافيا وثقافيا، وتحويلها إلى مراكز ترفيه وسياحة لخدمة الجنود فمدينة “باتايا” تحديداً اكتسبت سمعتها منذ حرب فيتنام كوجهة يقصدها الجنود الأمريكيون لـ“تفريغ الضغط النفسي والكبت الجنسي ” بعد فترات انتشار طويلة. قربها من قاعدة “يو تاباو” الجوية، التي كانت مركزاً رئيسياً للقاذفات الأمريكية، جعلها تاريخياً محطة استجمام وراحة معروفة. ورغم أن السلطات التايلندية حذّرت من “السياحة الجنسية” خوفاً من انتشار الأمراض، فإن رسوّ “لينكولن” في هذا الميناء بدا كانه كان قراراً متعمداً مع سبق الاصرار لإعادة تهيئة الطاقم نفسياً قبل عودتهم إلى الوطن، ولمنع انفجار التوترات داخل السفينة أو انتقالها إلى حياتهم العائلية لاحقاً وما حدث مع افراد الطاقم ليس مجرد توقف عرضي لغرض الإصلاح التقني والفني و إعادة التزود بالامدادات والذي كان هو العنوان الرئيسي والتصاريح الرسمي للصحافة والإعلام وما تزال لغاية هذه اللحظة ، بل هو في حقيقة الموضوع الجانب المظلم والمخفي لمثل تلك الأحداث بل هو “استراحة علاجية وعقلية” لطاقم وصل إلى حافة “الانهيار النفسي” و “الكبت الجنسي”، رغم أنه موضوع رئيسي ومباشر ما يزال مسكوت عنه في المؤسسات العسكرية، حيث كان عاملاً مركزياً ومؤثرا في قرار الرسو، إلى جانب الإرهاق البدني والضغط القتالي طول مدة أكثر من ثمانية أشهر متواصلة . هذه الأزمة للصحة النفسية والتي نحن بصدد التطرق لها تعيد فتح ملف قديم حول تأثير العزلة الطويلة على الجنود، وكيف يمكن أن تتحول حاملات الطائرات إلى بيئات مغلقة تولّد توتراً قابلاً للانفجار في أي لحظة.ولذا يُعدّ “الكبت الجنسي” ينظر إليه عاملاً عملياتياً وبوصفه :” محفزاً للعدوانية وعاملاً في تدهور الانضباط وسبباً في انخفاض الأداء العملياتي وخطراً على تماسك الانضباط بالوحدة العسكرية” وبالتالي، فإن تجاهله قد يؤدي إلى: ” اشتباكات داخلية وانهيار معنويات وأخطاء عملياتية وتقنية تسبب بخسائر في الأرواح والمعدات بالإضافة إلى تهديد سلامة حاملة الطائرات نفسها ” ومما لا شك بان أي تهاون في إجراءات وبروتوكولات السلامة والأمان قد تنتج عنها انفجارات في مخازن الذخيرة والعتاد داخل حاملة الطائرات مما تؤدي الى كارثة غير مسيطر عليها ؟ لذا فإن الرسو في حقيقته غير المعلنة لوسائل الإعلام كان بالدرجة الأساس كأداة لإعادة التوازن النفسي والعقلي ويمكن تفسيره ضمن إطار عدد من النقاط المهمة والتي تشمل على سبيل المثال وليس الحصر :” إعادة تهيئة الطاقم نفسياً ومنع انتقال التوتر إلى الحياة العائلية بعد العودة وتجنب انفجار داخلي في بيئة مغلقة وحماية الانضباط العسكري والحفاظ على الجاهزية القتالية “كيف يؤثر الكبت الجنسي، في بيئة عسكرية مغلقة ذات روتين قاتل وضغط نفسي مستمر، على الحالة النفسية والاجتماعية لأفراد الطاقم (جنود، ضباط، موظفين)، وعلى سلوكهم العدواني، وعلى قدرتهم على ضبط الانفعالات الشخصية ، وما هي المخاطر الأمنية المترتبة على إهمال معالجة هذه الظاهرة، بما في ذلك احتمالات تحول بعض الأفراد إلى أهداف سهلة للتجنيد من قبل أجهزة المخابرات المعادية؟حيث تتفرع عن هذه الإشكالية والأسئلة إلى محاور : ما طبيعة الضغوط النفسية والاجتماعية التي يتعرض لها أفراد الطاقم في بيئة مغلقة على متن حاملة طائرات؟كيف يتفاعل الكبت الجنسي مع هذه الضغوط ليخلق حالة من العدوانية وفقدان السيطرة على التصرفات؟ما هي أشكال السلوك العدواني التي يمكن أن تظهر، وكيف يمكن أن تتطور إلى عنف جسدي خطير أو مميت؟ما العلاقة بين هذه الحالة النفسية المضطربة وبين قابلية بعض الأفراد للاستغلال من قبل أجهزة مخابرات معادية؟ما هي الإجراءات الوقائية والعلاجية التي يمكن أن تتخذها القيادات العسكرية لتقليل هذه المخاطر؟وقد تنتج عن ما سبق طرحه أعلاه وضمن السياق فرضيات عديدة يجب الأخذ بها ودراستها بعمق أكثر وتوسيع لأصحاب الشأن والاختصاص ومعاهد البحوث الأمنية والعسكرية ومن هذه الفرضيات :
(*) الفرضية الأولى: الكبت الجنسي في البيئات العسكرية المغلقة ليس مجرد حالة نفسية فردية، بل هو عامل بنيوي يؤثر في ديناميات السلوك الجماعي داخل الوحدة العسكرية، ويزيد من احتمالات السلوك العدواني وفقدان السيطرة على الانفعالات.
(*) الفرضية الثانية: العمل لساعات طويلة في روتين متكرر داخل فضاء مغلق، مع غياب المتنفس النفسي والاجتماعي، يؤدي إلى تراكم توتر عصبي يمكن أن ينفجر في أبسط المواقف، ويتطور إلى مشاجرات بالأيدي واستخدام أدوات جارحة متاحة في بيئة العمل.
(*) الفرضية الثالثة: إهمال معالجة حالات الكبت الجنسي والضغط النفسي الشديد، أو التعامل معها بعقوبات عسكرية صارمة فقط، يخلق أفراداً غير متزنين نفسياً وفكرياً، يمكن أن يصبحوا أهدافاً سهلة للتجنيد من قبل أجهزة مخابرات معادية مقابل إغراءات مادية وجنسية.
(*) الفرضية الرابعة: منح فترات راحة كافية، أو إعادة توزيع الأفراد داخل بيئة العمل، أو نقلهم إلى مهام أقل ضغطاً، يقلل من احتمالات الانفجار العدواني ومن المخاطر الأمنية المرتبطة باستغلال ضعفهم النفسي.
تكشف هذه الدراسة المختصرة أن قرار رسو “أبراهام لينكولن” في تايلاند لم يكن مجرد توقف تقني، بل كان خطوة محسوبة لإعادة توازن طاقم وصل إلى حافة الانهيار النفسي. الكبت الجنسي، رغم أنه موضوع مسكوت عنه في المؤسسات العسكرية، وكان عاملاً مركزياً في الأزمة، كما كان في فيتنام واليابان والقواعد الأمريكية عبر عقود.إن تكرار الظاهرة عبر التاريخ يشير إلى ضرورة إعادة النظر في سياسات الانتشار الطويل، وتوفير برامج دعم نفسي–اجتماعي أكثر فعالية، والاعتراف بأن الجنود ليسوا آلات، بل بشر يتأثرون بالعزلة والضغط والحرمان ولديهم مشاعر وأحاسيس تختلف فيما بينهما المثير للدهشة والاستغراب بأن موضوع “الأمن النفسي والصحة العقلية ” كان ولا يزال أحد أكثر عناصر الأمن القومي إهمالاً في جميع “الأدبيات العسكرية التقليدية ” والدراسات والبحوث الأكاديمية على الرغم من أنه يشكّل “البنية التحتية” التي تُبنى عليها قابلية الفرد للمقاومة أو الانهيار أمام محاولات الاختراق الاستخباراتي والتجنيد من قبل شبكات التجسس . في البيئات العسكرية المغلقة، مثل حاملات الطائرات، تتضاعف أهمية هذا البعد، لأن الضغط النفسي المستمر، والعزلة، والروتين القاتل، والكبت العاطفي، والأوامر العسكرية الصارمة , كلها عوامل تُضعف قدرة الفرد على اتخاذ قرارات متزنة، وتزيد من احتمالات وقوعه في فخ التجنيد والتجسس عبر العلاقات الاجتماعية أو العاطفية وكيف يتحول الضغط النفسي إلى نقطة اختراق استخباراتي، وكيف تستغل أجهزة المخابرات هذا الضعف البشري، خصوصاً في بيئات مثل تايلاند التي تشهد نشاطاً استخباراتيا مكثفاً لأجهزة المخابرات الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران وحتى الدول الصديقة والحليفة للولايات المتحدة الأمريكية وعلى رأسها إسرائيل لان محطتها التجسسية المهمة في العاصمة “بانكوك” وبقية المدن وبالأخص في جنوب المدن وعن طريق واجهة “المنظمات الإسلامية الخيرية” وليس هذا فقط ما يثير الدهشة والاستغراب بالنسبة لنا لان بعد فترات طويلة من الخدمة في البيئات المغلقة والضاغطة مثل حاملات الطائرات، قد يختبرون اضطرابات في ضبط الانفعالات أثناء العلاقات الحميمية خلال الإجازات الخارجية. هذا السلوك لا يرتبط بطبيعة العلاقة نفسها، بل يُعدّ انعكاساً مباشراً لحالة الضغط النفسي المزمن، والكبت العاطفي، والإرهاق والإنهاك العصبي الذي يتراكم خلال أشهر من العمل المتواصل في فضاء مغلق يخلو من المتنفس الاجتماعي الطبيعي. وفي بعض الحالات، قد يتخذ هذا الاضطراب شكل عنف جسدي غير مقصود أثناء العلاقة، وهو سلوك موثّق طبياً في علم النفس العسكري بوصفه أحد أنماط التفريغ الانفعالي غير الصحي، الناتج عن اختلال التوازن النفسي وفقدان القدرة على التنظيم الذاتي للسلوك وهذا النوع من السلوك، عندما يحدث خارج الولايات المتحدة، لا يبقى محصوراً في نطاق العلاقة الشخصية، بل يتحول إلى قضية أمنية ودبلوماسية ذات تبعات خطيرة. إذ يمكن أن يؤدي العنف الجسدي إلى إصابات تستدعي تدخلاً طبياً، وقد تدفع الضحية إلى تقديم شكوى رسمية لدى الشرطة المحلية، الأمر الذي يضع الجندي تحت المساءلة القانونية في دولة مضيفة، ويخلق حالة من التوتر بين السلطات المحلية والقيادة العسكرية الأمريكية. وفي بيئات حساسة مثل تايلاند، حيث يتواجد نشاط استخباراتي مكثف وتغطية إعلامية واسعة لأي حادث يتعلق بالجنود الأمريكيين، يمكن أن تتحول هذه الحوادث الفردية إلى أزمة دبلوماسية، أو مادة إعلامية تستغلها أطراف معادية لتشويه سمعة البحرية الأمريكية أو الضغط على الحكومة المحلية لتقييد وجود القوات الأمريكية. ومن منظور الأمن القومي، فإن هذه الحوادث لا تمثل فقط خطراً على صورة المؤسسة العسكرية، بل قد تفتح الباب أمام استغلال استخباراتي مباشر، إذ يمكن أن تستغل أجهزة مخابرات معادية وضع الجندي القانوني أو النفسي لتقريبه أو ابتزازه أو استدراجه، خصوصاً إذا كان يعمل في مواقع حساسة داخل حاملة الطائرات. لذلك، فإن معالجة هذه الظاهرة لا تُعدّ مسألة أخلاقية أو اجتماعية فحسب، بل هي ضرورة أمنية واستراتيجية لحماية الأفراد والمؤسسة العسكرية والدولة المضيفة على حد سواء.لهذا السبب، يصبح من الواجب المهني والأمني أن تقوم القيادة العسكرية الأمريكية بتهيئة الجنود قبل نزولهم إلى الإجازات الخارجية عبر برامج توعية نفسية متخصصة يقدمها أخصائيون في علم النفس العسكري. يجب أن تتضمن هذه البرامج شرحاً علمياً واضحاً لطبيعة الضغط النفسي الذي يتعرض له الجندي، وكيف يمكن أن يظهر في شكل سلوك عدواني غير مقصود أثناء العلاقات الحميمية، إضافة إلى توضيح العواقب القانونية والدبلوماسية والأمنية التي قد تترتب على أي سلوك غير منضبط. إن هذه التهيئة ليست إجراءً شكلياً، بل هي جزء أساسي من منظومة الأمن النفسي–الاستخباراتي، وتهدف إلى حماية الجندي نفسه من الوقوع في مشكلات قانونية، وحماية سمعة البحرية الأمريكية، ومنع أي استغلال استخباراتي محتمل قد ينشأ نتيجة حادث فردي غير محسوب.إن تناول مثل تلك المواضيع وبصورة أكاديمية ومنهجية لا نعتقد بانه يحمل أي إحراج أو حساسية القارئ والرأي العام ، لأنه موضوع طبي موثّق في علم النفس العسكري، وله تبعات أمنية ودبلوماسية حقيقية، ويُعدّ جزءاً من فهم السلوك البشري تحت الضغط في البيئات العسكرية المغلقة، وهو ما يجعل التطرق إليه وحتى لو لم تتعرف فيه لغاية الآن الجهات الرسمية لأنه يبقى ضرورة علمية لتعزيز شموليتها وواقعيتها.