
د. فاضل حسن شريف
جاء في کتاب الإمام علي عليه السلام سيرة وتأريخ للسيد اسلام الموسوي: في القرآن الكريم: 1 ـ نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: عليٌّ أحد المدعوين في مباهلة وفد نصارى نجران، إذ قال عزَّ من قائل: “فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أبْنَاءَنَا وَأبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأنْفُسَنَا وَأنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِين” (ال عمران 61)، أولئك هم الذين اصطفاهم الله وانتخبهم رسول الله: عليٌّ وفاطمة والحسنان عليهماالسلام، بهم خلَّد التأريخ حدثاً عظيماً يعدُّ من احدى معاجز حضرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. وأجمع المفسِّرون على أنَّ المقصود من (أنفسنا) نفس محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونفس عليٍّ عليه السلام. 2 ـ عليٌّ عليه السلام من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخاصَّته: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليٌّ وفاطمة والحسنان عليهماالسلام هم المدعوون بأصحاب الكساء الخمسة، والمشار إليهم بقوله تعالى: “إنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً” (الاحزاب 33). نزل الروح الأمين بهذه الآية المباركة، حينما جلَّل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً: بكساءٍ حبري، وغشَّاهم به، ثُمَّ أخرج يديه المباركتين فألوى بهما إلى السماء، ثُمَّ قال: (اللَّهمَّ هؤلاء أهل بيتي وخاصَّتي، فأذهب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيرا). 3 ـ القرآن الكريم يأمر بالصلاة على آل بيت النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم: ولمَّا كان الإمام عليٌّ عليه السلام من أهل بيت محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم فله شأن في قوله تعالى: “إنَّ اللهَ وَمَلأئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً” (الاحزاب 56) وممَّا لاريب فيه كانت هذه (الصلاة) من الواجبات في حال التشهد، لما ثبت بالتواتر حينما سألوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: كيف نصلِّي عليك يا رسول الله؟ فقال: (قولوا: اللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ وآل محمدٍ، كما صلَّيت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمدٍ وآل محمدٍ كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم). 4 ـ علي عليه السلام يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله: تخلَّف عليٌّ عليه السلام يوم الهجرة ليبيت في فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويصرف الأعداء عنه، ويؤدِّي الأمانات إلى أهلها، حتى تكتمل رسالة الإسلام المحمَّدية، فنزل فيه قوله تعالى: “وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَاد” (البقرة 207).
عن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله عز وجل “وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ” (البقرة 207) ” ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ”. أي ان بعض المؤمنين يقبلون على الجهاد، ويحبون الموت في سبيل اللَّه، تماما كما يحب غيرهم الحياة. ولا دافع لهم إلا مرضاة اللَّه وثوابه. قال الرازي في تفسير هذه الآية: جاء في سبب نزولها ثلاث روايات: منها انها نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام حين بات على فراش رسول اللَّه صلى الله عليه واله وسلم ليلة الهجرة، وانه لما نام على فراشه قام جبريل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبريل ينادي: بخ بخ من مثلك يا علي، يباهي اللَّه بك الملائكة. قال الشيخ المظفر في الجزء الثاني من كتاب دلائل الصدق: أن الذين نقلوا نزول هذه الآية بعلي هم الرازي والثعلبي، وصاحب ينابيع المودة، وأبو السعادات في فضائل العترة الطاهرة، والغزالي في الأحياء، والحاكم في المستدرك، وأحمد بن حنبل في مسنده هذا ما عدا الروايات الكثيرة الأخرى من طرق الشيعة.
روى الحاكم الحسكاني باسناده عن أبي سعيد الخدري قال: لما أسري بالنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يريد الغار، بات علي بن أبي طالب على فراش رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فأوحى الله إلى جبرئيل وميكائيل: اني قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فكلاهما اختاراها وأحبا الحياة فأوحى الله اليهما: أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين نبيي محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم فبات على فراشه يقيه بنفسه، اهبطا الى الأرض فاحفظاه من عدوّه، فكان جبرئيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه وجبرئيل ينادي بخ بخ من مثلك يا بن أبي طالب؟ الله عزّوجل يباهي بك الملائكة فانزل الله تعالى: “وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ” (البقرة 207). وروى باسناده عن ابن عباس قال: (شرى عليٌ نفسه ولبس ثوب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ثم نام مكانه). وروى بإسناده عن قيس بن الربيع، عن حكيم بن جبير، عن علي بن الحسين قال: أول من شرى نفسه لله عزّوجل علي. ثم قرأ: “وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ” زاد الحاكم: عند مبيته على فراش رسول الله. وقال علي ابن أبي طالب: وقيت بنفسي خير من وطىء الحصى * ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر رسول الهي خاف أن يمكروا به * فنجاه ذو الطول الاله من المكر وبات رسول الله في الغار آمناً * موقى وفي حفظ الإله وفي ستر وبت اراعيهم وما يثبتونني * وقد وطنت نفسي على القتل والأسر. وروى باسناده عن حكيم عن علي بن الحسين في قوله: “وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ” (البقرة 207) قال: نزلت في علي بن أبي طالب، لما توجه رسول الله إلى الغار وأنام علياً على فراشه. قال السيد شهاب الدين أحمد: (فقد جزم عزمه على أن يفدي نفسه ويبذل مهجته دون رسول الله صلّى الله عليه وآله وبارك وسلّم). وروى ابن عساكر باسناده عن أبي رافع: (ان علياً كان يجهز النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم حين كان بالغار ويأتيه بالطعام، واستأجر له ثلاث رواحل، للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ولأبي بكر ودليلهم ابن ارهط، وخلفه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فخرج إليه أهله وأمره ان يؤدي عنه امانته، ووصايا من كان يوصي إليه، وما كان يؤتمن عليه من مال، فأدّى امانته كلها، وأمره أن يضطجع على فراشه ليلة خرج، وقال: ان قريشاً لن يفقدوني ما رأوك، فاضطجع علي على فراشه، وكانت قريش تنظر إلى فراش النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فيرون عليه رجلا يظنونه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم حتى إذا أصبحوا رأوا عليه علياً، فقالوا: لو خرج محمّد لخرج بعلي معه، فحبسهم الله عزّوجل بذلك عن طلب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم حين رأوا علياً ولم يفقدوا النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وأمر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم علياً أن يلحقه بالمدينة، فخرج علي في طلبه بعدما أخرج إليه فكان يمشي من الليل ويكمن بالنهار، حتى قدم المدينة، فلما بلغ النبي قدومه، قال: ادعوا لي علياً، فقالوا: انه لا يقدر أن يمشي، فاتاه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فلما رآه النبي اعتنقه وبكى رحمة له مما رأى بقدميه من الورم، وكانتا تقطران دماً، فتفل النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في يديه ثم مسح بهما رجليه، ودعا له بالعافية، فلم يشتكهما علي حتى استشهد). هذا، ولا خلاف في أن نوم علي أمير المؤمنين على فراش رسول الله أفضل من خروجه معه. وذلك أنه وطن نفسه على مفاداته لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وآثر حياته على حياته، وأظهر شجاعته بين اقرانه. وقد استدل العلامة الحلي في كشف الحق ونهج الصدق ومنهاج الكرامة بالاية والروايات على امامة أميرالمؤمنين عليه السّلام وقال: (هذه فضيلة له لم تحصل لغيره تدل على أفضليّته على جميع الصحابة فيكون هو الإمام).
وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز وجل “وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ” (البقرة 207) الطائفة السّابقة الّتي تحدّثنا عنها هي مجموعة من الأشخاص المعنادين والمغرورين والأنانيّين الّذين يحاولون أن يحقّقوا لهم بين المجتمع عزّة وكرامة عن طريق النفاق ويتظاهرون بالإيمان بأقوالهم بينما أعمالهم ليس فيها سوى الإفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل. أما هذه الطائفة الثّانية فتعاملهم مع الله وحده حيث يقدّمون أرواحهم رخيصة في سبيله، ولا يبتغون سوى رضاه، ولا يطلبون عزّة ورفعة الإّبالله، وبتضحيات هؤلاء يصلح أمر الدّين والدنيا ويستقيم شأن الحقّ والحقيقة وتصفو حياة الإنسان وتثمر شجرة الإسلام. ومن هنا يتّضح أنّ جملة “والله رؤوف بالعباد” بمثابة النقطة المقابلة لما ورد في الآية السابقة عن المنافقين المفسدين في الأرض: “فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ” (البقرة 206) وقد تكون إشارة إلى أن الله عزّوجلّ في الوقت الّذي هو رحيم ورؤوف بالعباد هو الّذي يشري الأنفس بأغلى الأثمان وهو رضوان الله تعالى عن الإنسان. وممّا يستلفت النظر أنّ البائع هو الإنسان، والمُشتري هو الله تعالى، والبضاعة هي النفس، وثمنها هو رضوان الله تعالى، في حين نرى في موارد اُخرى أنّ ثمن مثل هذه المعاملات هو الجنّة الخالدة والنجاة من النار، من قبيل قوله تعالى “إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ” (التوبة 111). ولعلّه لهذا السبب كانت (مِن) في الآية مورد البحث تبعيضية (ومن الناس)، يعني أنّ بعض الناس يستطيعون أن يقوموا بمثل هذه الأعمال الخارقة بحيث لا يطلبون عوضاً عن أرواحهم وأنفسهم سوى رضوان الله تعالى، وأمّا في الآية (111) من سورة التوبة “إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ” (التوبة 111) التي ذكرناها سابقاً رأينا أنّ جميع المؤمنين قد دُعوا إلى التعامل والتجارة مع الله تعالى في مقابل الجنّة الخالدة. ويُحتمل أيضاً في تفسير جملة “والله رؤوف بالعباد” وتناسبها مع بداية هذه الآية أنّ المراد هو بيان هذه الحقيقة أنّ وجود مثل هؤلاء الأفراد بين الناس لطف من الله سبحانه ورأفة بعباده، إذ لولم يكن بين الناس مثل هؤلاء الأفراد المضحّين المتفانين مقابل تلك العناصر الخبيثة لانهدمت أركان الدّين والمجتمع، لكنّ الله سبحانه بفضله ومنّه يدفع بهؤلاء الصّديقين الأولياء خطر أُولئك الأعداء. فعلى أيّ حال، فهذه الآية ومع الإلتفات إلى سبب النزول المذكور آنفاً تُعدُّ أعظم الفضائل لإمام علي عليه السلام الواردة في اكثر المصادر الإسلامية، وكانت في صدر الإسلام من الوضوح بين المسلمين بحيث دعت معاوية العدو اللّدود للإمام علي عليه السلام أن يُرشي (سمرة بن جندب) بأربعمائة ألف درهم كي يروي حديثاً مختلطاً ينسب فيه فضيلة هذه الآية إلى عبدالرحمن ابن ملجم، وقد اختلق هذا المنافق الجاني هذه الفرية، ولكنّ أحداً لم يقبل منه حديثه المجعول. نقل قصّة هذه المعاملة (ابن أبي الحديد) في شرح (نهج البلاغة) ج 4، ص 73.


