سبتمبر 4, 2026
1788555717525

أسرتك أحق بثمن السيجارة

علي الزهري

أربعمائة ريال فقط.

قد يبدو المبلغ بسيطًا حين يمد المدخن يده لشراء علبة سجائر، وقد يرتفع، بحسب النوع، إلى ألف وخمسمائة ريال. في الحالتين تُشترى العلبة، تُدخن، وتنتهي الحكاية في يومها.

لكن الحساب لا ينتهي هناك.

علبة واحدة يوميًا بسعر 400 ريال تعني نحو 146 ألف ريال في السنة، وإذا بلغ سعرها 1500 ريال، فنحن أمام أكثر من 547 ألف ريال سنويًا. وخلال عشر سنوات، يتراوح المبلغ بين مليون و460 ألف ريال وأكثر من خمسة ملايين و475 ألف ريال.

هنا لم تعد المسألة أربعمائة ريال.

وفي الواقع اليمني، لهذه الأرقام معنى أثقل. فسنوات الحرب والحصار، وما رافقها من تراجع اقتصادي، وتضرر قطاعات واسعة من البنية الاقتصادية، وانقطاع مرتبات كثير من موظفي الدولة لفترات طويلة، وتقلص فرص العمل ومصادر الدخل، أرهقت الأسر وضيقت خياراتها، حتى أصبحت الأولويات اليومية أكثر إلحاحًا، وأصبح توفير أبسط الاحتياجات عبئًا على كثير من البيوت.

في مثل هذا الواقع، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كم حاجة في البيت كانت أحق بهذا المال؟

غذاء أفضل، دواء، تعليم، ملابس للأطفال، التزام متراكم، أو حتى مبلغ يُدخر ليوم طارئ.

لا يتعلق الأمر بمحاسبة المدخن على ماله أو تقرير أين ينبغي أن ينفقه، وإنما بالنظر إلى الفاتورة كاملة. فما يبدو إنفاقًا يوميًا صغيرًا يتحول مع السنوات إلى رقم كبير، في وقت أصبحت فيه الموازنة بين احتياجات الأسرة أكثر صعوبة.

لكن المال ليس كل الفاتورة.

فالمدخن الذي يشعل سيجارته داخل منزله وإلى جوار زوجته وأطفاله لا يتخذ قرارًا يتعلق بصحته وحده. والشاب الذي يدخن في منزل يعيش فيه مع أمه وإخوته لا يحتفظ بدخان سيجارته لنفسه.

هناك آخرون يدفعون معه الثمن، رغم أنهم لم يشتروا السيجارة، ولم يشعلوها، ولم يختاروا استنشاق دخانها.

ووفق نتائج المسح العالمي للتبغ بين الشباب، الذي أُجري في اليمن عام 2014، أفاد 40.5 في المئة من الطلاب الذين تراوحت أعمارهم بين 13 و15 عامًا بتعرضهم لدخان التبغ داخل المنزل.

رقم يستحق التوقف عنده؛ لأن البيت الذي يفترض أن يكون مساحة آمنة للأسرة قد يصبح مكانًا للتعرض لدخان لم يختره الأطفال.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أنه لا يوجد مستوى آمن من التعرض لدخان التبغ غير المباشر، وأن هذا الدخان يرتبط بأمراض خطيرة، بينها أمراض القلب والجهاز التنفسي وسرطان الرئة.

وهنا تنتقل المسألة من خيار فردي إلى مسؤولية.

قد يقول المدخن: هذه صحتي، وهذا مالي، وهذا قراري.

لكن ماذا عن الطفل الجالس إلى جواره؟ ماذا عن زوجته؟ وماذا عن أمه وإخوته؟

هل اختار هؤلاء التدخين؟

المسؤولية تجاه الأسرة لا تتوقف عند توفير الطعام والمسكن والدواء. من المسؤولية أيضًا ألا نجعل من نحب يدفعون ثمن خيارات لم يشاركوا في اتخاذها.

ولهذا قد تدفع الأسرة فاتورة التدخين مرتين: مرة من دخلها، ومرة من صحتها.

والإقلاع عن التدخين ليس بالضرورة قرارًا سهلًا لمن ارتبط به سنوات طويلة، لكن إدراك حجم الفاتورة قد يكون بداية مختلفة للنظر إلى الأمر. وإذا تعذر الإقلاع فورًا، فإن حماية المنزل من دخان السجائر خطوة لا ينبغي تأجيلها، بالتوازي مع السعي الجاد إلى الإقلاع.

فالمسألة في النهاية ليست سيجارة تنتهي بعد دقائق، وإنما مال يتراكم إنفاقه، ودخان يصل إلى الآخرين، وأثر قد يمتد لسنوات.

وفي المرة المقبلة التي تمد فيها يدك إلى أربعمائة ريال لشراء علبة سجائر، ربما يستحق الأمر أن تسأل نفسك سؤالًا واحدًا:

ليس كم ثمن هذه العلبة، بل من سيدفع ثمنها معي؟

أسرتك أحق بثمن السيجارة، ومن تحب أحق بهواء لا يحمل دخانها.

«قرارك يحميك».. ويحمي من تحب.

#قرارك_يحميك
#الحملة_الوطنية_الثانية_عشرة_للتوعية_بمخاطر_التدخين